تعد السينما النيجيرية، من أكبر قلاع صناعة السينما في العالم، وحصولها على لقب نوليوود لم يأت من فراغ، ويكفي أنها أصبحت المركز الثاني في العالم، بعد بوليوود قلب صناعة السينما الهندية، وتنتج نحو (50 فيلماً أسبوعياً و2500 فيلم سنوياً، وامتد سوق هذه الصناعة، فهي توجه لجمهور ضخم يصل زهاء 170 مليوناً في نيجيريا وحدها، وأكثر من بليون نسمة في أفريقيا). وتتمتع نوليوود بشعبية كبيرة في أفريقيا، وبين الأفارقة حول العالم، من خلال تعدد القضايا داخل محتوى الفيلم النيجيري، من الفقر والمجاعات والفساد والتغييرات التي تحدث في المجتمع الأفريقي، إلى الوضع الاقتصادي للقارة السمراء والعادات القبلية والثقافات الأفريقية، حيث انصهرت هذه القضايا واختلطت سوياً لتصنع سينما من قلب الأحداث الواقعة في أفريقيا، ولأنها كانت مرآة حقيقية للمجتمع، استطاعت الدفاع عن قضاياه والتعبير عما بداخله من جمال، حتى أصبحت الصوت الحقيقي الذي تخاطب أفريقيا من خلاله العالم.
مصطلح نوليوود
ومصطلح نوليوود يمثل صناعة السينما النيجيرية، في حد ذاتها في أسلوبها النيجيري، بواسطة أبنائها النيجيريين، دون الاعتماد على استهلاك واستيراد معظم محتوى هوليوود، مثلما تفعل العديد من الدول النامية، وحسبما يرى صناع السينما في نيجيريا، أنها شكل من أشكال المقاومة للإمبريالية الثقافية والإعلامية، وفي هذا الإطار يعبر (إبكوشوكووا أوتييكا) أحد أبرز مخرجي نيجيريا: (لا نرغب في إنتاج نسخة طبق الأصل من أفلام هوليوود، ولا حاجة لنا بتقليدها، نحن نتناول مسائل تشغل جمهورنا، فيمكنه التماهي مع الممثلين). وقد ولدت نوليوود في شوارع لاجوس عام 1988م، بهدف صناعة سينمائية أفريقية أولاً، بعد سلسلة من الصراعات السياسية داخل التليفزيون الوطني، وتسرب معظم المبدعين في منتصف عام 1990م، الأمر الذي أدى إلى تدهور محتوى التليفزيون الوطني، وهؤلاء المبدعين اتجهوا إلى صناعة أفلام مستقلة بميزانيات محدودة، على شرائط (V H S)، وتتنوع أفلام نوليوود ما بين رومانسية وبوليسية واستعراضية وكوميدية، كما تتناول موضوعات فولكلورية، تتعلق بطقوس السحر والشعوذة في المجتمع القبلي الأفريقي، كما أن هناك أفلاماً منها ناطقة بلغات محلية مثل الهوسا.
انطلاقة نوليوود
بدأت صناعة السينما في نيجيريا في ستينات القرن الماضي، على أيدي صناع أفلام مثل أولابالوجين، وهربرت أرجيزي، وقد سيطرت على منتجي الأفلام الأولى الإحباط للتكلفة المرتفعة في إنتاج الأفلام في ذلك الوقت، ولكن مع تطور تكنولوجيا التصوير والمونتاج والرقمنة ذات التكلفة الأقل، تصاعدت صناعة السينما النيجيرية بسرعة كبيرة، مع مطلع التسعينات وصولاً إلى الألفية الثالثة، لتصبح ثاني أكبر صناعة سينمائية في العالم، من حيث عدد إنتاج الأفلام سنوياً، وبدأت هذه الانطلاقة على يد المخرج الشاب (كينيث نيباو) عبر فيلمه الأول (Living in bondage) أو العيش في العبودية، حيث مثل بداية الانطلاقة للسينما النيجيرية، وهو من نوعية، أفلام الرعب، ويحكي قصة رجل ينضم إلى جماعة عبادات سرية، يقتل زوجته في واحدة من طقوس خاصة بالجماعة، ثم يكتسب ثروة طائلة كمكافأة له، إلى أن يطارده شبح زوجته المقتولة، ويعد هذا الفيلم الأول الذي يحقق نجاحاً كبيراً، حيث بيع منه ما يزيد عن المليون نسخة على الصعيدين المحلي والإقليمي، بإيرادات فاقت الكثير تكلفة إنتاجه.
