مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

ديوان العرب بين الفصحى والعامية: نحو تعايش الأنماط والأساليب الكتابية الشعرية





 

يتمتع الشعر، منذ القديم، بمكانة خاصة لدى العرب، وفي حين أن أمما وثقافات أخرى تفوقت في أجناس أدبية مختلفة كالملاحم، والأساطير، والروايات، والنصوص المسرحية، فإن العرب برزوا في مجال الشعر حتى جاءت العبارة التي اختزلت هذه الحقيقة: «الشعر ديوان العرب». في الجاهلية، وصدر الإسلام، وفي العصرين الأموي والعباسي ساد الشعر الموزون؛ المقفى، وكان لهذا الشعر أغراض يعرفها دارسو تاريخ الأدب العربي مثل الفخر، والاعتزاز بالنفس، والغزل، والرثاء، والهجاء، والمديح...ومثلما تغيرت، في العهود اللاحقة، مضامين الشعر، ومعانيه، وأغراضه، فإن أشكاله، وطرق بنائه قد تغيرتا كذلك، إذ ظهر شعر التفعيلة، والشعر الحر أو قصيدة النثر إلى جانب القصيدة العمودية التقليدية.

 

إبراهيم حاج عبدي

-  سوريا-

 

وترى الناقدة سلمى الخضراء الجيوسي، في هذا المقام، أن أولى المحاولات الواعية للخروج من عباءة القصيدة الكلاسيكية تعود إلى الحضرمي علي أحمد باكثير لدى ترجمته، سنة 1936م، مشهدا من مسرحية «روميو وجولييت»، إذ «كان اهتمامه منصباً على الجملة الدرامية لا على وحدة البيت الشعرية»، وعدم الالتزام بعدد محدّد سلفاً من التفاعيل، وبعد ذلك ظهرت أسماء كثيرة مثل بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وبلند الحيدري، وعبدالوهاب البياتي، ومحمد الماغوط، وأدونيس، وتوفيق صايغ، ويوسف الخال... وسواهم ممن غامروا بقصيدة مغايرة عن الذائقة الكلاسيكية، ولا تأبه بالعروض، والأوزان كثيراً، وترى الجيوسي: «إن اللحظة الشعرية كانت أصبحت مستعدةً لهذا النوع من التغيير».

وإلى جانب هذه المحاولات، أو المغامرات الشعرية الحداثية التي اكتسبت، بعد سجالات طويلة، مشروعية ضمن المشهد الشعري العربي، ظهرت مغامرة أخرى، لا تزال موضع جدال، تمثلت في توجه الشاعر نحو الكتابة باللغة العامية؛ المحكية. وهنا أيضا نعثر على نوعين من الشعراء: شعراء يكتبون باللغة العامية؛ المحكية فحسب، وشعراء آخرون يكتبون بالعامية والفصحى معاً، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك هو الشاعر العراقي مظفر النواب، الذي أصدر، مؤخراً، ديواناً بالعامية تحت مسمى «للريل وحمد»، واللبنانيان جوزيف حرب وسعيد عقل، وثمة شعراء آخرون في الخليج العربي، ومصر، والمغرب العربي.

إن توجه الشاعر إلى الكتابة بالعامية تارة، وبالفصحى تارة أخرى يثير تباينا حادا في الآراء، ويفرز انقساما في الرؤى بين فريقين: فريق يدافع عن اللغة الفصحى، وفريق آخر يدعو إلى الكتابة باللهجات المحلية؛ العامية. دعاة الفصحى أو دعاة «لغة الأمة، لا لهجة الأم» يقولون: إن اللغة الفصحى هي لغة القرآن الكريم، وهي اللغة الأقدر على البلاغة والاختزال، وهي منتشرة ومفهومة من المحيط إلى الخليج ما يتيح للشاعر انتشاراً أوسع من تلك اللهجات المحلية التي تكاد تكون مقتصرة على البيئات المحلية هنا وهناك. ولعل هذا الفريق يجد في ما يقوله أبو منصور الثعالبي النيسابوري دعماً قوياً لآرائهم. يقول الثعالبي: «من أحبّ الله تعالى أحبّ رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ومن أحبّ الرسول العربي أحبّ العرب، ومن أحبّ العرب أحبّ العربية التي بها نزل أفضل الكتب، على أفضل العجم والعرب، ومن أحب العربية عُني بها، وثابر عليها، وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وآتاه حسن سريرة فيه، اعتقد أن محمداً صلى الله عليه وسلم خير الرسل، والإسلام خير الملل، والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة».

