مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

كتابة القصيدة شعبية المحكي ونخبوية الفصيح




مازال التساؤل يجدد نفسه حول العلاقة بين الشعر الفصيح والعامي و قدرة الشعر العامي على التعبير عن المشاعر الشخصية والشعبية وإبداع الصورة الشعرية المحلقة ومجاورته للفصيح بعشاقه .

 

هاني حجي

-الرياض –

 

 

ولعل الدافع لإثارة التساؤل هو تحول أو تنوع  بعض شعراء الفصحى في  كتابة الشعرمن الفصيح إلى العامي أو العكس

- لماذا يكتب شعراء الفصحى بالعامية ؟.

- هل هو انتقال لهؤلاء الشعراء من ميدان الفصحى إلى سوق العامية لتحقيق الانتشار أم هو للتنوع بين الفصيح والعامي؟

هل تعتبر الأغنية من أسباب كتابة شعراء الفصحى للعامية؟

وهل يجد شعراء الفصحى صعوبة في تلحين قصائدهم وغنائها ؟

أم لأن الشعر العامي استطاع أن يصور حال الأمة العربية والإسلامية وقضايا الوطن مثلما استطاع الشعر الفصيح؟

هل صحيح أن الشعراء كلّهم عاميون بالفطرة مهما وصلت درجاتهم العلميّة بسبب سيطرة الثقافة الاجتماعية؟

وهل يمكن أن تصنف  المشاعر الإنسانية إلى عامية وفصحى أم أن الشاعر يتأثربما يسمع وما يقرأ؟ ماذا يمكننا أن نسمي ظاهرة الشاعرين المصريين العاميين أحمد فؤاد نجم وعبدالرحمن الأبنودي؟

يقول أستاذ الأدب والنقد في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عبدالله بن سليم الرشيد «الكتابة بالعامية ابتداء هي استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ لأن الكاتب بالعامية هو كاتب مؤقت ذائب، سرعان ما يُنسى لأنه سوف يصعب التواصل معه آنياً ومستقبلاً، أما آنياً فلأن العامية مهما انتشرت فهي محصورة ببيئة أو بيئات، محدودة بضيق وعائها اللغوي ورداءته، وأما مستقبلاً فلأن العامية لهجة متقلبة غير مستقرة، وعدم استقرارها ناشئ عن فسادها، لا عن كونها قابلة للتطور».

ويضيف: «اتجاه من كتبوا بالفصحى إلى الكتابة بالعامية هو ردّة ثقافية، ردّة عن استعمال الفصحى التي في نشرها والكتابة بها ترقية للأذواق وتصفية للمشاعر، وتواصل مع أبناء العربية في كل مكان، والذي يدعو بعض شعراء الفصحى لمجاراة تيار العامية هو في الغالب الرغبة في الظهور والتلميع الإعلامي؛ في زمن صار فيه للعوام صولات في الصحف والمنابر الإعلامية.

ومن دواعي توجه بعضهم إلى العامية قصر النظر الذي يجعلهم غير مدركين لما تسببه العناية المفرطة في العامية من إخلال بالأذواق وإفساد لمستويات المتعلمين وتهوين من شأن الثقافة الحقيقية.

وبعضهم يستجيب لدواعي السكون، ويؤثر الدعة والخمول اللغوي فيتجه إلى العامية، وأصفهم بالخمول اللغوي؛ لأن الكاتب بالفصحى لا يمكنه إلا أن يكون جادّاً تضطره قوانين اللغة وقواعدها وشعابها المترامية وفجاجها العميقة إلى أن يكون مستعداً لها باذلا أقصى جهده في الرقي بلسانه إلى مستواها».

ويقول الرشيد: لم تستطع العاميات – ولن تستطيع- أن تكون لساناً للأمة أو وسيلة للتواصل بين الناطقين بالعربية، بل هي من أسباب فرقتهم وهوانهم على الناس، لقد كادت العربية تخرج- أو أنها خرجت- من دائرة اللغات الحية كما قررت اليونسكو قبل أعوام ثلاثة؛ لأن منظّري اليونسكو قاسوا العربية الفصحى بما ينطق به الناس، فرأوا أن الفصحى غير ظاهرة على كثير منهم وليس لها اعتبار عند جماعات من المتنفِّذين في الإعلام العربي؛ فقررت أن العربية الفصحى ميتة. أليست هذه أكبر جناية على رمز من رموز هويتنا جناها دعاة العامية ومشجعوها والمتحمسون المغيّبون لها؟

أما ما أشرتَ إليه من اتفاق المشاعر وعدم وجود شعور عامي وشعور فصيح فكلام صحيح، ولكن ينبغي أن ننظر إليه لا على أنه مسوّغ للعناية بالعامية واطراح الفصحى من أجلها، بل ينبغي أن يكون مدعاة لحث أصحاب المواهب على أن يختاروا القالب الأعلى لنتاجهم وإبداعهم، يستطيع المبدع أن يصوغ مشاعره بالعامية ولكنه يكون أكثر إبداعاً إذا استطاع تطويع الفصحى الخالدة لهذا الإبداع، ويكون أوسع انتشاراً وأكبر تأثيراً ويكون إبداعه أطول عمراً إذا اتخذ الفصحى وعاء.

