
ذكر ابن خلدون في مقدمته الشهيرة استخدام العامة من الناس، لفن شعريّ، وظفت فيه العامية على حساب الفصحى، فقال: «لما شاع فنُّ التوشيح في أهل الأندلس، وأخذ به الجمهور لسلاسته وتنميق كلامه وترصيع أجزائه، نسجت العامة من أهل الأمصار على منواله، ونظموا في طريقتهم بلغتهم الحضرية من غير أن يلتزموا فيه إعراباً، واستحدثوا فناً سموه بالزجل، والتزموا النظم فيه على مناحيهم إلى هذا العهد فجاءوا فيه بالغرائب واتسع فيه للبلاغة مجال، بحسب لغتهم المستعجمة».
المجلة العربية
- الأردن -
وإن كانت الموشحات، فتحاً شعرياً عربياً، سلساً، استطاعَ كسر الشكل الكلاسيكي، والخروج ببحور الشعر عن القالب التقليدي، وجموده في الأوزان الخليلية، نحو التنوع الموسيقي والارتقاء بهِ إلى مستوى الغنائية، علاوةً على إثراء المعجم اللغوي باشتقاقات لغوية جديدة – تأتت من الحياة العامة –، فإن التطور في مسار اللغة الشعرية، استمر حتى اليوم، بعد أن تعددت اللكنات، واللهجات، وأصبحَ العامي الملحون، شكلاً شعبياً متداولاً، رغم أن الإشكال كانَ ولا يزالُ قائماً في فهم معاني ودلالات اللهجة من إقليمٍ عربي إلى آخر.
المجلة العربية، استطلعت الآراء حول «العامية في الشعر»، ضمنَ متابعاتها الثقافية، حيث أجمعت الآراء المستطلعة على أن حاجز اللهجات تمثل في تعددها داخل جغرافيا الوطن العربي، الأمر الذي حد من تواصلها.
العامية تعزز الاستجابة للنصِّ الشعري
يُلَخِّص الشاعر خلدون عبد اللطيف، (التصنيفات) التي تندرج تحتها اللغة العربية ومعظم اللغات من خلال الإقرار أولاً وقبل كل شيء بازدواجيتها؛ فهناك لغة رسمية للكتابة (فصحى)، وأخرى غير رسمية للتواصل الشفهي والكلامي بين البشر (عامية)، وفي كلا الحالين تشكل هذه الازدواجية مظهراً من مظاهر الهوية الفردية والجماعية على حد سواء لأي مجتمع بشري ناطق».
ويشير عبد اللطيف: «إن معظم محاولات الدراسة والتقصِّي التي سُخِّرت للخوض في هذا الحقل المعرفي كانت وما زالت تسعى دائماً في أغلب أطروحاتها واستقراءاتها إلى تذويب الفوارق بين لغة الكتابة (الفصحى) ولغة التواصل اليومي (العامية/المحكية)، لكن مشكلة الفصحى والعامية تضرب جذورها عميقاً في قديم العصور إلى ما قبل الإسلام حين كانت اللهجات متباينة، وصولاً إلى ظهورها وإحيائها من جديد على يد العديد من الشعراء المحدثين خصوصاً شعراء مجلة «شعر»، وبشكل أكثر تحديداً وبروزاً لدى مؤسسها يوسف الخال، عدا عن غيره من الداعين إلى استخدام اللهجة المحكية مثل الشاعر سعيد عقل الذي كان واحداً من أبرز أنصار تطعيم اللغة العربية والشعرية خصوصاً باللهجة العامية”.
ويتابع صاحب ديوان «بين منزلتين»: «لم يعد يخفى أنَّ الشعر المكتوب بالعامية في الوقت الحاضر يمتلك من الخواص والامتيازات اللغوية والمجتمعية ما يمنحه القدرة على التوصيل والتواصل بشكل لا تتيحه اللغة الفصحى، وهي ميزة أدركها يوسف الخال قبل عدة عقود ولكن وفق إطار أوسع وإشكالية أكثر التباساً، حين أعلن اصطدام مجلة «شعر» بما أَطلَقَ عليه في حينه (جدار اللغة)، والجنوح بالتالي نحو حلٍّ بديل أو (ولادة ثانية)».