لا يمكن لأحد أن يحاجج في صحة ما يذهب إليه الثعالبي، لكن هناك من يبحث، رغم إقراره بصواب ما سبق، عن مكان للهجات المحلية، ويتذرع دعاة هذه الدعوة بأن الفصحى لغة صعبة، ومعقدة، في حين أن العامية سهلة وبسيطة، ويضيفون بأن للعامية القدرة على التعبير، بصورة عفوية، عما يختلج في ذات الشاعر من أفكار ومشاعر قد يصعب التعبير عنها باللغة الفصحى.

والواقع أن هذا السجال يبدو عقيماً، فالحقيقة التي لا يمكن نكرانها أن ثمة لغة فصحى تجمع العرب من المحيط إلى الخليج، ولا يحق لأي كان أن يحارب أو يدعو إلى الاستغناء عنها، فهي لغة القرآن الكريم أولاً، وهي الرابطة التي تجمع الأمة العربية، ثانياً. فضلا عن ذلك، فإن اللغة الفصحى تتمتع بجاذبية خاصة، وبسحر البيان، وتترك أثرا في نفس المستمع يفوق بكثير أثر اللهجات المحلية الضيقة. لكن الحقيقة الثانية تقول: إن ثمة لهجات محلية، ولا يمكن أن نلغي هذه اللهجات، خصوصاً وأنها الأقدر على التعبير عن معالم البيئة المحلية، وعن تفاصيل الحياة اليومية البسيطة. ومن هنا، فإن الرأي الأسلم هو التمسك باللغة الفصحى، والاهتمام بها في المناهج التعليمية والأكاديميات، على ألا يكون هذا الاهتمام على حساب اللهجات المحلية التي تجذب جمهوراً عريضاً.

يقول الشاعر والناقد والمترجم السوري عابد إسماعيل إن «الشعر المحكي ينطوي على منظومة جمالية مختلفة، ويعتمد قوانين وموازين تختلف عن الشعر الفصيح»، ويضيف إسماعيل: «هناك من يقول: إن الشعر المحكي أقرب إلى عفوية المشاعر والأحاسيس، فهو يفتقر إلى الصنعة الشعرية المعقدة ويأتي بتلقائية، وبساطة ليعكس الضمير الجمعي، والثقافة الجمعية. أما الفصحى فهي، دائماً، بعيدة عن نبض الشارع، وتصدر من برج عاجي لتتوجه إلى النخبة، ومن هنا كان أفلاطون يعتبر الكتابة خيانة للمعنى، لأن ثمة مسافة بين اللغة وبين الواقع اليومي المعيش».

ويشير إسماعيل إلى أن «هناك من يظن بأن العامية تعكس الحقيقة الموجودة في الفؤاد، ومقارنة مع الفصحى، فإن العامية تعبر بشكل أفضل عن المخيلة الشعبية الفلكلورية مثل مرويات الزير سالم مثلا، بل إن بعض النقاد يعتبرون أن (إلياذة) هوميروس تناقلتها الألسن شفاهة ثم جمعت وطبعت ونسبت لشاعر اسمه هوميروس».

ويعتقد إسماعيل بأن الشاعر العراقي مظفر النواب هو من أفضل الشعراء لجهة الجمع بين الفصحى والعامية، فشعره المحكي لا يقل بلاغة وعذوبة عن شعره الفصيح، بيد أن ثمة كماً هائلاً من الشعر العامي يكرر نفسه، وأدواته، ولا يقدم جديداً، وقد تكون مدرسة الرحابنة استثناء لهذه القاعدة، إذ استطاعت هذه المدرسة، التي حمل لواءها منصور وعاصي وفيروز وزياد الرحباني، أن تجد تكاملا بين الإيقاعات الموسيقية المحببة، وبين الجملة الشعرية المحكية، البسيطة والعميقة في آن واحد. لقد تناولت قصائد هذه المدرسة الحب والحنين والوطن والفراق والفرح وعالم الطفولة وبساطة الريف، وتغنت بالسحاب والمطر والثلج والقمر والنجوم والأنهار والبحار...إنها، باختصار، قصيدة عانقت الحياة بكل رحابتها، ويضاف إلى ذلك الهجائيات السياسية الساخرة؛ العامية التي ابتكرها، فيما بعد، الابن زياد الرحباني».

ويتابع إسماعيل قائلاً: الشاعر اللبناني جوزيف حرب جمع، كذلك، بين الفصحى والعامية لكن الفصحى انتصرت لديه، كما هي الحال مع الشاعر اللبناني الآخر سعيد عقل الذي يعد أحد فحول قصيدة الفصحى رغم أنه كتب بالعامية كذلك، ويجب ألا ننسى، هنا، طلال حيدر، أيضاً، الذي مال إلى العامية أكثر من الفصحى».

