مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

فيلم سبيلبيرج (The post) حرية الصحافة.. أفعى سامة أم صندوق ذهبي؟

لقد تردد صدى تلك الصيحة في آذاننا، وعبر الشيء الذي لا يمكن عبوره. دانييل إلسبرج (ماثيو ريس)، محلل عسكري أمريكي يكشف مستنقعاً جديداً من أكاذيب حكومة بلاده عن حرب فيتنام، ويشعر بأن من واجبه أخذ خطوة في أي اتجاه فالصمت خيانة، فينسخ وثائق فائقة السرية والخطورة من أوراق البنتاجون. إنه الآن يحتفظ بأفعى سامة في صندوق ذهبي أنيق. سوف ترى كاي جراهام (ميريل ستريب)، مالكة واشنطن بوست التي تحاول أن تفهم أين تضع قدميها بعدما استلمت أعمال زوجها الراحل عندما يكتشف المحرر بن برادلي (توم هانكس) السبق الصحفي الذي تنوي نيويورك تايمز الاستحواذ عليه، لكن (بوست) تعثر على دانييل والأوراق الملغومة، وعلى كاي أن تقرر: التزام السكوت والأمان أو الدفاع عن حرية الصحافة وتحدي السلطة الفيدرالية بكشف هذه المستندات على الملأ!
سبيلبيرج، كعادة أي مخرج عملاق يصل إلى عمره وخبرته، يُقرِّر أن يسند كتابة أفلامه إلى أقلام غير لامعة أو محترفة بما يناسب الموقف، من ناحية يرون أنها فرصة لتجديد الدماء، ومن جهة أخرى يطلقون العنان لرؤيتهم الإخراجية التي تعني أحياناً أنه من المستحسن تجاهل الحوار المنطلق! كان هذا سبباً رئيساً في ضعف مستوى أفلام يوسف شاهين التي كتبها مع تلامذته مقارنة بالتي كتبها مع أقلام مثل نجيب محفوظ ومحسن زايد. كتب فيلم (بوست) جوش سينجر (الذي يعشق الكتابة عن أهمية الصحافة) وليز هانا، وكلاهما بلا تاريخ قوي (هذا هو أول سيناريو مُنتَج لهانا وتم اختياره من موقع على الإنترنت!). المخرج هنا يتبع النهج الاقتصادي الجديد في السينما: حوار مكثف موجز والتعبير بالصورة عن مقاصد الفيلم. ستلاحظ هذا المنهج في أفلام معروضة الآن مثل (three billboards outside ebbing Missouri) و(shape of water). سبيلبيرج هنا يناقش حرية الصحافة في السبعينات، كملخص لقضية أكبر الآن هي (ما هي سلطة الإعلام بالضبط؟ هل هو صوت الشعب أم بوق الحكومة؟) وبما أن الأمر مطروح على شاشة السينما ضد سياسة الدولة (أو بعلمها، الله أعلم!) فالدائرة تتسع لجدال: هل اختفاء الرقابة أطلق للحريات العنان أم سلَّمها لقيود (التصحيح السياسي)؟ والفيلم يهديه إلى نورا إفرون التي ساهمت في كشف فضيحة واترجيت عام 1972 في جريدة واشنطن بوست التي يحمل الفيلم اسمها، وأثناء تصويره اقترح المخرج أن يصدر للجمهور تحت عنوان (الأوراق) قبل أن يعود إلى عنوانه الأصلي (بوست). وفي نهاية الفيلم ستشاهد ظهور فضيحة واترجيت على صفحات بوست أما الأوراق التي ظهرت في الفيلم، والتي سقط بعضها على أرضية برادلي هي وثائق وزارة الدفاع الحقيقية التي عثر عليها إلسبرج فعلاً. تتبع أفلام سبيلبيرج النظرية الشكلية التي تعتبر السينما وسيطا للمعالجة الفنية، يتجاوز فيها المخرج فوضى الواقع وضبابيته المشوشة لتحويل مادته الفيلمية إلى شكل سينمائي نقي لكي يستطيع إظهار الحقيقة، وإن بالغ في زيادة التوتر باستخدام لقطات مقربة عديدة للوجوه وحركات الأصابع لإضافة مسحة درامية على الأحداث التي قد تسقط بسهولة في فخ ملل الأفلام الوثائقية. المخرج حكَّاء من الدرجة الأولى، لديه صبر وموهبة تدبير المونتاج الزماني/ المكاني والابتعاد عن القطع القافز واللقطات العكسية (تأثير كوليشوف)، وهو ملتزم بمدرسته الواضحة منذ إنديانا جونز: مشهد تأسيسي بعده مشاهد متوسطة ثم لقطات أقرب لتتابع سردي منطقي ولم يخرج عن هذا الخط إلا نادراً (في minority report مثلاً).