الانطلاق إلى العالمية
وقد انطلقت السينما النيجيرية إلى العالمية، بالفيلم الكوميدي (أوسوفيا في لندن) عام 2003م، الذي حصد شهرة عالمية واسعة وكتبه وأخرجه (كنجسلي أوجرو)، وقام ببطولته الممثل المشهور (نيكيم اواه) وتدور أحداث الفيلم في قالب كوميدي، حول أوسوفيا الشاب القروي، الذي يسافر من نيجيريا إلى لندن ليأخذ نصيبه من الميراث الذي تركه له أحد أقاربه بعد وفاته، ومن الأفلام النيجيرية التي حققت شهرة كبيرة، فيلم مدينة لا تهدأ، للمخرج النيجيري (أندرو دوسانمو) عام 2012، ويدور الفيلم حول شاب أفريقي مهاجر يستقر في نيويورك، بحثاً عن حلمه في أن يكون نجم في موسيقى البوب، يعيش على الهامش وهدفه أن يتحقق هذا الحلم، ويعكس الفيلم صورة الصخب الذي يحبه هذا الرجل، بينما وقوعه في الحب يمثل له الخطر الأكبر، وفيلم (هذه رغبتي) الذي عرض في الدورة 70 بمهرجان برلين السينمائي، وهو للمخرجين آري إسبرى، وتشوكو إسيبري، وتدور أحداثه في لاجوس، حيث يصور حالة الفقر المدقع التي تدفع الأشخاص إلى التفكير في الهروب من أوطانهم إلى أوروبا، كما تناولت السينما النيجيرية العديد من المشكلات التي ظهرت في المجتمع النيجيري الحديث، ومنها موضوع العقائد الدينية من خلال فيلم، (رب واحد.. أمة واحدة) وهو يدور حول شاب مسلم وفتاة مسيحية يريدان الزواج، لكن يواجهان العديد من الصعوبات. وقد تعددت سوق الفيلم النيجيري، واتسعت بعد إنتاج نوليوود السينما الغنائية والأفلام الروائية الطويلة والقصيرة، والمسلسلات المصورة سينمائياً للعرض على شاشات التليفزيون، مع خطط توزيع ناجحة ودقيقة تضمن تحقيق الربح المادي لمنتجيها، حتى وصل العدد إلى أكثر من 2000 شركة إنتاج أفلام، تم تسجيلها لدى جمعية صانعي الأفلام في كانو.
سينما التكاليف البسيطة والانتشار الكبير
على الرغم من أن نيجيريا لا تمتلك أكثر من 20 دار عرض سينمائي، إلا أن السينما النيجيرية، تنتج سنوياً عدداً مهولاً من الأفلام، تطبع على أسطوانات ثم تباع لتعرض في المنازل وينتشر موزعها في كل أنحاء البلاد (لتساهم في الناتج المحلي للبلاد بما يساوي 1,5 % وفقاً للإحصائيات الرسمية). والأمر المدهش أن الأفلام النيجيرية لا تحظى بميزانيات ضخمة شأن التي تحظى بها العديد من الأفلام في دول العالم، فهم ينتجون الأفلام بأبسط وأخف الطرق الممكنة، وأقل ميزانية محتملة، وذلك لا يشكل أي عوائق في رواج الفيلم النيجيري عالمياً، فعلى سبيل المثال يتراوح إنتاج بعض الأفلام في السينما النيجيرية ما بين (25 ألفاً و70 ألف دولار، حسبما تشير إحصائيات هيئة الإذاعة البريطانية). ويتم إنتاج هذه الأفلام في غضون شهر وأحياناً في غضون أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، وتبيع معظم الأفلام D V D بسهولة أكثر من 20 ألف وحدة، بينما تبيع الأفلام الأكثر نجاحاً أكثر من 200 ألف وحدة، هذا إلى جانب أن أفلام نوليوود لا تصور في أستوديوهات ضخمة مثل أفلام هوليوود، بل تصور في أماكن عامة كالفنادق والبنوك والمنازل والمكاتب، وتكتب أسماء أصحاب هذه الأماكن في تتر النهاية، ويرجع هذا النجاح الكبير للفيلم النيجيري لعدة عوامل وهي:
الاستفادة من الثورة الرقمية
استفادت السينما النيجيرية من الثورة الرقمية، حيث حلت كاميرات الفيديو محل كاميرات الأفلام التي يبلغ قطرها 35 مليم، واستبدلت الأنظمة الرقمية السليلويد كأجهزة تسجيل في ذلك الوقت، وفي حين أن بعض أجزاء العالم تتكيف مع التكنولوجيا الرقمية الجديدة، واصلت السينما النيجيرية استخدام أشرطة (V H S) بأسعار زهيدة للمستهلكين، وفي نهاية المطاف تطورت تكنولوجيا الأفلام، حيث بدأ الإقبال يتزايد على الأفلام التي يتم إنتاجها على أقراص (D V D).