ويتابع: «أما ما يتعلق بالأبنودي ونجم فهما ليسا ظاهرة إيجابية؛ لأن شاعريتهما ستنتهي في زمن قصير، مثلما انتهت شاعرية صفي الدين الحلي التي أراد أن يُظهرها بالعامية – عامية زمانه - وبقيت شاعريته التي صاغها بالفصحى، ومثلما انتهت شاعرية ابن قزمان الذي لم يعد يعرفه سوى نفر معدودين، ومثلما انتهت شاعرية أحمد شوقي التي جعل العامية وعاءها ولكن شاعريته الفصحى هي التي خلّدت ذكره وتوّجته تاج إمارة الشعراء.

وحول الموضوع يقول الشاعر إبراهيم الوافي: «لا يمكن أن نغفل شعبوية المحكي (وهو المصطلح اللائق كما يخيّل إلي  لدى الفصحويين الذين يكتبون المحكي ) مقارنة بنخبوية الفصيح ، فضلاً من أنه -أعني المحكي- هو النص المسموع،  والمسموع غالبا يتميز بردة فعل مباشرة وحية، وهذا ما يحتاجه بعض الشعراء، لكن هذا ليس المبرر الكافي، فالشيوع والانتشار على مستوى المسموع يقابلة الخلود والتوثيق على مستوى المكتوب، وعلى اعتبار أن النص المحكي نص سماعي في جوهره وفي تعاطيه ، والنص الفصيح نص مكتوب. هذه الحقيقة الراسخة لايغفلها مطلقا كتّاب المحكي من الفصحويين، لكنّ ربما يعود الدافع الأكبر لشعور الشاعر الفصيح بأزمة تلقٍ ما، فرضتها طبيعة النص الشعري الحديث من جهة ، وطبيعة المتلقّي الحديث أيضاً من جهةٍ ثانية، إذاً الأمر متعدد الأسباب والدوافع ..لكنه على كل حال ليس ظاهرة سلبية مطلقاً، متى ما تحول الفصحويون الجدد إلى التوثيق الصوتي، في تداول هذا الشعر، فيتبعهم بذلك المحكيون ، وبالتالي نحفظ للغة الفصحى آخر مكانة لها في ذائقتنا، وأعني بذلك تفصيح المكتوب».

وأضاف: «أظن أن الأغنية من أسباب كتابة الشعر بالعامية  إذا وضعنا في الاعتبار نماذج متعددة لعل أهمهم الشاعر المصري أحمد رامي ..الذي كتب النوعين ابتغاء مرضاة الست ( أم كلثوم ).

وما يجده شعراء الفصحى ليس  صعوبة في تلحين قصائدهم  وإنما أزمة .. فمواصفات الأغنية المعاصرة لاتتواءم مطلقاً مع النص الشعري المعاصر .. ذاك سطحي يتكئ على الصورة، وهذا لايبحث عن متلق له بين جماهير الأغنية المعاصرة .

ويشارك الشاعر حزام العتيبي: «بداية  لا أود الخوض في الترنيمة المطاطية التي تقول إن الشعر هو الشعر، خاصة أن من يرأس تحرير هذه المجلة ومهما كان صحافياً أو أكاديمي  فهو من الندرة المثقفة التي تحفظ وتتذوق  الشعر العامي أو الشعبي الحقيقي لأساطينه كبركات الشريف وبديوي الوقداني.

هنا  أتوقف عند نقطة صغيرة للقول إن الشعر الفصيح في المملكة على قلة الجيد منه هو شعر نخبوي، لكنه حاضر بأشكال أكثر جمالا في بعض الأقطار وخاصة فلسطين.

وبما أن الجود من الموجود وأنه لا يمكنن أن نخلق درويشاً سعودياً، فلنفصل على الأقل بين شاعر حقيقي قامته كقامتن  وبين من خلقتهم ملاحق الأدب والحداثة في الثمانينيات  كون بعضهم يشرف عليها ولابد أن يتزين بعباءة الشعر، وعندما انكشف المستور ورأى  بعضهم أن هناك بعض الشبان العاميين البسطاء يمتلكون حضوراً قوياً وموهبة طبيعية شعرية حاولوا تجريب حظهم استسهالا منهم للشعر  الشعبي  فسقطوا ولم (يسم) عليهم أحد.

