مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

سعدالله ونوس.. رجل المسرح السياسي

لطالما بدت الأمور على غير ما يرام مع سعدالله ونوس، وهو يدير الظهر لمسودات الصعود إلى السلطة، إلا أنه، على الرغم من ذلك، لم يبدُ رجلاً بائساً، ولو بدا رجلاً يائساً، لأنه لم يرد أن ينضم إلى قوافل الخدم ممّن خانوا أنفسهم وناسهم من أجل أن يخرجوا من لعنات وفواجع السلطات. لا يستطيع أحد إخفاء إفلاسه، ولا يستطيع آخر إخفاء أنه ممّن يفهمون كيف يشاركون العالم الخارجي القيم المتقدمة الجديدة، ولو أنه موجود بما يشبه الحصار الداخلي. ونوس من الصنف الآخر، ثاني الصنفين.
بدا ونوس معارضاً وهو يشغل بعض أبرز المراكز في مؤسسات السلطة، كرئاسة تحرير الحياة المسرحية، مجلة أضافت الكثير على الثقافة المسرحية لدى المسرحيين وغير المسرحيين. لم يقتصر الأمر على الأشغال التقنية والتحفيزية بالمجلة، حين شغل أبرز كتاب المسرحية العرب رئاسة المسرح التجريبي، من لم يركن أصحابه إلى الحلول الجاهزة وهم يفكرون بكل ما هو لا مرغوب بطرق لا مرغوبة. تذكره الآن صار صعباً، إلا أنه مسرح موجود، ساهم بتأسيس الذرائع الجمالية الأخرى على الذرائع السياسية. رفيق الدرب بالتجربة هذه فواز الساجر، مسرح/ ساحة معارك، يصبح فيها رئيس الأركان ويمسي فيها الجنرال للخروج من كتالوج الصور والمشاهد الجاهزة. قدم ونوس والساجر قضيتهما في المسرح من خلال مجموعة من الأعمال المسرحية المبتكرة، لم تقدم حلولاً دائمة، حين لم تقدم التنازلات. لن يطرد من المسرح التجريبي إلا سوء معاملة المسرح، حيث لم يصعد مسرحي ليخرج المسرح من المنظومة الكلاسيكية. صعب تحمل الأمر عند ونوس، من لم يقدم نفسه لا كبطل ولا مقدس وهو يعد لواحدة من أبرز تجارب تفسير العالم، في مسرح لم يهب أن يقيم الأحلام على تفحص الأحوال من خلال الوثائق والبلاغات والكشوفات والإعدادات لما يسمى المسرح الآخر. قدم ونوس جهده المنهجي في المسرح التجريبي، حيث وجد الجمهور لذته، وحيث وجد ونوس تغلبه على النزعات القديمة بالمسرح. هناك قدمت سرايا حماية الذوق العام، الحماية ما تأسس عليه وما اعتبره ونوس معركة عليه خوضها لكي لا تضطر الأجيال المقبلة إلى خوضها ثانية. هناك، لم تشتط الأعمال إلى الغباء والحمق مع الدخول في مطالع المسرح التغريبي أو مسرح بريشت. وجد ونوس في هذا المسرح فمه النافع، بعيداً من الشعارات. أخذ الأمر بجدية وهو يفضل خذلان القسم المسرحي القديم، لتكشف الحياة جوهرها أمام الجمهور، لأن الحقيقة أهم من الشكل المسرحي ومن المجاز. مسرح ذو نزوع ملحمي منذ البداية، ولو أرفقه سعدالله ونوس بالكثير من العلاوات في نصوصه الأخيرة، حين تهدده تآمر المرض العضال عليه. لم يحسب أحد فواز الساجر فناناً صديقاً، لأنه صاحب الحلول المجنحة في المسرح التجريبي، هو الأكثر حسماً من ونوس على صعيد القضية الاجتماعية، إذ أخذ قسمه الفكري (الماركسية) بجدية، وفضّل تدمير وجوده الشخصي والتحول إلى عامل بسيط في معمل