تتميز الأمم والحضارات بمبدعيها الاستثنائيين القلائل الذي يخلدون منجزها ومآثرها عبر التاريخ، مثلما خلد المبدعون وكتاب الأساطير والملاحم حضاراتهم وحروبهم وأبطالهم وانتصاراتهم، كالرومان والإغريق وسكان وادي الرافدين والعرب في أشعارهم ومعلقاتهم الخالدة التي اعتبروها سجل تاريخهم وديوان مفاخرهم عبر الزمن.
وإذا كان لكل زمن أدواته ومبدعوه الذين يمثلون ذاكرته الحية عبر القرون؛ فإن فن الغناء يعد، بلا شك، أحد وسائل العصر وطرقه في التعبير عن هموم الإنسان والوطن في السلم والحرب والأفراح والأتراح.. وغيرها.
وتعد تجربة الفنان السعودي الكبير (فنان العرب) محمد عبده من أهم التجارب الغنائية الخليجية والعربية ثراء وتنوعاً وعمقاً واستمراراً وتفرداً. فقد غنى للحب والسلام والوطن والخير والإنسان، وتفاعل مع وطنه في كل مواقفه، وتغنى بكل جزء وبقعة من هذا الوطن، من شماله إلى جنوبه ومن شرق إلى غربه، حتى باتت حنجرته جغرافيا مفتوحة تتجسد عليها خارطة وطن كبير. بل إننا نكاد كلما ذكرت منطقة من مناطق المملكة العربية السعودية تقفز إلى أذهاننا مباشرة أغنية لمحمد عبده الذي تغنى بالحجاز ونجد والشمال والجنوب، ورسخ في أذهان المستمع العربي عبر أغانيه مدناً وقرى سعودية عديدة مثل الرياض وجدة وصبيا وسودة عسير وأبها والباحة والأحساء والساحل الغربي والساحل الشرقي ووادي حنيفة ومكة والمدينة والطائف وأبحر وجبال السراة والنماص.. وغيرها.
إننا لا نتحدث هنا عن الغناء للوطن أو ما يعرف بـ(الأغنية الوطنية)، رغم تفرد الفنان محمد عبده في هذا الميدان أيضاً، ولكننا نتحدث عن عنصر المكان الذي يجسد ملمحاً خاصاً في الكثير من أغانيه، فتارة يتجلى المكان في هيئة المعشوق بمفاتنه وجماله ودهشته مثل أغنية (عاشق خزامى)، وتارة أخرى يكون المكان رمزاً إبداعياً قابلاً للتأويل ومنفتحاً على الكثير من الدلالات مثل أغنية (وين أحب الليلة)، وتارة تمزج الأغنية بين المكان والحبيب ليتوحدا في روح واحدة ويصبحان كينونة مفردة تلهم الفنان مشاعر الحب والجمال، مثل أغنية (ليالي نجد).. وغيرها الكثير.
مشروع إبداعي
إن الاحتفاء بالمكان وتجلياته في أعمال الفنان محمد عبده ليس أمراً عرضياً عابراً، وإنما هو مشروع إبداعي مرسوم في مخيلة الفنان بوعي مدروس، يسعى إلى ترسيخه وإبرازه كمحور رئيس من محاور التجربة الغنائية، يرسم من خلاله الوطن بجهاته ومواسمه وتضاريسه وتفاصيله المتنوعة وملامحه الخاصة، لتصبح الأغنية عالماً ينبض بروح المكان ورائحته ودفئه وجماله. إنها أغنيات تلهم المرء الإحساس العميق بقيمة الانتماء الإنساني لهذه الأرض، وتكون الأغنية رافداً من روافد التكامل بين الإنسان وأرضه ومحيطه الإنساني الكبير.