هذا من جانب،  أما الجانب الآخر  فإن التدرج من كتابة الشعر العامي والمحكي إلى الفصيح  هو الأمر الطبيعي  الذي يدل على توفر الموهبة الطبيعية  التي انطلقت في الصغر وكانت  أداتها اللهجة الشعبية لعدم تمكن الصغير من الحديث بالفصحى  ثم مع الدراسة والتعليم توافرت لديه الأداة الأخرى، هذا الأمر  لا أعده  طبيعي  بل قد أصل إلى اعتباره شرطاً في تكون الشاعر، أما من يبدأ بزعم أنه شاعر نخبوي في ظل ظروف غير موضوعية وحتى قبل المرور  بمرحلة الشعر العمودي، ثم عند الشيخوخة يحاول كتابة الشعر العامي  فلست أنا من أقول له  لا، ولكنها ضحكات الاستهجان التي يصدرها السيد  الشعر  الذي حاول تزويره  ردحا من الزمن.

لعلي  أعطي  مثالاً حي  على ذلك. الشاعر محمد الثبيتي  ترنم بالشعبي  ثم بالعمودي، ثم إلى قصيدة التفعيلة.

دعني أقولها بكل بساطة: من تحول من كتابة الفصيح إلى العامي فهو مجرد مقلد يحاول البحث عن موطئ قدم له، أما من كان يكتب العامي  ثم كتب الفصيح فالحق له في ذلك، رغم أني أشك في أن الشاعر الحقيقي يجازف بذلك.

أما موضوع الغناء  من عدمه فذائقتن  السعودية العامة لا تستسيغ أغاني الفصيح  لأنها أصل  لا تنجذب بحكم ثقافتها للشعر الفصيح نفسه، لكن عليك أن تلتفت حولك  إلى مصر  وسيدة الغناء العربي أم كلثوم  والكثير من أغانيه  من الشعر الفصيح، وإلى  لبنان والسيدة فيروز  وما تغني، وكذلك  إلى حد  ما في العراق، أم  محمود درويش  فهو ما يثبت لك  أن الشعر  العامي لم يخدم القضايا التي  تتحدث عنها، ويثبت أن الشعب الفلسطيني  يعتبره شاعره الشعبي.

أرأيت  فروق  تشكل  الثقافة، وهي أمور   لا عيب  فيها... في مسألة شعراء العامية المصريين، فقد كان يمكن أن يكون لها ما يماثلها لدين  لول  عدة أمور  أهمها، تحول الشعر العامي لدينا إلى وسيلة  للتسول و ( الشحاذة ) حتى إن الجانب المضيء منه  وهو الغنائي  للأسف تحول إلى مجال للمتاجرة  والكتابة حسب طلب الأثرياء وعشاق الشهرة من ممتهني بيع مايسمى الشعر والأغاني.

ومنها أيضاً ماقامت به  ماتسمى مجلات الشعر الشعبي قبل سنوات والتي بدأت موجتها من بلد  شقيق وقام على بعضها مرتزقة متسولون  أفسدو  ليس  الشعر بل حتى بعض أخلاقيات الفتيات الطامحات لكتابة الشعر، وتطور الأمر  الآن إلى مايمكن تسميته (كباريهات  الشعر  الشعبي) والتي أعتقد  أن  من المهم محاربتها أكثر من أفلام  البورنو، قنوات تتوسل مشاعر البسطاء باسم السيد الشعر وصور الإغراء الفضائحي من أجل المزيد من الرسائل مدفوعة الثمن ، ومسابقات تشفط  قوت الفقراء باسم شعراء الملايين، هل تظن أنه في مثل هذه الأجواء يمكن أن يبقى شعر حقيقي.لقد  فضل الشعراء الحقيقيون الابتعاد عن هذه الأجواء.

ومن خلال متابعته للساحة الشعبية يقول الناشر والكاتب عبدالرحيم الأحمدي: «إن من يكتب من شعراء الفصحى بالعامية يقوم بذلك لأسباب تتصل بالمناسبة حينا وبالمخاطب أو المتلقي حينا آخر, وبالحافز أحيانا كثيرة, فالمعروف أن الشعر العامي شكل من أشكال التعبير ولا تختلف أدواته عن أدوات شعر الفصحى ما عدا عدم التزام شاعر العامية بالقواعد النحوية وعدم الاهتمام بتركيبة بعض الكلمات أو العبارات وحركات الحروف إذ يهيمن السكون على الجمل والكلمات.

وأكثر الشعراء لا يفكر في كسب الشهرة بقدر الاستجابة للحافز الشعري الذي يشعل الإبداع لديه, وتأثير الشعر ينطلق من بلوغه حاجة في المتلقي وهذه الفضيلة يدركها الشاعر الملهم فيستخدمها في مخاطبة المستهدف بالفصحى أو العامية, ولهذا يختار الشاعر المنهج المناسب لبلوغه هذه الغاية.

