ما الذي يدفع الشاعر لأن يكتب بالعامية؟ ألم يقل أمير الشعراء (أحمد شوقي): «أخشى على الشعر واللغة العربية من بيرم التونسي»؟ وقد بايعه الشعراء فصار أميراً لهم. فما غايته إذن من كتابة الشعر بالعامية؟
المجلة العربية
- القاهرة –
ومن شوقي أمير الشعراء إلى أحمد رامي الدرويش والعاشق الذي ظلمه العوام بوصفه شاعر الأغاني، الذي كانت بدايته مع الشعر الفصيح فكانت أولى القصائد التي كتبها وهو في الخامسة عشرة من عمره وألقاها أمام جمعية النشأة الحديثة من الشعر الفصيح.
وفي عام 1910م نشرت له مجلة الروايات الجديدة قصيدة أخرى فصيحة وكان مطلعها:
أيها الطائر المغرد رحماك
فإن التغريد قد أبكاني
بدأ رامي إذن شاعراً فصيحاً بديوانه «رامي» الذي غلبت على معظم قصائده صيحات النحيب والعويل والصراخ والحرمان، هذا الحرمان الذي وصفه د. محمد مندور في كتابه «الشعر بعد شوقي» بقوله: إن حب رامي هو حب المحروم وإن هذا الحرمان لهو زيت القنديل الذي أضاء كل أشعاره، ولم يكتف رامي بالشعر منفذاً بلا داع بل انتقل للمسرح والترجمة، بيد أن المنحنى الأكبر في حياته كان عشقه العذري لأم كلثوم فلما رحلت «ثومة» عاد النبع إلى مجراه، فسطر رامي الشعر الفصيح مناجياً ربه باللغة الفصيحة قائلاً في آخر أيامه:
يا إلهي يا خالقي سبحانك
إن في ظاهر القلوب مكانك
جئت أسعى إلى رحابك أدعو
ولساني مرتل قرآنك
ومن شوقي إلى رامي وصولاً إلى مرسي جميل عزيز الذي بدأ هو الآخر فصيحاً ثم كتب بالعامية المصرية، فكانت أهم قصائده الفصيحة هي قصيدة (يارفيقي) التي غنتها فيروز. ربما نتساءل: هل هو انتقال -لهؤلاء الشعراء- من ميدان الفصيح إلى سوق العامية؟ أم هو التنوع بين الفصيح والعامي؟
الدكتور حماسة عبداللطيف أستاذ الأدب العربي و«عضو لجنة الشعر» يرى أن الذي دفع أمير الشعراء لكتابة العامية هو حبه لمحمد عبدالوهاب، فما كتبه الأمير غناه عبدالوهاب، غير أن عامية شوقي يراها حماسة فصحى بسيطة ومبسطة، ويتساءل: لماذا ينبذ المثقفون العامية؟ فالفصحى لها مجال والعامية لها مجال آخر والغناء هو الشائع والأكثر انتشاراً بين الناس.
أما الزاهد (رامي) فهو حالة متفردة فقد بدأ شاعراً للفصحى ثم دفعه عشقه لأم كلثوم لأن يدور في فلك المحب يكتب لها بالعامية.
د. مدحت الجيار أستاذ الأدب والنقد يقدم تفسيراً مغايراً، إذ يؤكد أن الأغنية في معظم تاريخها تكتب باللهجة المحلية، وشوقي كتب للمطربين الذين يحبهم، فهو لم يكتب العامية لرغبته في كتابة شعر بالعامية، ولا تنس أن العامية تتسق مع ما هو موجود في الواقع وفي لغة الشعب اليومية. العامية يفهمها الجميع ومن ثم تحقق انتشاراً كبيراً وسريعاً. الشعر تغير والموسيقى تغيرت بفعل الأغنية. أما أحمد رامي فهو وضع خاص لا يمكن القياس عليه، ورغم أنه كتب أيضاً للمسرح إلا أن كتابته جاءت مواكبة لحفلات أم كلثوم، ومن هنا لم ينتشر شعر رامي بل انتشرت عامية رامي وأفضل مثال هي أبيات رباعيات الخيام التي ترجمها ولم تنتشر إلا بعد ترديد أم كلثوم لها، ومن ثم فالأغنية والموسيقى من أقوى أسباب انتشار القصيدة سواء كانت عامية أو فصحى وأستطيع أن أقول لولا فعل الغناء لمات العديد من القصائد.