وإلى جانب المشروع فهناك العشق الذي يحرك الفنان تجاه هذه الكلمات ليتبناها فنياً ويحيلها إلى أعمال غنائية تجسد حبه لهذه الأرض وتجعل الناس تردد معه هذه الأغنيات البديعة التي تعبر عن حبها الفطري لموطنها، وبالتالي تصبح الأغنية لصيقة بوجدان الإنسان ساكنة في ضميره، نابضة بمشاعره. ويتجلى ذلك في العديد من الأغنيات أبرزها أغنية (عاشق خزامى) التي صاغ كلماتها الشاعر الأمير خالد الفيصل الذي شكل مع الفنان محمد عبده ثنائياً فريداً، فقدما في هذا الإطار معاً العديد من الأعمال التي تفيض بحب الأرض، وتتغنى بعشق المكان أرضاً وسماءً، ساحلاً وصحراء. تقول الأغنية:
لا تسألوني ليه أنا
عاشق خزامى مستهام
إذا عرفتوني أنا
تدرون وش سر الغرام
أصلي أنا بيتي شعر
والبر هو ديرة هلي
فرشي ثرى وسقفي سما
وترابها غالي علي
اشفق على خزة ظبي
في طعس من فوق الغدير
ومشاهدة سرب القطا
من روض للثاني يطير
الله على شمس المغيب
والليل لا نسنس هواه
الضّو تقدح بالجمر
والنجم يقدح في سماه
ثنائية المكان والحبيب
ومن الأغاني التي تتغنى بعشق الأرض وطبيعتها وتفاصيلها؛ إلى الأغاني التي تمزج بين حب المكان والحبيب الذي يقيم فيه، فيصبح الحبيب بمثابة وطن ويصبح الوطن بمثابة حبيب، في ثنائية فريدة تجمع بين المكان والحبيب في كينونة واحدة. ويستطيع المتابع لفن محمد عبده الوقوف على العديد من هذه الأغاني مثل أغنية (ليالي نجد) و(أنورت سودة عسير) و(دستور يا الساحل الغربي) و(الساحل الشرقي) و(معك التحية يا نسيم الجنوبي) و(يا سحايب سراة أبها). جميع هذه الأغنيات من كلمات الأمير خالد الفيصل، ونختار منها الأبيات التالية من
أغنية (أنورت سودة عسير):
أنورت سودة عسير بطلعتك
وازهرت من وطيتك خدانها
اجتمع ورد الجنوب وبسمتك
والهوى هيمان في وديانها
يوم هبت من شمال نسمتك
انتعش في أبها رجاء ولهانها
يا خشيف الريم نجد روضتك
وش جرى عقبي على ريضانها
الله اللي جاب لي محبتك
لو أموت اشهيد في ميدانها
وفي السياق ذاته غنى محمد عبده لشعراء آخرين بصيغ مختلفة، عبر تجربته الفنية التي تجاوت نصف قرن من الزمان، منها أغنية (المرابع والديار) للشاعر فهد بن محمد، وأغنية (هبوب الشمالي) للشاعر سليمان بن شريم، وأغنية (أنا من نجد) للشاعر الراحل الأمير محمد السديري التي يقول مطلعها:
أنا من نجد يكفيني هواها
ويبري علتي شربي لماها
وشوفي من نبيه ومن نوده
غزالٍ تابعٍ قلبي هواها
ثمة أغنيات يكون فضاء المكان فيها رحباً واسعاً، كما لاحظانا سابقاً؛ بينما هناك أغنيات تتحدث عن أماكن محددة، تكون هي محور النص الغنائي، وهي مسرح الحنين والجمال والوله والشكوى، مثل أغنية (حبيبي مرني بجدة) للشاعر مسلم البرازي، و(أنا قلبي دليلي)، والأغنية الشهيرة (مثل صبيا) للشاعر الراحل إبراهيم خفاجي التي يستهلها بالحديث عن جميلات (صبيا) اللاتي لا شبيه لهن في النساء، بحنائهن اليماني وعيونهن الدعج المطلة عبر الخمر. ثم يصف حاله وهو على هضاب جازان وروابيها الخضراء ينشد السلوان مما يلقاه من الوجد والهيام. تقول الأغنية:
مثل صبيا في الغواني ماتشوف
ناشرات الفل والنقش اليماني في الكفوف
والعيون الدعج من تحت المقالم فيها خوف
خوف يسبي الناظرين
يبعث الحب الدفين
آه يامعين
كم على جيزان في خضر الروابي والسفوح
أنشد السلوان في حلو التصابي والسروح
أسأل الركبان عن صبيا وما لي للنزوح
غير حب الساكنين
هو في قلبي مكين
آه يا معين