ولما كانت العامية هي لسان حال الخطاب في معظم مدارج الحياة فإنها الأكثر قربا إلى التناغم مع الناس، ومتى كان بناء القصيدة متينا ورصينا أدت رسالتها بالفصحى أو العامية سواء، فكم من قصائد في الفصحى لا تمت إلى الشعر وكم مثلها في العامية.

أما الأغنية اليوم فإن كتابتها بالعامية تأتي استجابة لثقافة المتلقي, وليس للغناء أو التلحين, فمتى كان وزن الأبيات محكما سهل تلحينه وتنقله بين الأوتار, ولذا يزن الشعراء شعرهم بغنائه, فلا يعجز الملحن تحويله إلى أغنية, فالعلاقة بين الشعر وغنائه أو إنشاده علاقة توأمة».

ويرى أن تصوير القضايا ليس محصوراً في نوع من الشعر وإنما ترسمه ملكة الشاعر باللغة التي يختارها للتعبير عن مشاعره.

أما الثقافة والعلم فإن العلم رافد للثقافة, فالثقافة موجودة بالفطرة والتربية لدى الإنسان ولكن المجتمع ينمي الثقافة, والخبرة ترفد الثقافة والعلم يصقل الثقافة ويوجهها, وكل سيطرة مهددة بالعقل الذي يبنى أو يدمر, فلا ثبات للأشياء التي يشكلها الإنسان لأنه يهددها بثقافته.

المشاعر لا تصنف بعامية أو فصحى وإنما يعبر عنها بالعامية أو الفصحى, والشاعر يتأثر بما يخترق مشاعره إلى أدوات التعبير في ذاته, ما يفرحه وما يؤلمه, ما يتمنى وما يأمل.

ويضيف «أما ظاهرة الأبنودي ونجم أو ظاهرة ابن هذال فلا شك أنها ترجع إلى تأثير شعرهم في المتلقي إضافة, إلى أن ذلك الشعر وجد مكاناً خالياً فتمكنا» كما يقول كثير عزة, ثم وجد بعد ذلك جمهوراً وجد من يشخص جراحه, ويعلن نواحه, وكان الإعلام متربصاً فصفق لهم وأصغى الناس لتصفيقه, فتجاهل شعراء آخرين لا يقلون إبداعاً عن هؤلاء, وغاب النقد الدقيق عن إبداعهم في ضجيج الإعلام. ويمكن أن نسمي هذه الظاهرة ظاهرة الفرح والتشفي, فرح بنجاح إبراز شكوى الأكثرية وإبراز معاناتهم وتحمل الشعراء وزر جرأتهم وإقدامهم, هذه الجرأة التي سترت عيوب شاعريتهم, وتشفٍّ من أولئك السادرين المنعمين الذين لم يعبؤوا بمعاناة الآخرين إنها ظاهرة النكد.

الشاعرة البحرينية فوزية السندي -ترى- أن الشعر بصفته طريقة جمالية للتعبير عن مخزون الروح وتجليات الحياة المكتنزة بالخبرة والمعرفة والوعي الصادق، الشعر بكونه المترجم الوحيد لغموض الأزل، من الصعب عليه أن يقتفى تحولات السوق، ومتطلبات القراء ونوايا الاستهلاك، صعب عليه أن يتحول إلى عملة لترويج المكتسبات حسب العرض والطلب الشعر طاقة تعبيرية رائدة وخلاقة.

من حق من يكتب أن يختار طريقة التعبير التي يجدها تفي بخفايا النفس وبوح الذاكرة، سواء كانت كتابته عامية أو فصحى أو ما إلى ذلك من مصطلحات انتوت تصنيف التجربة الشعرية كما ترتئي.

ما يميز الكتابة الشعرية هو الصدق التعبيري عن الذات، هو الفرادة في نحت الجملة الشعرية لتتوازى مع ماهية الرؤيا حيث يستدل على المعنى بجوهرية التصدي الفني له.

ثمة قصائد عامية تساير المحن والمعاناة المؤتلقة في جراحات الماضي، استطاعت أن تدون خبرة مكتنزة بالشجن والمعاني المؤثرة لتاريخ البحر، نحن هنا لا نرتهن لحضور المصطلح لكن لغنى النص الشعري ذاته وقدرته على التأثير في المتلقي وتوصيل الرؤيا الشعرية.

وحول تلحين القصائد تقول: «تلحين القصائد الفصيحة ليست معضلة وثمة العديد من القصائد المغناة بألحان راقية توازى جمالية اللغة الشعرية، واتجاه بعض الشعراء إلى العامية لا يدفعنا للبحث عن مبررات لذلك، فهو كما أشرت كامن في حرية القول والتعبير وحق لا نسعى لتبريره.