الولادة الثالثة
وحسب مفهوم يوسف الخال تتمثل (الولادة الثالثة) «في استخدام «اللغة المحكية» أدبياً على حساب اللغة الفصحى وكمقابل لها، إلى درجة تطبيق ذلك من خلال تطعيم بعض قصائده بمفردات وتراكيب عامية استقاها من اللغة المحكية. لا بل إن بعض الشعراء المحدثين ممّن يكتبون قصيدة التفعيلة والنثر قاموا بتوظيف العديد من المفردات والتراكيب المستقاة أساساً من اللغة العامية والمحكية، وذلك في سبيل إضفاء أبعادٍ دلالية على قصائدهم تساهم في التأثير على القارئ، الذي كان له أيضاً دورٌ مُسبقٌ في التأثير على الشاعر لتوظيف عاميّته داخل النص الشعري سعياً وراء تسهيل عملية التوصيل وتعزيز الاستجابة للنصِّ الشعري».
ويرى أنه لا مجال لـ «إنكار أن اللغة المحكية باعتبارها وسيلة للتأريخ ورواية الأحداث أثبتت جدارتها، وكانت على الدوام ندّاً للغة الفصيحة، إذ إن كثيراً من المرويات والسير والقصص الشعبية التي أصبحت مدونات شعرية وصلت إلينا باللغة المحكية رغم تنوّع اللهجات، وليس أدلّ على ذلك من التغريبة الهلالية وسيرة سيف بن ذي يزن وغيرها، عدا عن الأساطير و(الخُرَافيَّات) التي تناوبت على روايتها الأجيال بلغة محكية، لكنّ التحدي الأكبر الذي تواجهه اللغة المحكية ضمن هذا الإطار هو أنها تشكل حاجزاً لغوياً يَحدُّ من انتشارها خارج مُجتمع المتكلمين بها».
وحول هذه الإشكالية يقول إن من شأن حد الانتشار أن «يعزِّز تراجع استخدام وتقبُّل اللغة الفصحى، عدا عن وجود (عاميَّات) متداولة وليس عامية واحدة، تبرز كعامل تفريق لا عامل تجميع كما هو حال اللغة الفصحى».
لهجات معززة بموروث أجنبي
يرى الشاعر مهند السبتي أن لغة الشعر بين الفصيح و»المَلْحون»، اعتبرت لدى العرب «خروجا» -تمثل في «الموشحات والزجل- على لغة الشعر وموسيقاه السائدة وأن هذه الأشعار غايرت المألوف ملحنة في اللغة بقصد الغناء، فإن القليل من المتبصرين في ظاهرة نشوء الشعر العامي أو الزجل وما يندرج ضمن تصنيفاته قد التفت إلى كون هذه النشأة كانت في مقابلة اللغة العربية الفصيحة، وأداة بديلة للتعبير الشعري، الأمر الذي حدا بالبعض إلى اتهام العجم المستظلين بالحضارة العربية الإسلامية بافتعالهم وابتداعهم هذا الشعر، بهدف القضاء على اللغة العربية، أو لغاية الاستسهال دون ما استعصم عليهم من بلاغتها».
ويضيف السبتي «في الوقت ذاته الذي نلتفت فيه لما يوجد الآن حولنا من صنوف الشعر العامي (على اختلاف اللهجات)، والشعر النبطي، وتجذر هذا النوع الشعري بين فئات محددة لا تجد الصعوبة التي يجدها ويجدّ في فك طلسمها ذلك المتلقي الذي لا ينتمي لتلك الفئة ذات اللهجة البدوية أو لذلك المجتمع المتكلم لهجتها، هنا نقف حائرين في قضية أساسية، هي قضية الشعر، لكونه أداة وجسرا ورسولا في آن معا؛ كيف له أن يشيع ما يريد الجهر به، ولفت الأنظار إليه، وهو يحتاج إلى ترجمان؟».