التجربة التسويقية الناجحة
كما أن التجربة التسويقية للسينما النيجيرية، تجربة رائدة وناجحة بكل المقاييس فعلى الرغم من الإنتاج الفقير لهذه الأفلام، التي يتم تصوير معظمها بكاميرات الفيديو، فإن أصالة القصة وجهد المخرجين ساهم مع مرور الوقت في شهرة تلك الأفلام بشكل كبير، حيث أصبح هناك إنتاج سينمائي نيجيري أكثر جودة وبمعايير هوليوودية، وكان يتم افتتاح عروض خارج البلاد أولاً كنوع من الانتشار والترويج للسينما النيجيرية، حيث قام رجل الأعمال النيجيري البريطاني (جايسون نجولوب) عام 2010م، بافتتاح سوق لتسويق الأفلام النيجيرية في بريطانيا، بغض النظر عن جودتها بشرط أن يتم توزيعها بكفاءة وبثمن رخيص، حيث ساهم الإنترنت في نجاح مهمة نجولوب، بعد أن اشترى حقوق بث أفلام نوليوود عبر الإنترنت، (وأنشأ قناة لبث الأفلام النيجيرية على قناة يوتيوب، كما أنشأ في عام 2011م موقعاً لبث المحتوى السينمائي النيجيري، وحصد ما يقرب من 152 مليون مشاهدة في العام نفسه). هذا إلى جانب التسويق المكثف عن طريق البوسترات والإعلانات الدعائية والتليفزيونية، وإعلانات الإنترنت لتفادي تكاليف وتوزيع الدي في دي، فأحدثت ثورة في مجال وتسويق الإنتاج السينمائي، ما جعلها تصل لكل أنحاء أفريقيا والعالم أجمع.
استخدام اللغة الإنجليزية
ساعد استخدام اللغة الإنجليزية، في نجاح أفلام نوليوود، صحيح أن هناك أفلاماً تستخدم اللغات الأفريقية المحلية، لكنها قليلة بالنسبة لعدد الأفلام الناطقة باللغة الإنجليزية، حيث ساهم استخدام اللغة الإنجليزية إلى نجاح نوليوود في نشر ثقافتها ليس في أفريقيا وإنما في العالم كله، بسبب اللغة الإنجليزية التي يتم تداولها في أنحاء العالم كله، حتى وصلت أفلامها إلى السوق الأوروبية والأمريكية، وحصدت العديد من الجوائز العالمية.
إقامة المهرجانات التي تحتفي بالفيلم النيجيري
ساهم انطلاق المهرجانات التي تناقش قضايا القارة الأفريقية، في نجاح أفلام نوليوود ورواج الفيلم النيجيري، ليس على المستوى الأفريقي بل والعالمي أيضاً، حيت تتوالى هذه المهرجانات مستضيفة نجوماً عالميين، من كافة أنحاء العالم، على رأسها مهرجان أبوجا، الذي انطلق عام 2010م، ومهرجان زوما الذي يقام كل عامين، ويعلن فيه عن جوائز لأفضل الممثلين والممثلات والأفكار المقام عليها السيناريوهات، هذا إلى جانب تخصيص مهرجانات دولية عديدة قسماً للسينما الأفريقية مثل مهرجان قادش في جنوب إسبانيا، وفي باريس أيضاً يتم تخصيص أسبوع سنوياً لأفلام نوليوود، يعرف باسم (Nolly wood week Paris) هذا إلى جانب تخصيص أسابيع للاحتفال وترويج منتجات نوليوود في أكبر العواصم العالمية، مثل لندن وواشنطن، باعتبارها السينما الأكبر على مستوى القارة الأفريقية، سواء من حيث القيمة الفنية أو عدد الأفلام المنتجة سنوياً.