 

مع تحفظي على تعبير «سوق» العامية، لا أرى ان ذهاب الشاعر أو الشاعرة من الفصيح إلى العامي جريرة تلام عليها، بل هي حرية لنا التعاطي مع جمالياتها الجديدة والمقترحة علينا في مجال آخر ليس سوقاً بكل تأكيد وإن حاول الاستهلاك أن يحول ثقافتنا العربية إلى سوق.

المشاعر الإنسانية لا تصنف إلى عامية وفصحى، التصنيف يتعلق باللغة العربية أو المحكية المسماة عامية، المشاعر تسمى إنسانية.

الشاعر أحمد فؤاد نجم والشاعر الأبنودى، شاعران يتميزان بتجربة شعرية مكتنزة بذخيرة المخيلة والذاكرة وتعبر عن نبض الروح الصادق والمعبر عن الحياة.

 ويضيف الشاعر محمد الجلواح « تصادف أن يكون بين يدي الآن وأنا أقرأ هذا الموضوع .. كتاب بعنوان ( أبي شوقي) من تأليف الدكتور حسين أحمد شوقي نجل الشاعر الكبير أحمد شوقي وأجد من بين صفحاته قصيدة باللهجة العامية كتبها الشاعر أحمد شوقي من بين ما كتب من قصائد فصحى، فلو اتخذنا شوقي إماما أو أ نموذجا أو قدوة في قيام الشعراء بالكتابة بالشعر العامي، لكفانا ذلك ، ولكن الموضوع برمته ــ في رأيي ــ ضرب من المحاولات ، وإلاّ فإن الأصل والأساس هو الكتابة باللغة الفصحى، على أن كل الصور والأدلة والتبريرات الواردة في عرض عناصر الموضوع قد تكون سببا كافياً إلى حد كبير في القيام بكتابة الشعر العامي.

- في رأيي أن الشاعر إذا توافرت لديه القدرة الفنية واللغوية والنحوية على الكتابة بالفصحى – فلا حاجة له أبدا للكتابة بالعامية ..

ذلك لأن العامية تبقى في محيطها ونطاقها المحدود الذي قد لا يفهمه من هو خارج هذا المحيط (مهما اقتربت من الفصحى)، إضافة إلى ذلك، فالقصيدة العامية حتى لو كانت مفهومة العبارات والجمل .. لكن يبقى الحس الشعبي والتذوق الداخلي  المحلي الخاص بها، محدوداً لا يستطيع الإحساس به إلا من يعيش في محيطها من أبنائها،  بمعنى أن القصيدة ستحمل بعض الصور والإشارات والمفردات والمواقف المحلية بحيث لا يمكن أن تصل إلى خارج المحيط  بالشكل المطلوب الذي يريده كاتب هذه القصيدة.

هذه نقطة، والنقطة الثانية، أرى أن القصيدة الفصيحة أكثر خلودا وانتشارا من المحلية .. فنحن لا نزال نقرأ القصيدة الفصحى التي تجاوز عمرها الألفي عام، في حين لا نجد قصيدة عامية تذكر مكتوبة قبل مئة سنة مثلاً، ومع ذلك  فهناك نقطتان إيجابيتان لصالح القصيدة العامية  لابد من الإشارة إليهما في تناول العامية، الأولى: أنه لا بأس على الشاعر -أي شاعر-  في أي مكان أن يكتب، أولاً القصيدة العامية المحلية الخاصة بمحيطه ويمارسها في سبيل التجربة والتمرين، ويكون في ذات الوقت يدرب نفسه على الكتابة بالفصحى، حتى إذا وجد نفسه قادرا على كتابة القصيدة الفصيحة، توقف عن القصيدة العامية إذ لا حاجة له هنا بها، وهو أيضا ًيكون محاولا أن ينتقل إلى مرحلة  أعم , وأشمل، وأصعب وأجمل .. ، وهو كذلك في هذه المرحلة من الكتابة بالعامية ، سيبدأ في تكوين قاعدة جماهيرية له في محيطه أولا ، ثم ينتقل جماهيريا بالفصحى إلى خارج محيطه.