وينهي إسماعيل كلامه بالقول «هذه فنون أدبية مختلفة، وعلينا ألا نختار بين الفصحى وبين العامية أو نفضل هذا الأسلوب ونحارب الأسلوب الآخر. يجب أن تتعايش هذه الأنماط الكتابية، جنبا إلى جنب، فالفصحى لها مذاق وقيمة فنية عالية، والعامية، بدورها، تخاطب جمعا غفيرا يطرب لها، كما هو الحال لدى الشاعر السوري عمراً الفرا الذي يكتب باللهجة البدوية. من هنا أعتقد أن أي مشهد ثقافي يحتاج إلى هذا التعدد، وعلينا ألا نخشى على الفصحى من العامية، فما تفعله القصيدة العامية لا يمكن أن يقارن بما تقوم به وسائل الإعلام المختلفة، على مدار اليوم، من تخريب وتشويه للثقافة واللغة والتفكير. ثمة، إذاً، متسع للفصحى، وكذلك للعامية».

وتتقاطع رؤية الشاعر العراقي حربي عبد الله مع رؤية سابقه، إذ يركز على الصورة الشعرية دون العناصر الأخرى، فيقول إن «الشعر في الأساس يقوم على الصورة، قبل أن يكون مفردات وإيقاعاً وجرساً لفظياً، وهذه الصورة الشعرية المبتكرة هي التي تمنح الشعر قيمته بمعزل عن كونه مكتوبا بالفصحى أو باللهجة العامية، وحتى التصنيفات الأخرى كأن نقول القصيدة العمودية الكلاسيكية أو قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر، لا يعول عليها ذلك أن الشعرية قد تتوافر في هذه التصنيفات معا، وقد يعجز الشاعر عن ابتكار صورة شعرية جميلة سواء كتب القصيدة الكلاسيكية أو النثرية أو التفعيلة، أو لجأ إلى العامية أو الفصحى».

ويضيف عبد الله بأن «بيت القصيد يكمن في مدى قدرة الشاعر على تقديم قصيدة بليغة، والغوص في بحار المعاني، والتقاط درر اللغة. لكن اللافت في المشهد الشعري العراقي هو كثرة عدد الطارئين على الشعر العامي، وهؤلاء يستسهلون اللغة العامية، بيد أنهم يخفقون، غالباً، في صوغ قصائد مدهشة كتلك التي يصوغها الشاعر مظفر النواب، مثلا، الذي يبدع باللهجة العامية وكذلك بالفصحى».

الشاعر الكردي العراقي فريد زامدار، الذي يكتب بالعربية والكردية معا، يعارض بشدة استخدام اللهجة العامية في كتابة الشعر، وهذا الاعتراض لا ينبع، كما يوضح، من حرصه على اللغة العربية، بل لقناعته بأن «اللغة الشعرية تختلف عن اللهجة العامية اليومية المباشرة. اللغة الشعرية هي لغة الإبداع التي تتسم -كما يفترض- بالبلاغة والإيجاز والتكثيف والدهشة والخيال والغرابة والغموض، وهذه صفات غير متوافرة في اللهجات العامية التي يعتمدها بعض الشعراء غير الموهوبين».

ويضيف زامدار «مع ذلك، أنا أحترم تجربة هؤلاء الشعراء الذين يكتبون بالعامية، لكني لا أستطيع أن أحذو حذوهم لأني أعتقد بأن لجوءهم إلى اللهجات العامية المحلية هدفه هو كسب رضا الجمهور العريض، والبحث عن الشهرة والرواج، وكل ذلك قد يتحقق ولكن على حساب جوهر الشعر وقيمته الرفيعة التي لا يمكن للشاعر أن يبلغها إلا عبر لغة فصيحة، سليمة». ويختم زامدار حديثه بالقول: «أعتقد بأن جزءاً كبيراً من جمالية الشعر يكمن في التراكيب والألفاظ والمفردات والتعابير وفي المحسنات البديعية كالسجع والطباق والجناس، وثمة شعراء احتلوا مكانة مرموقة بسبب لغتهم أولا، والتي انطوت على البلاغة والإحكام، أما اللهجات العامية فلا يمكن أن تصلح لكتابة قصيدة، لأنها تفتقر إلى سحر البيان الذي تضمره اللغة العربية الفصيحة».

pantoprazol 60mg pantoprazol takeda pantoprazol iv
ذو صلة