في أول فيلم لها مع سبيلبيرج، العصا السحرية هنا هي ميريل ستريب في دور امرأة حقيقية (كاي جراهام) مرة أخرى، بعد تاتشر وليندي شامبرلين وجوليا شايلدز، هذه المرة هي سيدة بلا خطة أو هدف تجد نفسها فجأة مركز الاهتمام وهيئة عملاقة تنتظر رأيها النهائي في قرارات مصيرية، قالت لنفسها إنها تحتاج إلى الهدوء والصفاء، لكن رائحة الحقيقة نتنة، فبدأت الألسنة تتحدث بالسوء وبدأت الأكاذيب تنهال، وها هي تكافح حتى تعثر على صوتها الخاص ويصبح كل شيء في مكانه الصحيح بالنسبة لها، أو تعرف على الأقل أن عليها المحاولة في هذا الطريق. إن ملكيتها لجريدة واشنطن بوست تجبرها أن تكون سيدة قوية بمعونة محرر صالح هو بن برادلي في حوزتهما تسريبات مرعبة تخص الحرب. أمانتهما المهنية على المحك، وسلامتهما الشخصية بالتالي حيال حكومة ماكرة، إما أن تعتقلك بتهمة ملفقة أو تحيطك بحلقة اضطهاد على طريقة (اتركه في ركن ودعه يفني نفسه من الداخل)! يلعب دور بن، الفنان الكبير توم هانكس في خامس تعاون له مع سبيلبيرج متفوقاً على الرقم القياسي الذي حققه هاريسون فورد (إنقاذ المجند ريان، أمسكني إن استطعت، محطة الوصول، جسر الجواسيس) وكان هانكس على علاقة فعلية بالشخصيتين الأساسيتين في الفيلم على أرض الواقع (كاي وبن) ومنح شخصية برادلي بعده الإنساني مقارنة بجيسون روباردس الذي قدم الشخصية نفسها من قبل في فيلم (كل رجال الرئيس) 1976. هذا هو أول ظهور لهانكس مع ميريل ستريب، وقد أنتج لها من قبل فيلمها (ماما ميا!).
الفيلم لا يقدم إجابات حازمة جازمة، بل إنه يؤكد على أننا في هذا العصر في حاجة ماسة إلى التخفف من الحدة والصراحة لأن لعبة هيمنة الحكومات على وسائل الإعلام صارت مكشوفة ويجب التعامل مع هذه الحقيقة بمفردات واقعية أكثر، وإن القراءة الأولى للنصوص والمشاهد كثيراً ما تجعل المتلقي يقع في فخ الانطباعات الأولى، ومحاولته البحث عن أخطاء وخصومات، ومن ثم عدم القدرة على استيعاب علاقات ومبادئ كثيرة وفهم الخبر والموقف وأنفسنا. وإذا كانت الانطباعات الأولى غير واعية وعاجزة، فإن من واجب التأويل والتحليل أن يدفع الغرض بغرض آخر، أن يتشكك فيما يثير في نفسه، ثم يطرح تساؤلات عديدة متلاحقة بغرض الوصول إلى الحقيقة الثابتة الشاملة وذلك لغرض أهم وهو خدمة الشخصية القومية ودور الإنسان وخدمة التطور ومسيرة الحياة. بالطبع الحياة مستمرة، ولكن على أي أساس؟ إن أصول التعامل مع السلطة وأساليب كشف الحقائق فضلاً عن معرفتها واسعة متشعبة جليلة، بالإضافة إلى أن النهضة الفكرية الحديثة في العالم لا تعرف العناية بأصول التأويل والبحث ودروس البدايات، درس الإمعان في ذهن رجل الشارع الذي لا يعرف حتى حقه في الديمقراطية ومازال يتساءل في بلادة: هل هي خطر داهم كما يقولون؟! والأهم من كل ذلك وجود حقيقة راسخة ليست فقط بمثابة نقطة ارتكاز للاستقرار والتطور بل كحائط صد يمنع طغيان جهة ضد الأخرى.
ذو صلة