أما مرسي جميل عزيز فهو في الأساس شاعر للفصحى وقصيدته «لم لا أحيا» أبرز قصائده الفصيحة، غير أن التقاء مرسي جميل عزيز وعبدالحليم حافظ كان نقطة تحول في حياته، لكن عامية مرسي جميل عزيز قريبة جداً من الفصحى مثل قصيدته «الحلوة داير شباكها» أنا أراها فصيحة ولكن بتسكين أواخر الكلم، وأرى هذا التسكين هو أساس لغة الأغنية، وأذكر أيضاً فؤاد حداد فقد كتب بالفصحى وانتقل للعامية و«المسحراتي» قد نقرؤها بالفصحى ونقرؤها بالعامية، وكذلك قصيدة «الحضرة الذكية».
وللدكتور شوقي ضيف، الناقد الأدبي ورئيس مجمع اللغة العربية محاضرة مهمة ألقاها في المجمع حملت عنوان «العامية فصحى محرفة» يقول فيها: للعامية أنصار كثيرون خاصة في مصر، يقولون: دعونا نتخذ العامية لغة لأدبنا لأنها لغة بسيطة تمتلئ بها الأفواه في حياتنا اليومية بينما الفصحى لغة نزيلة في ديارنا، وقواعدها معقدة وتحتاج منا جهداً في تعلمها. ومن يقولون هذا القول عن الفصحى لا يعرفون تاريخها، ولا أنها حين خرجت من الجزيرة العربية مع الفتوح الإسلامية قهرت بعذوبة لسانها وبيانها جميع اللغات التي التقت بها من أواسط آسيا إلى المحيط الأطلنطي: قهرت الفارسية في إيران، والآرامية والنبطية في العراق، والسريانية واليونانية في الشام، والقبطية واليونانية في مصر، واليونانية واللاتينية والبربرية في المغرب، واللاتينية والرومانثية في الأندلس في أسبانيا. استعلت على كل هذه اللغات ونحّتها عن ألسنة الشعوب في كل هذه الديار وحلت محلها في الألسنة. ولم تصبح الفصحى عالمية لغوياً فحسب، بل أصبحت أيضاً عالمية ثقافياً فقد استوعبت الثقافات التي سبقتها جميعاً: استوعبت الثقافة الهندية وما كان بها من فلك ورياضة، واستوعبت الفارسية وما كان بها من نظم في السياسة والإدارة والحكم، واستوعبت اليونانية وما كان بها من علوم وفلسفة وطب، واستوعبت كل ما كان لدى الأمم القديمة من فكر وعلوم بفضل اشتقاقاتها الكثيرة وقدراتها على تمثل الأفكار والمعارف، وقد مضت تضيف إليها إضافات كبيرة، وظلت تقود العالم علمياً طوال ستة قرون متعاقبة.
