مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

فتحي عفيفي: الفن يقاوم سيطرة الآلة

تمثل تجربة التشكيلي المصري المخضرم فتحي عفيفي (73 عاماً) حالة فريدة مغايرة، فهو لم ينس على مر السنوات أنه بدأ حياته عاملاً بسيطاً، فتأتي أعماله الفنية كلها مستلهمة من كفاح العُمّال، ومشحونة بدهاليز المصانع التي خبرها جيّداً، خصوصاً في مجال الإنتاج الحربي.
في أحدث معارضه (الرحلة) في غاليري بيكاسو بالقاهرة (مايو-أيار 2022)، يواصل فتحي عفيفي ما أسسه في معارضه السابقة (الإنسان والآلة) و(بروليتاريا) و(الكادحون) و(دنيا) و(مراحل) من مشروع فني واضح الملامح والمحددات، حيث يقيم الفنان علاقة خاصة مع الأبيض والأسود، والألوان الشاحبة، مصوّراً عصارات التروس والزيوت والأدخنة، ومُنشئاً عالماً ظلاميّاً ضيّقاً، له طبيعة خاصة، يعكس حياة عملية خشنة خالية من البريق والبهرجة.
في ظل واقع جافّ تسوده القيم المادية الاستهلاكية وتهيمن عليه الميكنة وقوانين التسليع، تحل اللغة الرقمية محلّ المجازات والخيالات، وتأتي حشرجات الآلات في موضع دقات القلوب، وتضيق الفجوة بين البشر والماكينات في منظومة الحركة المشروطة المقيّدة.
وفي هذا الإطار، تأتي تجربة الفنان فتحي عفيفي، مُقرّبة بين الإنسان والآلة، والروح والطاقة، ومعبّرة تعبيراً مباشراً عن دراسة الفنان وعمله منذ زمن بعيد في ميدان الإنتاج الصناعي، وانغماسه في معايشة العمّال والطبقات المتوسطة والفقيرة والمهمّشة، وملامسة همومهم ومعاناتهم وتفاصيلهم الاجتماعية اليومية، حيث ينتصر للبشر في نهاية المطاف، مؤكداً أن هيمنة الآلة وهميّة، إذا استمسك الإنسان بجوهره حتى الرمق الأخير.
فلسفة المجتمع الصناعي
تبقى لغة الفن الصادق هي لغة الحياة، فبصيرة المعاينات الملموسة في أحوال كثيرة تصير لها الغلبة ويتحقق لها التأثير الأعمق والمصداقية الأوسع نطاقاً من روافد التخييل والمعرفة وشحنات الذاكرة. وينطلق فتحي عفيفي في لوحاته من أقرب المشاهدات والخامات الملاصقة لحواسّه، كفنّان وعامل في الوقت نفسه، تتوزّع ساعات يومه بالعدل بين المرسم والمصنع.
باحتفاظه بهويته التعبيرية، يستحق عفيفي، الذي أقام عشرات المعارض داخل مصر وخارجها، لقب (فنان المصنع)، ليس بوصفه مجرد ناقل لصور ومواقف وتحركات داخل أروقة المصانع (طبيعته الخاصة المحيطة)، وإنما باستشفافه فلسفة (المجتمع الصناعي) بطبقاتها العميقة، وبكل ما تحمله من سمات، وما تعنيه من دلالات مادية ومعنوية وتأثيرات على حياة الإنسان المعاصر، ذلك الكائن الذي بات بعيداً عن فطرته وبراءته ووهجه وخميرته البدائية.
ينسج الفنان المصري، الأخصائي الفني بالمصانع الحربية، قماشته الكلية عادة بالأبيض والأسود، والخطوط والظلال الداكنة، مستعيناً بوجه الفحم الصادم وقتامة الأحبار والزيوت والأبخرة والظلال، ومتخلصاً في طقسه الشبحي المُعتم من كل عناصر الوهج والزينة والزخرفة، بما في ذلك التلوين ذاته، فالتجرد والتقشف يحكمان الحالة حد الصرامة، ولا مجال لأية رفاهية أو بصيص نور زائد على الحاجة.