يشتغل فيه مسرحيات تناسب القوى العاملة بعيداً من ثقل الأعمال الرهيبة عليهم في المسارح التقليدية، الأقرب إلى الثكنات النازية من وجهة نظر ونوس والساجر. مسرح يغير، بوصف المسرح أداة ثورية، تربي فكر المشاهد لتساهم بتحريره، مسرح ميال إلى التعليم بالبداية، ليجد التعليم رسالة أولى لا رسالة أخيرة. شكله شكل مغاير بالمطلق للمسرح الأرسطي. لا جدار رابع مع ونوس والساجر. ثم جعل الأحداث العادية غريبة ومثيرة للدهشة ومحرضة على التفكر والتأمل، ثم المزج بين التحريض السياسي والسخرية الكوميدية. وسوف يضم الأكاديميون وغير الأكاديميين هذه العمارة الأيديولوجية إلى سجلاتهم، بعد أن تعرفوا إليها من خلال مجموعة من مسرحيات (التجريبي). الأبرز، سهرة مع (أبي خليل القباني) و(رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة). المدهش أن أشهر مسرحيات ونوس (سهرة سمر من أجل 5 حزيران) من تقدم فيها الولاء للهزيمة كالشر؛ لم يخرجها الساجر، حين أخرجها علاء الدين كوكش المخرج التلفزيوني، من لم يعتبر بعداد المقاومين للشكل الأرسطي. كفى المسرحية موقفها وبناء أحداثها على الإخلاص والصدق وفاعلية شكل السهرة على المبنى المسرحي. عرب مهزومون لا بسبب سوء الطالع، قدر تعريض بلدانهم إلى برامج إبادة، من الأوامر الفعالة للفساد والبقرطة والتبعية والاستزلام والطائفية والمذهبية. لعنات لا تزول، حيث تعدى عدد ضحاياها كل من جرى حكمهم من رواد الرايخ الثالث بالعالم العربي.
لم يبدأ الأمر على هذا النحو، لأن ونوس وقع في بذخ ووفرة المسرح الأرسطي في البدايات، حيث كتب عدداً من المؤلفات ذات الروح الأرسطية الصرف كمأساة بائع الدبس الفقير. لم يستغرقه الأمر طويلاً للخروج من متحفها، ذلك أن العلاقة بها، هي لقاء لا طعم، لم يلبث الرجل أن تحول عنه إلى كتابة مضادة، بدون إجراء مفاوضات جدية مع النفس ومع الآخرين. أغاث نفسه وأنقذها بقفزة واحدة. خروج على قواعد اللغة إلى لغة ذات قواعد واضحة: كشف اللعبة، بالتواطؤ مع الجمهور لا بالتغاير معه. كأن مسرحه أسس منذ البداية الثانية هيئة سياسية لا هم لها سوى منافسة الهيئات السياسية في البلاد. وهذه قضية صعبة، حيث ينبغي الانتباه إلى الصراحة المطلقة، بعد تبني الكذب من جمهور واسع أرضخه الخوف كما أرضخته العبارات الجذابة الرنانة. نجا ونوس من المبادلات السائدة، ولم يضطر إلى التخفي بين الجموع، هو المعارض المعترض على حضور أجهزة المخابرات مباشرة في حياة الناس. هذا رجل ضد الآلات الطابعة، لأنه لم يعد إنتاج الأيديولوجيا السائدة. وهو لم يضطر إلى شراء أذونات الخروج إلى أوروبا وأمريكا وإلى حيث تخيل نفسه. وجد جزء من معارضي المعارضة أن ثمة شيئاً لا يدعو إلى الاطمئنان، حين تلقى ونوس ما لم يتلقه جزء واسع من المعارضين بسوريا. خرج إلى فرنسا، بدون ضغوط أو دعوة إلى التجند بصفوف من لا يحملون مهمات لا رتباً. أجرى في باريس حواراً مطولاً مع جان جينيه، حول المسرح والسياسة والعنف والسجن ورفض إطاعة الأوامر.