الأمر الثاني: تبقى للقصيدة العامية حسنة كبرى وحيدة وهي أنها -في رأيي- أكثر قدرة  ودقة ..على رصد الأحداث والأماكن والوقائع والأشياء والمكونات وغيرها من القصيدة الفصيحة ، وهذا ما أثبتته الأبحاث و الدراسات التاريخية والاجتماعية في الاعتماد على النصوص العامية لمعرفة الكثير من الأحداث، وليس في ذلك قصور في اللغة الفصحى، في القيام بمثل ذلك ، ولكن تطويع تلك الأشياء بالعامية ورصدها، وصعوبة القيام بمثل ذلك في الفصحى إلى حد كبير، هو ما يجعل هذه النقطة إيجابية للقصيدة العامية، والقصيدة العامية  لا تصلح للقراءة، بل تصلح للسماع فقط مهما عـُـني بكتابتها ، وهذا ما يعوق انتشارها وصمودها، ولهذا يسارع الشعراء الشعبيون إلى القنوات التلفزيونية لإبراز القصائد العامية سماعا ورؤية، وقد تستغرب أنني أطرب أكثر للقصائد الفصيحة المغناة أكثر من العامية، بمعنى أن الفصيحة يبقى لها بريقها الجميل حتى وهي تتقلب بين حناجر المغنين.

نعم، قد يجد الملحنون صعوبة في تلحين قصائد الفصحى لكنهم يعرفون أنهم يتركون بصمة كبيرة خالدة في ذلك، وغير صحيح أن الشعراء كلهم عاميون بالفطرة، الشعراء هم شعراء عربية فصحى بالفطرة .. والعامية تأتي قصداً، لا فطرة.

أما الأبنودي وأحمد فؤاد نجم، فلا أستطيع أن أقول إنهما ظاهرة، فهما شاعران بالعامية فقط ، ولم نقرأ لهما شعرا بالفصحى، وقد عرفا دربهما في ذلك وسارا فيه بثبات واستمرار دون أن يغيّرا مسارهما، ومثلهما في العالم العربي شعراء معدودون معروفون.

أتذكر الآن في هذه اللحظة سمو الأمير الشاعر الراحل عبد الله الفيصل، هذا الشاعر الكبير كتب الشعر العامي، وكتب الشعر الفصيح .. لكن ــ كما تعلم ــ بقي شعره الفصيح هو المعروف في وجدان المواطن العربي ،  بل لا يتذكر أحد من الناس شيئا من شعره العامي، وهذا خير مثال على خلود القصيدة الفصيحة.

وعلى المستوى الشخصي، فقد توقفت عن كتابتها منذ أكثر من خمس عشرة سنة ، وكلما راودني الحنين إليها، أقوم (بقراءة ) نصوص عامية ، فقط ، ولكن لحظة الكتابة تكون بالفصحى بشكل تلقائي.

وبكلمة، فإن القصيدة  على الوجه العام ، ورغم ذلك كله، هي رسالة بلغة استثنائية جميلة، مصدرها الأحاسيس ومقرها المشاعر .. مهما كانت لغته  .. المهم أنها رسالة، تصل إلى المتلقي بما يحب أن تصله عليه وبه.

 ويعتقد الشاعر العماني حسن المطروشي «أن العلاقة بين الشعر الفصيح والشعبي علاقة جدلية مركَّبة ومربكة، وستظل كذلك .. سيظل السجال قائما، وهو سجال حميد من شأنه أن يثري ويسهم في خلق أفكار وقناعات جديدة، ما لم يدخل فيه الجهلة والغوغائيون والمتعصبون. الشعر الفصيح له شعراؤه وجمهوره، وهو في تاريخه نخبوي، أما الشعر الشعبي فهو شعر الحياة اليومية ورجل الشارع وعامة الناس، وليس مستغربا أن يكون هو لغة الأغنية، لأنه يعبر عن نبض الحياة وإيقاعها بالنسبة للإنسان البسيط.

ويتابع «قد يكتب بعض شعراء الفصحى شعرا عاميا، وهذا في ظني لا يضير، وهو نوع مغاير من التعبير، وعلينا أن ننظر إلى المسألة بإيجابية، ولا أظن أن ذلك في غالب الأحوال يعكس رغبة الشاعر في البحث عن مزيد النجومية أو الجماهيرية، لأن الشاعر الحقيقي لا يكتب من أجل أن يكون نجما لامعا، بقدر ما يؤسس لقناعات جمالية وفكرية عليا، ليسهم في بناء ذائقة معرفية وجمالية ناصعة في ظل الخراب والدمار الذي تمارسه مختلف وسائل الإعلام السياسي والحروب وضجيج الآلة العمياء. أما الشاعر الفصيح الذي يكتب بالعامية من أجل أن تلحن قصائده وتغنى فهو شاعر غير واعٍ، ولا أعتقد أنه يمتلك رؤية واضحة أو مشروعاً إبداعياً محدداً، وإنما هو يميل حيث مالت الريح. ومهما كان من الأمر، فكتابة الشعر العامي بالنسبة للشاعر الفصيح أسهل من كتابة الشعر الفصيح بالنسبة للشاعر العامي، بل أعتقد أن الشاعر العامي لا يستطيع أن يكتب شعرا فصيحا لعدم تمكنه من أدوات هذا الشعر واشتراطاته اللغوية والبلاغية والثقافية الأخرى».