يتخفف عفيفي، مشرف قسم الفنون التشكيلية بالاتحاد العام للعمال، من معايير التحديد والتفرقة بين الحدود والملامح البشرية، فالعمومية هي سيدة الموقف. ومثلما تتشابه التروس وتتكامل، فإن العُمّال هم مجموعة متراصة من الأرقام والأدوار، وما يبقى في الوجوه والأعضاء الآدمية هو حصاد الكدّ والكدح والتعب على مدار النهار والليل. وحتى الأحضان والقبلات ولحظات العشق المسروقة فإنها ميكانيكية الطابع، وبصحبة الآلات المؤطرة للمشهد.
يطرح عفيفي بمهارة فائقة فكرة دائرية الواقع المعيش ومحدودية الكون الصغير، فكل حيّز محكوم بأرض وجدران وأسقف، وكل الأيام متشابهة، وكل البشر سواسية، والحركات المكرورة المستعادة هي بمثابة دوران الإنسان المنتظم حول المتاعب ذاتها، والمصير مقترن دائماً بالعمل. ومهما يزدْ بذل العطاء، فإن الحصاد مرّ، والمردود ضئيل، مقارنة بالعرق والدموع والدماء المبذولة.
الدفء العائلي
على الرغم من إيمان فتحي عفيفي، المشرف على الديكور المسرحي بالبيت المسرحي لشباب العمال، بأنه لا سبيل لتماسك المجتمع ونهوضه وتقدمه بدون الانكباب على العمل المنظّم ليل نهار، فإنه يبدو منحازاً في تجربته التشخيصية إلى ملاحقة الآثار السلبية لذلك الانخراط الهستيري في العمل، على الفرد.
يتقصى الفنان في لوحاته بأناة واصطبار آلام فصائل العمّال وجراحات الطبقات الاجتماعية الدنيا، مشرّحاً من خلال القسمات والخطوط الدقيقة ما تحت الجلد من اكتواء عضوي وانهيار نفسي وإحساس بالقهر والعدمية، فمحراب المصنع على ما فيه من قداسة فإنه ليس كمحراب التعبّد النوراني، فهو ليس أكثر من وسيلة لتجاوز محنة الاحتياج، وكلما حوصر الإنسان بضغوط فوق تحمّله، كلما خفتت إشعاعاته مع بريق العالم الزائل من حوله.
يقتنص الفنان المصري لحظات إنسانية متنوعة متشابكة في يوميات البسطاء والعاديين المأزومين، مبرزاً وجوه الإحباطات المختلفة، والتأرجح بين القنوط والرجاء، والخوف والطمأنينة، والشرود والتأمل، وقابضاً على جمر تلك العلاقات العائلية والتجمعات الحميمة التي لا تزال تربط البشر بعضهم البعض، ولا تخلو من دفء كامن وائتناس وألفة، على الرغم من قسوة الحاضر الكابوسي المحيط وبرودته.
غموض شفيف
على الرغم من انطلاق الفنان فتحي عفيفي في أعماله من بيئة واقعية، فإن تكويناته لا تخلو من غموض شفيف على المستوى الشكلي، فهو ليس فوتوغرافيّاً، وإنما هو غوّاص خلف مضمون إنساني متوتر قلق، يُبحر إليه بدأب ويلتقطه بسلاسة من تحت قشرة العمل الصارم المنضبط في المصنع.
في هذه الطبيعة الخشنة الغليظة، لا ينخدع الفنان بألاعيب الجمال الزائف، والدعوات الانسحابية والرومانسية الرافضة للحقيقة، وإنما هو يشتبك مع الحياة كما هي، ويغزل من ألوانها وموسيقاها وإيقاعاتها شحنات انفعالية تتشابه مع أنفاس الكثيرين من حوله، ولذلك فإن هؤلاء المحيطين به يصدقون هذه الأعمال التي يجدون أنفسهم فيها بغير رتوش، ويتفاعلون معها عاطفيّاً وتأثيريّاً من دون الاحتياج إلى تأويلاتها الذهنية والجمالية، وهذا سر نجاح فنان المصنع ورفيق العمّال في رحلته الفنية الممتدة على مدار أكثر من نصف قرن.
ذو صلة