يتخذ الروائي الأمريكي (ويليام لانداي) مِن عناصر حبكة (من القاتل؟)، استهلالاً جذاباً يشدنا إلى عالم روايته (دفاعاً عن جيكوب). وإن كانت هوية القاتل وغرضه من القتل، ستظل بلا إجابة حتى نهاية العمل، ليس من باب التجديد في الحبكة، بل لأن العمل هنا لا يبحث عن القاتل من الأصل، كما أنه لا يدعونا للشك في براءة المتهم، رغم توافر الأدلة الأولية ضده على طريقة الفيلم الشهير (12 رجلاً غاضباً)، فالأمر أكثر تعقيداً من ذلك. نحن أمام أبوين عاديين في موقف غير عادي، فالأب (أندي) رجل عدالة يعمل كنائب للمدعي العام في مدينته، أي أنه ليس مجرد قانوني خبير، إنه ذو سمعة حسنة أهلته لتلك المكانة، والأم (لوري) مربية فاضلة تعمل في مؤسسة خاصة لرعاية الأطفال الأيتام، فمَن مِن الممكن أن يتخيل أن يكون ابنهم المراهق قاتلاً محتملاً!، إنه الكابوس الذي تستيقظ عليه العائلة السعيدة المثالية، لتكتشف بين ليلة وضحاها أنهم لا يعرفون الكثير جداً عن ابنهم الغامض جيكوب، فما عساهم أن يفعلون؟
تميّز المسلسل لم يأت فقط من الاقتباس المُحكم لرواية ممتازة، على يد السيناريست (مارك بومباك)، حيث بناء متصاعد ومشوّق بلا ثغرات، وشخصيات مدروسة وتتطور بمنطق درامي، ولكن التميز يأتي أنه وإلى جانب كل ذلك، أن رواية لانداي تناقش عدداً من القضايا الملحة جداً، أولها هي خلل المنظومة التربوية في عصر الإتاحة بلا قيود، فالأبوان يتعاملان مع جيكوب كما لو كان لم يعد طفلاً، حيث لا رقابة على دخوله على الإنترنت، الأب يرى أن فرض الرقابة عليه عملية مستحيلة، وأنه سيتمكن من تصفح كل المواقع التي يرغب بها، وسيمسح خلفه تاريخ البحث والتصفح، فالحل الأمثل هو بالمناقشة والإقناع، ولكن النتيجة المرعبة أن جيكوب تطورت لديه عادات وميول خطيرة بتصفح المحتوى الجنسي العنيف، والذي يحتاج إلى دخوله إلى الـ(ديب ويب) لأن محتوى بذلك الفظاعة والوحشية لم يعد متاحاً على الإنترنت العادي، أي أن جيكوب تجاوز كل خطوط الرقابة الأبوية والدولية والأخلاقية الممكنة، وهو ما ينم عن نفسية غير سوية بالمرة، والأمر لا يتوقف على الإنترنت، فالأبوان أيضاً لم يلقيا بالاً بنوعية الـ(فيديو جيمز) العنيفة التي يفضّلها، ففي كل مرة يدخل أحدهما عليه الغرفة لا تكون في فمه سوى كلمات القتل.
والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فقانون حق امتلاك وحمل السلاح في الولايات المتحدة، والذي تمت مناقشته في عشرات الأعمال الأمريكية، لا يزال يمثل معضلة بلا حل، وفي حالة جيكوب تمكن من شراء سلاح أبيض والاحتفاظ به في غرفته، ما يعني أن غرفته أيضاً لا تخضع لأي نوع من الرقابة، وهو ما سمح له بحمله معه في المدرسة والتلويح به لزملائه، وهو ما جعل نسبة الشكوك به ترتفع جداً، خصوصاً أن زميله (بن) قُتل مطعوناً بسلاح أبيض، الأمر تجاوز الشكوك إلى الاتهام الصريح على شبكات التواصل الاجتماعي، ومنه إلى المدرسة والمجتمع بأثره، والنتيجة بعد كل ذلك هو أن الأبوين استيقظا ذات ليلة من النوم، ليكتشفا أنهما لا يعرفان أي شيء عن ابنهما!