أما قضية التعبير عن حال الأمة وتصوير همومها فلم يعد من مباحث الشعر الأساسية. لقد انتهى الوقت الذي يكون فيه الشاعر وسيلة إعلام أو بوق حرب، فهذا دور وسائل الإعلام، وهناك فرق بين نشرة الأخبار والقصيدة. لقد تغيرت الأدوار وتبدلت مواقع الأحجار في اللعبة، فأصبح الشعر يتجه إلى ما هو روحي وعميق، إلى خلخلة العالم وبنائه، إلى طرح الأسئلة وتشكيل عوالم الجمال فوق مشاهد الخراب والدمار التي تشوه وجه الحياة بكل هذا القبح والقتل والكوابيس المفزعة.. لم يعد الشعر شريكا في الحرب .. لقد تركها للقساوسة والساسة!

وخلاصة القول: إن الشعر لا تحده اللغة أو اللهجة، فالشعر جمال وبناء وتشكيل وصياغة مبتكرة سواء كان بلغة فصحى أو لهجة عامية أو لغة أجنبية، طالما تحققت فيه اشتراطات الشعر واحتراقاته. وكم يدهشني أن أستمع إلى بدر بن عبدالمحسن .. هذا الشاعر الشعبي الذي قلب موازين الشعر الشعبي في الخليج والوطن العربي .. إنه أفضل بكثير من بعض من يكتبون قصائد منظومة باللغة الفصحى، وهي بعيدة كل البعد عن ديار الشعر وتخومه النائية. أما أحمد فؤاد نجم والأبنودي فلا أجد لديهما ما يستفزني أو يدهشني، وهما مثالان للنماذج الشعرية الشعبية التي يروجها الإعلام العربي.

وتقول الشاعرة سلطانة  السديري: «بدأت  تجربتي بكتابة الشعر الفصيح عندما كنت أعيش في بيروت فكنت أتذوق اللغة العربية  وساعدتني الموهبة والقراءة للدواوين الشعرية مثل إبراهيم ناجي، إيليا أبي ماضي وأبي القاسم الشابي، كنت أحب الوجدانيات لكن بعد عودتي للرياض وبسبب البيئة والمفردات الشعبية المستخدمة في حياتنا  تحولت  لكتابة  القصيدة الشعبية وأقصد القصائد البيض أي العامية المثقفة وتضيف: «سرقتني العامية من الفصيح وذلك بسبب الجمهور والبيئة فعندما أقيم أمسية يطالبني الجمهور بقراءة القصائد العامية  أكثر من الفصحى وأصدرت ديوانين بالنبطي  لكني أتصور أن الفصحى هي الأجمل بمصطلحاتها وبلاغتها  لكن الشعر الشعبي أكثر قبولا لدى المجتمع.

وحول إمكانية تلحين قصائد الفصحى تقول: غنى لي  طلال مداح (سويعات الأصيل) وكذلك غنى المطرب كاظم الساهر لنزار قباني وكذلك غنى ماجد المهندس  قصائد فصحى  وأعرض عليه قصيدة بالفصحى  وتقول: «لم تؤثر علي الثقافة العامية إلا في الرياض».

من وجهة نظرالشاعر جاسم الصحيح  هناك أكثر من سبب لكتابة شاعر الفصحى للعامية  الأول البحث عن الشهرة لأن طبيعة اللهجة الشعبية قادرة على اختراق الوجدان الإنساني كمفردة شاعرية، المفردة الشعبية عندما تتحول إلى مفردة شعرية حقيقية قادرة على اختراق الوجدان الإنساني وقد تكون  أقدر من الفصحى والسبب أن اللهجة الشعبية هي المتداولة والتي نستخدمها في البيت والعمل والشارع وفي المكان الذي نعيش فيه فهو مأزق أشبه ما يسمى (بالانفصام اللغوي) في الخطاب اليومي فالشعراء عندما يكتبون بالفصحى ويتحدثون بالشعبية تكون هناك حالة انفصام  علاجها يكون بكثرة القراءة في الكتب الفصحى  وهي التي تعمل ألفة بين الشاعر واللغة وتعالج جزءاً من الانفصام اللغوي الذي يعيشه يوميا مع الأهل والأصدقاء والأسرة فعندما تريد أن تكتب بالعامية تستطيع التآلف.

وثانيها: يكتب الشعراء الفصيح مقارنة بالشعبي بنسبة 99% فأنا لم أنشر الشعبي ولا يهمني الشعر جاء فصيحا أم شعبيا ،فالشعر مثل الجسد الذي يبحث عن روح الشعر أينما تكون سواء  في الشعبي أم الفصيح، هناك شعراء قدموا تجربة في الشعر الشعبي لا تقل عن الفصيح مثل مظفر النواب بل هو معروف في العراق كشاعر شعبي أكثر مما هو فصيح ولم يكتب الفصيح إلا بعد أن غادر العراق عام 1963م كان يكتب القصيدة الشعبية واشتهر بملاحمه وعندما خرج  وجاء إلى بيروت كتب القصيدة الفصحى.