لم يكتب سعدالله ونوس ما أراده الآخرون، لم يكتب كرجل آخر في زمن بدت فيه الأفكار كالبخار الساخن بمرحلة الصراع العقائدي المفتوح بين المنظومة الاشتراكية والعالم الرأسمالي، وسط حرب باردة لم تتوقف عن إطلاق صفارات إنذارها. أخرجت الحرب هذه، بالواقع، الأجساد والعقول بأحاسيس عالية. لعل مسرحه جزء من الحالات اللاعادية للحرب الباردة، حين تقاتلت المجالس الفكرية والثقافية والاقتصادية، إذ خبت علامات الحروب العسكرية، تلك مرحلة أواخر الخمسينات وبداية الستينات من القرن العشرين، سعد الله ونوس أحد صرخات المرحلة ذات سمات الغوث والإنقاذ من الأحادية، لمَّا توقع الأخيرة بالروتين وتصريف الأمور لا إبداعها. المسرح هو الشيء اللذيذ في حياته. هكذا، أكدت كتابات سعدالله ونوس أسوأ مخاوف الناس: هزيمة الأنظمة في حروبها الخارجية وانتصارها على ناسها. إنها صاحبة خطوات متشابهة، حين تستلم مقاليد الأمور. ولأن الكتابة شهادة، شهد ونوس بأبرز نصوصه الأولى (حفلة سمر من أجل 5 حزيران) على الهزيمة العربية المدوية بالعام 1967، في وجه المغالاة القومية الإسرائيلية وتزعمها مجموعة من القيم الأخلاقية في نظرة استرجاعية تعود إلى المحرقة واضطهاد اليهود بالعالم.
مذاك، راح مصطلح (المسرح السياسي) يتردد بين بيروت ودمشق، مذاك بدا سعدالله ونوس واحداً من العقلاء في حياة محمومة، مجنونة، مهددة بالانهيار، من عدم إتقان سلطتها سوى لغة العسف بالداخل.
لم يبدُ سعدالله ونوس مضجراً ولا عديم التعاطف مع البشر وهو يهجو هزيمة العام 1967، وهو يجد ببلاده بلاداً مقتولة بالهزيمة. ولم يبدُ ساعياً إلى منصب رفيع، لأن الكتابة منصبه الرفيع. سوف تتدنى رتبته إذا ما تركها. هكذا، استمر الرجل المولود في حصين البحر (طرطوس السورية) بالعام 1941 في مراسلاته الخاصة بالواقع من خلال تجربة ثرية سوف تقوده إلى كتابة كلمة يوم المسرح العالمي وقراءتها في مسرح المدينة قبل موته بأشهر قليلة بالعام 1997. وهي رسالة يكلف أحد المسرحيين المجلين بالعالم بكتابتها من المؤسسة العالمية للمسرح (ITI) تقديراً لوقع إنجازاته بعالم المسرح. لم يقدر الكثيرون على التعاون مع أنفسهم بحيث يصلون إلى هذه المرتبة، وصل ونوس لأنه تفرغ للكتابة، ولأنه كتب ما هو مدعاة للصدمة دائماً منذ مسرحيته الأولى (الحياة أبداً) بالعام 1961، كرد على انفراط عقد الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا. ما قصد أن يقوله الرجل أن الهزائم وقع على رؤوس العرب وأنهم يتعاونون مع أنفسهم في صناعة هذه الهزائم.
سعد ونوس أقل صخباً من كتاباته، ثم إنه يستخدم أسلوب الاستخلاص لا المحاكمة وسيلةً لشد اللحمة الإنسانية حول الضرورات الأولى في حياة الإنسان العربي المهمش من إساءة فهمه وتفسير الإساءة هذه على نطاق واسع من أنظمته الحاكمة. ثم إن كتاباته كتابات الاستخلاصات المقلقة، حيث التناقض بالشخصية العربية العادية شبيه التناقض في الأنظمة العربية، ولو أن الأخير أشرس ولا يتخفى كما يتخفى التناقض الفردي في أصحابه.