القضية الثانية التي يطرحها العمل، هي خلل المنظومة القضائية التي يمكن التلاعب بها بواسطة رجالها أنفسهم، كيف تصرف رجل القانون عندما أصبح ابنه في موضع اتهام؟ رفض الانصياع لبروتوكول الجهة التي يعمل بها، كسر كل الإشارات الحمراء إلى منزله، في محاولة لإخفاء ابنه أو تهريبه، أخفى دليلاً محتملاً لتورط ابنه في القضية (السلاح الأبيض)، ولولا وصول زميلته إلى بيته في الوقت المناسب مع إذن التفتيش، لكان من الممكن أن يُتلف عدداً أكبر من الأدلة المحتملة كأجهزة الكومبيوتر وغيرها، لقد استغل معرفته بالقانون للتلاعب به، ولأجل حماية ابنه، ولم يبدأ في سلك المسار القانوني بالاستعانة بمحام إلا بعدما تم تجريده من كافة صلاحياته الوظيفية ونطاقات نفوذه الممكنة، وهو ما يطرح السؤال المقلق: ماذا لو كان أحد هؤلاء الرجال ذو طبيعة إجرامية، ويتمكن بالفعل من تنفيذ جرائمه دون مساءلة بسبب خبرته الكبيرة في إخفاء الأدلة والتلاعب بالقوانين؟ أما السؤال الأخطر هو طريقة تبرئة جيكوب من القضية برمتها، فهو لم يخل سبيله لعدم كفاية الأدلة، ولكنه حصل على براءة تامة كاملة، لأن شخصاً ما كتب بخط يده اعتراف أنه هو القاتل، وحتى مع تأكد جهة التحقيق أن هذا خطه بالفعل، فإنه لم يراع بأي حالة أنه قد كتب الاعتراف تحت تهديد السلاح، وهي ثغرة قاتلة في المنظومة برمتها.
ساعدت خلفية الروائي لانداي كمحام سابق، على رصد وتفكيك المنظومة بعين خبيرة، وهو ما انعكس على العمل ككل، فسير التحقيقات، وتفاصيل المرافعات، وتوجيهات المحامية إلى عائلة جيكوب، نرى في الكثير منها تفاصيل طازجة وجديدة، مثل طريقة التعامل مع الصحافة، نوعية ردود الأفعال المطلوبة في قاعة المحكمة، كيفية إقناع هيئة المحلفين، الاجتماعات الجانبية مع القاضي، كلها غلّفت العمل بمصداقية كبيرة وجعلته واقعياً أكثر وأكثر.
القضية الثالثة التي تكشّفت بمرور الأحداث، هي خلفية والد أندي الإجرامية، وهو ما يذكرنا بفيلم (روبرت دي نيرو) الشهير (City by the Sea)، ذلك الفيلم حيث دي نيرو ضابط شرطة مثالي ومشهود له بالكفاءة المهنية والسمعة الطيبة، ولكن تتجلى مأساة حياته أنه ابن لقاتل، وأب لابن مدمن ومتهم في قضية قتل، وبينهما يحاول هو أن يعيش في سلام، تتكرر نفس المأساة هنا بحذافيرها، باستثناء أن جيكوب ليس مدمناً للمخدرات، ولكن ميزة العمل هنا أنه يأخذ المشكلة إلى مستوى أكثر تعقيداً، فسمعة الأب السيئة لم تؤثر بالسلب على أندي وظيفياً، ولكنها تسببت في شرخ عميق في نفسيته وحياته من جهة، وشكلت تهديداً لمستقبل حفيده من جهة أخرى، فأندي أخفى على زوجته حقيقة والده وأخبرها أنه لم يقابله أبداً من قبل، وفعل ذلك بالمثل مع ابنه، ومع زملائه بالعمل، ومن الملاحظ أن أندي لم يكوّن أبداً علاقات صداقة حقيقة طوال حياته، وأن أقرب الناس إليه هي زوجته، ومع ذلك أخفى عنها كل شيء، مما يشير إلى حجم الألم والخجل الذي يعتمل أندي من تاريخ والده، فهو لم يقتل فتاة وحسب، بل واغتصبها قبل القتل! أما تأثير ذلك على الحفيد جيكوب، هو استغلال الإعلام لتلك المعلومة، لتأكيد أنه تسري بتلك العائلة دماء إجرامية حقيقية، وهو ما يضعف موقف جيكوب أكثر وأكثر في الاتهام الموجه إليه.
وهو ما يقودنا بطبيعة الحال إلى القضية الرابعة، فمحامية العائلة اقترحت أن يخضع جيكوب لتحليل DNA ولاختبارات وراثية ونفسية، بحثاً عن جين (المحارب) أو جين القتل، ففي حال حدث السيناريو الأسوأ وصدر حكم بإدانة جيكوب بالقتل، فإن المحامية ستلعب بورقة العامل الوراثي، لتحصل على حكم مخفف يصل لعشرين عاماً، بدلاً من الحكم المؤبد بالسجن، فهل تصبح الجينات ذريعة للحصول على حكم مخفف؟ وإن كانت العوامل الوراثية لها دور كبير بالفعل في تصرفات الإنسان، فهل من الأخلاقي مراجعة قوانين الأحكام لهؤلاء الأشخاص! وفي حالة جيكوب فهو لم يرث جين المحارب، ولكنه ورث جينات أخرى محفّزة للسلوك العنيف، وبرغم عدم قطعية الأمر، إلا أنه أكد أن جيكوب كان يحتاج إلى نوعية تربية مختلفة، على الرغم من أن التهمة لم تثبت عليه.