د. يسري العزب يدافع عن شعر العامية المصرية، يبدأ العزب من جملة شوقي التي أراد بها مداعبة بيرم التونسي وهي «أخشى على الشعر واللغة من بيرم»، فهي -من وجهة نظر الناقد- ليست إلا مداعبة بين شاعرين كبيرين، مؤكداً أن أحمد شوقي كان يكن لبيرم التونسي مودة خاصة، فشوقي كان دائم السعي للإفراج ونيل العفو عن بيرم وإعادته من المنفى إلى مصر وهو ما فعله أيضاً العقاد، هذا المنفى الذي استمر من 1920 حتى 1932م. وربما أبرهن على صحة كلامي بإعجاب شوقي بمعارضات بيرم لبعض قصائده ومن أشهرها قصيدة «مضناك جفاه مرقده» التي كتبها معارضاً بها قصيدة الشاعر الأندلسي أبو الحسن المقري. هناك برهان آخر يتمثل في مداعبة بيرم لشوقي في قصيدة زجلية يبدأها بيرم قائلاً: «ياأمير الشعر غيرك في الزجل يبقى أميرك».
ويضيف العزب أنه من المغالطة الاعتقاد بالخلاف بين شاعرين كانا على هذه الدرجة من الرحابة في الأفق والصدق الوطني والفني، فكلاهما رائد في مجاله، ومع هذا فقد تبادل كلاهما الأدوار وجرب كلاهما مجال الآخر.
لقد وجد «أحمد شوقي» في الغناء فرصة للتعبير عن ذاته أكثر من الفرصة التي كان يجدها في الغناء بالفصحى، وكانت الإذاعة الأهلية المصرية تقدم أصوات المطربين والموسيقى على مقطوعات نثرية. لقد أكدت في بحثي الذي تناولت فيه عامية شوقي في مئويته الأولى أن نصوص شوقي بالعامية كانت إضافة منه إلى التيار الرومانسي الذي وجد طريقه في المسرح الشعري.
واستطاع شوقي أن يجدد نفسه ويدحض الاتهامات الموجهة ضده واصفة إياه بالشاعر الغيري، لقد وصل شوقي بقصيدة التيار الإحيائي إلى الذروة وأراه شيخاً للرومانسية الجديدة، بخوضه مضمار العامية، أما رامي -والكلام على لسان العزب- فقد وجد نفسه كاملاً في الشعر العامي ورافق العامية خلال رحلة عمره وتعد قيمته بصفته شاعراً للعامية في ميزان النقد أقوى كثيراً من كونه شاعراً فصيحاً. وبقي أن نشير إلى مرسي جميل عزيز الذي وجد نفسه في ميدان الأغنية فكان عامياً وطبيعياً في محل الفاكهة في مدينة الزقازيق الذي حوله لصالون أدبي. ولعلي أطلعكم على سري الخاص إذا أخبرتكم أنني بدأت شاعراً فصيحاً وكتبت 43 قصيدة بالفصحى، لكنني وجدت ذاتي في العامية.
يؤرخ د. سامي سليمان للشعر العامي الذي ازدهر مع منتصف القرن الـ19 إلى الآن ليؤكد حضوره، هناك أيضاً عوامل مساعدة لازدهار الشعر العامي منها الغناء وظهور بعض نجوم الغناء مثل أم كلثوم وعبدا لوهاب ثم عبدا لحليم، ومن هنا كانت المرحلة الناصرية عاملاً مؤكداً وداعماً أساسياً للشعر العامي بسبب أن عبدا لناصر كان يرى أن الثورة هي تدعيم لحركة الشعب وأدبه ونبضه، إضافة إلى وجود مسرحيات معظمها عرضت بالعامية وجاء تكريم الأبنودي كاعتراف من المؤسسة بشكل رسمي بالشعر العامي. إذا وضعنا في أذهاننا كل هذه العناصر، سنرى أنه من الطبيعي تناول شوقي للشعر العامي، فهو الأمير، ويحق له الانتقال من ميدان إلى آخر.
هناك أيضاً عدد من المتلقين الذين ازدادوا تأثراً بالشعر العامي، وأرى أن نجاح بيرم التونسي كان محركاً لأن يباريه أمير شعر الفصيح.
أما رامي فالأمر مرده إلى سليقته التي تجاوبت مع الكتابة بالعامية، إضافة إلى الارتباط الوجداني بأم كلثوم.