والشاعر فهد عافت بدأ فصيحاً وبعدها تحول إلى العامية الجميلة فالشعر روح أكثر مما هو جسد فعندما نتحدث عن الشاعر المصري عبد الرحمن الأبنودي وأحمد فؤاد نجم نجد أن تجربتهما الشعرية أهم بكثير من شعراء الفصحى فالشعر يبحث عن جوهره سواء جاء فصيحاً أو شعبياً.

كتابة الشعر الشعبي بالنسبة لي تأتي هواية ، القصيدة الشعبية تترجم المشاعر بلهجة محلية أو لتأثر الشاعر بسماء قصيدة  فالفن يولد الفن  والشاعر يحتاج أن يعبر عن مشاعره باللهجة المحلية فأحيانا هناك حالة ورغبة تجتاحني لكتابة قصيدة تكون على نحو خاص  وأقرؤها للأصدقاء  فأنا لا أخجل من الظهور كشاعر شعبي ولكن ربما أخاف لأني خرجت على المشهد كشاعر فصيح.

القصيدة الشعبية الابنة غير الشرعية للفصحى

وتقول الشاعرة قسمة العمراني: إن هذا الزمن هو زمن ازدهار القصيدة الشعبية ،الكل أصبح يلهث خلفها بعدما تبناها الإعلام ولكنها تبقى في النهاية الابنة غير الشرعية للغة الفصحى والاعتراف والبقاء دائماً لمن يحمل أوراق بنوته الشرعية.

تعددت الأسباب والنتيجة واحدة في أسباب « تحوّل شعراء الفصحى أو لنقل بعضهم كي نكون أكثر دقة ومصداقية في كلامنا إلى كتابة القصيدة العامية».

 اعتقد أن كل ما سبق من محاور هو سبب لكتابة شاعر الفصحى بالعامية تأثره بالثقافة الاجتماعية ومعرفته بخصائص اللهجة المحلية تجعل كتابة الشعر العامي في متناول يده ومقولة « إن الشعراء عاميون بالفطرة صحيحة» مئة بالمئة لأن الشاعر ابن بيئته ،وملم بأدق تفاصيل حياته البسيطة وخاصة اللهجة.

ربما كان سببه لدى البعض خيبة الأمل في تصدير إنتاجه للقارئ لعدم احتفاء ذلك القارئ بهذا الإنتاج كونه ينتمي إلى لغة فصيحة تعوّد ذلك المتلقي أن يتعامل بها في الجهات الرسمية فقط وتكريس تلك الفكرة لدى بعض المتلقين بأن الفصحى لغة خطابات فقط وهذا نتيجة لضحالة ثقافتهم وتفكيرهم ، فهو يريد أن يخلق له قاعدة جماهيرية من خلال القصيدة الشعبية التي عندما جرّب نفسه في كتابتها وجد أنه يقبض على كل أدواتها .

وربما كانت الأغنية سبباً في ذلك ومحاولة بعض الشعراء اعتلاء عرشها ولكني أؤكد أن شعر الفصحى لم ولن يعجز عن الإيفاء بمطالب وأغراض الحياة والنفس البشرية فهو قادر بكل جدارة على تصوير حالة الأمة العربية والإسلامية في كل قضاياها واهتماماتها والشواهد على ذلك كثيرة.

أما من ناحية تصنيف المشاعر الإنسانية إلي عامية أو فصيحة فهذا الكلام غير منطقي لأن المسألة مسألة اختلاف في الثقافة وليس في نوعية المشاعر ، هي توضح الفرق فقط بين شاعر الفصحى والشاعر العامي في قدرة الأول وتمكّنه من قوالب اللغة وقدرته على صب مشاعره فيها وعدم تمكّن الأخير من كل ذلك ولجوئه إلى لهجة الناس الشائعة التي لن تكلفه عناء الغوص في تراكيب اللغة وإعراباتها المعقدة من وجهة نظره!. أما بالنسبة للشاعرين المصريين أحمد فؤاد نجم وعبدالرحمن الأبنودي أعتقد بأن تلك الظاهرة موجودة في كل الدول العربية ولكن بروزهما أكثر من الآخرين يعود لطول تجربتهما في هذا المجال حيث أسهم عامل العمر الزمني لهما بتكريسها في أذهان الناس وأيضاً لأنهما ساهما في كتابة بعض الأغاني التي خدمتهما الظروف عندما عانقت كلماتها حناجر عربية شهيرة كعبد الحليم حافظ .

ذو صلة