القضية الخامسة هي السؤال الذي انطلقنا منه، هل أمان العائلة أهم من تحقيق العدالة؟ ففي الوقت الذي ينحاز فيه الأب للعائلة بشكل مطلق وغير مشروط، تدخل الأم في صراع أخلاقي سيقود خاتمة الأحداث، أندي مصمم منذ اللحظة الأولى أن جيكوب بريء، وأن جيكوب مراهق طبيعي يتصرف بحماقة ملائمة لمن هم في مثل عمره، بينما يتسلل الشك إلى قلب الأم من اللحظة الأولى، فهي وإضافة إلى كل ما تم اكتشافه عن حياة ولدها، فهي تحتفظ له بذكرى قديمة جداً في رأسها لا تستطيع نسيانها، ففي أحد المرات التي اصطحبته فيها إلى لقاء مع أصدقائها في نادي البولينج، وبسبب اختلافه مع ابن صديقتها على من يلعب أولاً، قبض جيكوب على كرة بولينج وذهب بها إلى الطفل الآخر، ورفعها عالياً من ظهره، وقبل أنه يهوي بها على رأس الطفل الآخر ليحطم رأسه، كانت لوري قد انتبهت لما يحدث وأنقذتهما في اللحظة الأخيرة.
عندما يعرف أندي للمرة الأولى أن أباه هو من أنقذ ابنه من القضية، أخبره أبوه السجين أنه الآن عليه أن يختار شيئاً من اثنين، أن يكون (رجلاً صالحاً) أي أن يخبر هيئة المحكمة بحقيقة الأمر، ويعاد فتح القضية ومعه الكابوس من البداية، أو أن يكون (أباً صالحاً) بأن يبحث عما في صالح ابنه، متناسياً دوره كرجل قانون، ولأن أندي ظل طوال حياته يتمنى لو كان له أباً صالحاً فقد قدم استقالته من العمل، وانحاز لابنه وربما انحاز لنفسه كأنه يعيد إصلاح ما فات، بينما لوري التي لا تعاني من تاريخ مشابه لزوجها، ظلت معضلتها الأخلاقية وضميرها الحي يعذبها، أولاً لأنها تريد أن تعرف حقيقة ابنها الذي ظلت تربيه طوال حياتها، هل أثمرت حياتها عن مراهق طبيعي، أم أن حياتها كأم كانت كذبة كبيرة كحياتها كزوجة مخدوعة في طبيعة حياة زوجها وما أقحمها فيه رغماً عنها، وثانياً لشعورها المؤلم أنها تأوي قاتلاً في منزلها، لديه القدرة أن يقتل المزيد من الضحايا الأبرياء الذين لا ذنب لهم، أبرياء تماماً كهؤلاء الأطفال الذين عاشت سنوات طويلة في خدمتهم، والآن أصبحت غير قادرة على العودة لهم من جديد، ولا على العودة للحياة الطبيعية التي ظنت أنها تعيشها طوال خمسة عشر عاماً، لذلك كانت تصرفاتها منطقية تماماً طبقاً لشخصيتها طوال الأحداث.
الفارق بين الرواية والمسلسل، هو أن السيناريست مارك بومباك قد عزز أكثر وأكثر الحيرة تجاه كون جيكوب مذنباً أم لا، وذلك عن طريق تغيير عدة تفصيلات، أولاً جعل الفتاة التي تعرف عليها جيكوب في الشاطئ، تعود سليمة إلى أهلها بعد اختفائها، بل وأكدت أنها قد تم احتجازها من قبل شخص آخر بالقوة، في حين أنها في الرواية عثر عليها مقتولة بشق من نصل حاد في قصبتها الهوائية، ذلك الفارق صب في مصلحة الشكوكية، وصنع مفارقة أن الأم الآن تعلم بأن جيكوب لم يخرج من القضية بشكل سليم، ولكن جده هو من دبر تلك الخطة لتبرئته، ما يعني أنه ما زال هناك احتمال أن يكون ابنها قاتلاً، التغيير الثاني في السيناريو أنه جعل جيكوب ينجو من حادث السيارة الذي دبرته الأم وهي في حالة نفسية وعقلية غير متوازنة، والآن أصبح أندي لديه ابن يشك في كونه قاتلاً، وزوجة يشك في كونها كانت تنوي قتل ابنها، وفي النهاية يجلس أندي وحيداً بعدما تفككت عائلته وانهار كل شيء بشكل مأساوي.