الحاجز اللغوي
ويتابع السبتي صاحب ديوان «سمني ما شئت» «إذا كنا نرى في الشعر الجاهلي -لا على العموم- حاجزا لغويا يحول دون قدرة الإحاطة بالمعنى، إلا في حال الاستعانة بشروحات وتفاسير تورث الضجر للكثيرين؛ فماذا سنفعل في لهجات ولكنات غرائبية معززة بموروث أجنبي لا يمكن إغفال سيطرته على كثير من مفرداتها، إثر تأثر البلدان العربية بثقافة مستعمريها عبر نكسات القرن الفائت، وازدياد الهوة بين الإنسان العربي ولغته الفصيحة مع ازدياد عوامل الفرقة بين شعوب الوطن العربي، وتقديس القطري على القومي».
ويؤكد قائلاً: «بلى إن أدوات الشعر العامي بصنوفه بما يتعلق باللغة المحكية للعامة، تحدث أثرا أوسع انتشارا مما تحدثه لغة الشعر الفصيح، بالإضافة إلى الأسلوب الغنائي الذي يقدَّم من خلاله الشعر العامي عموما، فإنه بهذا الشكل والتقديم لا تضيق به الأذهان والآذان، بل تطلبه وتسوقه للآخرين، مروّجة لهذا النوع من الشعر على أنه الناطق باسمها، وهذا ينسحب على مستوى الدول وليس فئات متقاذفة هنا وهناك».
وينهي السبتي حديثهُ في لغةِ الشعر «هو أمر ليس عاريا عن الدقة التامة حيث إن هذا الشعر الشعبي بأشكاله أصبح مخزونا لآلام الناس وليس فقط أداة للغناء والرقص وهز القامات».
العامية تنحاز إلى الشعب
ينطلق الشاعر رامي سليم في حديثهِ حول «العامي في الشعر»، من مرتكز أن الإبداع يفرض نفسهُ، بغض النظر، إن كانَ عاميًّا، أو فصيحاً، مشيراً إلى «انتشار العامية أولاً في السرد والفن – دراما ومسرح – والشعر أيضاً، فمثلما هنالك قصيدة نثر وتفعيلة وكلاسيكية، هنالك شعر عامي زجلي ونبطي، والحضور الذي يمثلهُ عبد الرحمن الأبنودي، وعمر الفرا، وبيرم التونسي علاوةً على توظيف بعض شعراء الحداثة للعامية المحكية، مثل محمود درويش وعز الدين المناصرة وخالد أبو خالد لا يمكن إسقاطه».
ويفرق سليم بين أشكال الشعر العامي، فـ «النبطي الذي يخص لهجة أهل البادية، وينتشر في الأردن، والخليج العربي، إلى جانب الزجل الشامي -الجبلي والساحلي- المنتشر في سوريا ولبنان وفلسطين، والزجل المغاربي الذي يأخذ شكل الموشحات بلكنة المغرب العربي، كلها أشكال شعبية من الشعر، تبقى حبيسة الإقليم، هنا أو هناك، مقيدة بعادات وتقاليد جغرافية تشكل فيها اللهجة -باعتبارها جزءا من اللغة- هويةً ثقافيةَ».
ورغم الإشكالية المشار إليها سابقاً، يؤكد أن «الشعر العامي هو شعبي – في أحد تسمياته -، ويعود الأمر في ذلك إلى درجة شيوعهِ، لأنه ملحون – وهذا مسمى آخر – أي يأخذ إيقاعاً غنائياً، وله أوزان، ومقامات، الأمر الذي يجعل منه فَنًّا ذا استقلالية -دون أن يعني ذلك الانفصال عن الشعر -».
وينهي سليم حديثه قائلاً: إن «العامية هي البساطة – دون أن يعني ذلك الاستسهال –، والجمال بما أنها تنحازُ إلى الشعب الذي ألفَ ويألفَ مفردات الحياة اليومية، ما جعلَ الموال والميجنا والعتابا والأوف والدحية مرادفة لطقوس الزواج والأفراح والأتراح أيضاً».