كتب سعدالله ونوس على نحو سلس ومنظم بعض أبرز النصوص المسرحية العربية، سهرة سمر من أجل 5 حزيران واحدة منها لا أبرزها، حتى ولو برزت من سلطتها الأخلاقية على هزيمة تحتاج إلى مئات المحللين النفسيين لكي تفهم. الاشتراكية العلمية، هذه دعوته لا ظرفه. إنها مجلسه الدائم وراء العواصف الكبيرة. وإذ وجد أن الكتابة هي كتابة الملاحظات الصغرى على الأحداث الكبرى، عرف ونوس بمشهدياته ذات الطابع التغريبي أو البريشتي (منهج برتولد بريشت الألماني)، حيث يرفض الجدار الرابع باللعبة المسرحية بصالح كشفها على الجمهور. التعليم البريشتي، واحد من علوم مسرحياته، واحد من الغرافولوجي الخاص بها، أو علم خطوطها.
مختلفة التفكير المسرحي الدارج، قادت الرجل النحيل إلى كتابة ما لا يفتقر إلى العمق. بالعكس، كلام متماسك بأفكار متماسكة في (الفيل يا ملك الزمان) و(الاغتصاب) و(منمنمات تاريخية) و(أحلام شقية) و(الملك هو الملك) و(طقوس الإشارات والتحولات) و(ملحمة السراب) و(بلاد أضيق من الحب) و(مغامرة رأس المملوك جابر). حضور جذري بالتجربة المسرحية العربية زادت من قيمها المدنية والثقافية، كلما أوغل في انتصاره على النصوص القديمة، نصوصه ونصوص الآخرين. وإذ مات الساجر وهو في الأربعينات من عمره، مات ونوس وهو في الخامسة والخمسين (وجد ونوس في موت الساجر خيانة لا تغتفر)، مع اقتصار حياتيهما على الهموم الكبرى ومواجهتها بالمبادئ الراقية أمام الضحل السائد. وفي تتبع التطور التدريجي لموت المثقف والفنان العربي لا شخصيته، يقع الاستدلال على ذلك فيما قاله ونوس بشأن الصراع العربي/الإسرائيلي وعلاقة الإنسان العربي به وهو مزروب في قفص زجاجي، لا يخرج منه إلا بالهزيمة عبر ممثليه في هذا الصراع: أعتقد أن إسرائيل سرقت السنوات الجميلة من عمري، وأفسدت على إنسان عاش خمسين عاماً الكثير من الفرح، وأهدرت الكثير من الإمكانات. خلق ونوس مسرحاً بعيداً من مسرح الخطابة، بعد أن آمن بمسرح الكلمة/الفعل، بنزعة فلسفية وجودية تضمنت رسائلها الخاصة إلى العالم.
عارض الرجل كل شيء، لأنه لم يرد أن يسير طوعاً إلى الذبح، غير أن طبائع الشر نجحت في إصابته بالسرطان، مرحلة النضال ضد المرض عاشها بعيداً من الكليشيهات، من خلال كتابة أجمل نصوصه، نصوص بطبائع استباقية، بعيدة من الازدواجية وبقلب الإيحائية. خمس سنوات وهو يقاوم السرطان، بعد أن منحه الأطباء ستة أشهر. لم يتفحص معاني النجاح في تلك المرحلة لأنه أصابها وسط المواجع، المزيج من الآلام الشخصية والآلام العامة. بعد احتلال إسرائيل لبيروت وسقوط بغداد أمام الهجوم الأمريكي الكاسح، ترك ونوس بيروت في بداية الاجتياح، بعد أن عمل مدير تحرير لصفحات (السفير) الثقافية اليومية وفي ملحقها الأسبوعي. مذاك أكله خفوت الغضب العام، مذاك أكلته الاعتذارات العربية من الأنظمة تجاه جلاديها. مات عقل الرجل قبل أن يموت، ثم مات على نحو قدم فيه الراحل كل حججه الأخلاقية والعملية في مواجهة من تسبب في تحطيم أحلامه وحياته وأحلام وحيوات الملايين. معاني ذلك تتضح لقراء مسرحياته، في متونها وهوامشها ووقوفها ضد الشرور المخيفة والمروعة. ولد الرجل في آذار من العام 1941 وتوفي في أيار من العام 1997. إنه الآن في الثمانين لو مايزال حياً. إنه كذلك بقطار مؤلفاته، حيث الشك والريبة يمتعان المؤلفات بأبرز شاراتها. 25 عاماً على الغياب، ولا يزال الرجل على عرش الرتبة: أحد أبرز كتاب المسرحية العرب.
ذو صلة