كل مدن العالم الفسيح لها خصوصيتها وطباعها، وفقاً للسياق المجتمعي والعادات والتقاليد وطبيعة الأعراف المتداولة فيما بينها، بل حتى نوعية الأكلات التي تُعرف من خلالها، كذلك الحال في الزي العام الذي يبرز وجه المدينة ويعطيها سمة مغايرة عن الأخريات. تندرج هذه التفاصيل ضمن مجالات الدرس الثقافي وأنساقه الظاهرة والمخبوءة، والتي أدارت الذهنية العربية وجهها ولم تتوقف عندها باعتبارها ضرباً من الهامش لا يجدي نفعاً. ربما في الفترة الأخيرة وبعد التداولية الثقافية التي حصلت، واجتراحات الإعلام بكل ما له وما عليه؛ ظهرت لدينا دراسات ثقافية نستطيع أن نقول إنها استقرت عند بعض من الجزئيات المهمة، لكن بودي أن أسلط الضوء في هذه المقالة على الذخيرة الغنائية المصاحبة لهذه المدن، وما يرافقها من أطوار لها قوامها المتفرد، وشيوعها بين أفراد المجتمع العراقي حتى تعدت شهرتها الحدود.
تأتت تسمية الطور من اللون أو الشكل الغنائي الذي ينتمي له المغني، حيث يخضع لمحددات نغمية ذات سياق واضح وجلي، يُغنّى على نغم معين بمقاسات موسيقية لها سلّمها ودرجتها، وكل حسب مقامها. فعُرف الغناء العراقي بكثرة أطواره، خصوصاً في مناطق الجنوب والفرات الأوسط، واخلتفت هذه الأطوار فيما بينها، من حيث خصوصيتها الفنية وأسباب تكيفها المناطقي الذي يتناول المناخ واللهجة وكثيراً من المراحل السياسية التي طرأت على هذه المدن.
بطبيعة الحال لو أجرينا مسحاً ميدانياً لفهرسة الأطوار الغنائية العراقية لتعرّفنا على كم له تأسيسه ودلالته النغمية وفقاً للمقام الذي يلزمه ويحكم خارطته، وقد تنوعت المقامات المولدة منها الأطوار، وأصبح لكل طور عدة مسارات غنائية، ويخضع هذا لمساحة المطرب الصوتية وقابليته على تدوير الجملة الموسيقية، ليُعرف كل مطرب بلون معين على الرغم من أدائه الطور نفسه، ومثالنا المبهر طور المحمداوي الذي تنوعت واختلفت طرائق غنائه، كذلك الحال في طور الغافلي، وقد خبرنا الكثير من هذه الأطوار التي وصلت الإذاعة والتلفزيون، واحتشدت الذائقة ازاءها؛ كونها انصهرت وتكونت ونضجت مع الناس وهمومهم الحياتية، لترتبط ارتباطاً حياً مع صيرورة الإنسان ومراحل تكونه، فما زال داخل حسن وحضيري أبو عزيز وناصر حكيم وسلمان المنكوب وعبادي العماري؛ يملكون ذلك الوهج على الرغم من كم الزعيق والعويل الذي اجتاح الفضاء العام لواقع الأغنية، وخلف وراءه جيلاً غير مستقر ثقافياً، بل لا يستطيع التعبير عن الأشياء التي تستوقفه. لكننا أمام محنة كبيرة في كيفية الحفاظ على هذه الخزانة الفنية العظيمة من التشظي والضياع. فبسبب هبوب القنوات الفضائية المؤاتية لعولمة المشهد العام؛ أصبح هناك تراجع كبير لمثل هكذا هوية ثقافية ذات أرث حضاري، لذلك صرنا نخشى على هذه القيمة الفنية أن تتبدد وتزول. وثمة سؤال مهم يشير إلى أن هناك خشية على هذا التنوع الجميل، لذا من المفترض، وبما أن هذه الأطوار أصبح لها تأسيس ومنهج وفقاً للسياقات المتعارف عليها، بمعنى تكونت لها صورة واضحة وجلية من ناحية بناء الجملة الموسيقية والركوز النغمي والقفلة؛ إذاً: لماذا لا تنظم ضمن المنهج الأكاديمي لدى المعاهد والجامعات التي تعنى بالموسيقى؟ وبالتالي هذا التثاقف يعطي اكتنازاً معرفياً ثراً، له حيازته داخل الذهنية المعنية بهكذا طرح، ناهيك عن الشيوع والمراس والدربة والمنهجية التي تظهر المعايير الجمالية والفنية لهذه الأطوار والتعرف على نشأتها وأسماء مبتكريها ومراحل تطورها على مدى الفترات الزمنية المتعاقبة. فما زالت هناك أسماء كثيرة ومبهرة ولها الفضل الأول؛ مغيبة عن المشهد، ولم تدوّن مآثرها الفنية، لتبقى محاولات من بعض المهتمين أو القنوات المتلفزة للإشارة لهم، لكن مثل هكذا مشاريع تحتاج إلى دعم جاد غير سطحي، لنستطيع أن نستحضر الدلائل الممكنة لولادة هذا الطور وفقاً للرؤى العلمية، وما نكنه من قراءات إجرائية تثري وتعزز مكانته، كيما تكون لدية حاضنه تعضّد من وهجه وتزيد من مداه. ومما لا شك فيه أن الكثير من هذه الأطوار قد تلاشت بسبب عدم توثيقها وحفظها في المكتبات؛ لذا يجب علينا أن نحيط بهذا المنجز الفخم باحتوائه والحفاظ عليه من الاندثار.