كان لرحيل الأديب والكاتب الصحفي الدكتور عاصم حمدان نبرة حزن وأسى في قلوب محبيه من زملائه في الجامعة وطلابه الذين نهلوا من علمه، وأصدقائه في الساحة الثقافية. ذلك أنه غادرنا على حين غرة مغادرة تحمل في طياتها الألم والقسوة، دون أن نودعه أو نمنحه القبلات وبلا مقدمات من هادم اللذات، لكن عزاءنا الوحيد أن رحيله كان في أيام فضيلة مضمخة بالصيام والقيام والدعاء. استقبل عمدة محلة (السيح) الشيخ حمدان علي طفله الثاني عاصم عام (1373 هجرية) فعمت الفرحة بذلك البيت وعلت الزغاريد وطفح البشر على أفراد أسرته، وحين بلغ الطفل عاصماً الخامسة من عمره ألحقه والده بكتاب الشيخة مغربلية لينال قسطاً من حفظ القرآن الكريم وليتعلم شيئاً من القراءة والكتابة تؤهله لدخول التعليم النظامي وكان له ما أراد فنال تعليمه العام كاملاً حتى أنهى المرحلة الثانوية بالمدينة النبوية 1392 هجرية وخلال تلك الأعوام كان يغشى حلقات العلماء بالمسجد النبوي ويرتشف العلم الشرعي سائغاً منهم. لم يكتف الشاب عاصم بما حققه من نجاح وتميز ويركن إلى وظيفة بسيطة، بل رأى أن ينهل من العلم وينتح من الأدب ويروي ظمأه من المعارف، ما جعله يشد الرحال نحو أم القرى وينضم إلى شطر جامعة الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة وهناك استهوته عاصمة النور بما تضمه جامعتها من أساتيذ جهابذة في اللغة والأدب والبلاغة والحديث الشريف من المملكة ومن مصر والشام فقدحوا في قريحته عشق الكتابة، وحسنوا له حب الأدب وحفظ الشعر، ناهيك أنه اختلف على حلقات العلماء في البيت الحرام التي كانت تغص بكوكبة من صفوة العلماء الأجلاء فنال منهم إجازة في الحديث الشريف، إلى جانب المكتبات المتعددة التي كانت ترفد الطالب وتزود القارئ وتدعم الباحث، فشغف الشاب عاصم بحب هذه الروافد الثقافية التي أرست في نفسه حب البحث والتحقيق والعكوف على أمهات المراجع والمصادر وما تلفظه المطابع من كتب وصحف ومجلات. ما إن جاء عام 1396 هجرية حتى أنهى الشاب عاصم دراسته الجامعية وغدا حاملاً لدرجة البكالوريس في اللغة العربية مع مرتبة الشرف الأولى، ولكونه صاحب طموح كبير فقد التحق ببعثة دراسية لينضم إلى جامعة مانشستر في بريطانيا للدراسة، لتمنحه عام 1406 هجرية درجة الدكتوراه عن رسالته التي كان عنوانها (أدب المدينة المنورة في القرن الثاني عشر الهجري) وكان من أبرز الأساتذة الذين درس عليهم وأخذ منهم الدكتور وليد عرفات، والدكتور مصطفي بدوي، والمستعرب الدكتور كليفورد بوزورث. عاد الدكتور عاصم حمدان إلى جدة ظافراً بالعالمية فعمل أستاذاً مساعداً بآداب جامعة الملك عبدالعزيز منتصف الثمانينات الميلادية، معلناً بداية مشواره العملي والعلمي أيضاً، فدّرس ألواناً من الأدب (العباسي والمملوكي والحديث وتحقيق المخطوطات) وظل اسمه يعلو في الجامعة ويأخذ في البروز والتسامي، كما كان حضوره يسطع في الساحة الثقافية والأوساط الأدبية مشاركاً بما ينشئه من فصول ومقالات بقلمه في الصحافة عبر زاويته العتيقة بصحيفة المدينة، وزاويته الأخرى بصحيفة عرب نيوز، ناهيك عن مشاركاته الثقافية من خلال منابر الأندية الأدبية والصالونات الثقافية، وكتابة البحوث العلمية والدراسات النقدية في المجلات الثقافية والمحكمة. اختط الدكتور عاصم حمدان لنفسه نهجاً واضحاً وسبيلاً لم يحد عنه، تمثل في ثلاثة مناح؛ كان الأول منها الدرس الأدبي فأخرج في هذا الصدد كتباً تدور حول الأدب في المدينة وتاريخه، مبرزاً أهم أعلامها، ومن هذه الكتب: (المدينة المنورة بين الأدب والتاريخ) و(قديم الأدب وحديثه في المدينة المنورة) و(صفحات من تاريخ الإبداع الأدبي في المدينة المنورة) و(قراءة نقدية في بيان حمزة شحاتة الشعري). في حين اتخذ في المحور الثاني سيرة المكان، فاستنطق مواقع وأحياء وآثاراً في طيبة الطيبة، وقد حمل بعضها لقطات من سيرته وذكره لطائفة من شخصيات مدينية عاصر بعضها، ومن الكتب التي حملت هذا المحور (حارة المناخة) و(حارة الأغوات) و(هتاف من باب السلام) و(رحلة الشوق في دروب العنبرية) و(ذكريات من الحصوة) وليس ببعيد عنهم كتابه (أشجان الشامية)، إلا أنه كان يدون فيه أيامه في بيت الشيخ عبدالله بصنوي الكائن بحي الشامية بمكة المكرمة وحديثه العذب عن جمهرة من البسطاء والمستضعفين الذي يحملون أخلاق العلماء. بينما جاء محور كتاباته الأخير متناولاً الأدب المقارن الذي يدخل ضمن دائرة اهتماماته -رحمه الله- مؤكداً وجود التلاقح الفكري والثقافي بين الحضارتين العربية والغربية ممثلاً في المؤثرات الثقافية بين هاتين الحضارتين ولاسيما التأثير العربي في الآداب الغربية وكتاب (ألف ليلة وليلة) خير شاهد على ذلك، ومثل هذا التيار جيفري تشوسر ووليم شكسبير ووردزورث وكيتز وشيلي وغيرهم، أما عن دور نفر من الرحالة والمستشرقين والمستعربين في تحقيق التراث العربي وتقديمه بعد فحص وتدقيق فيأتي في مقدمتهم برجستراسر والمفكر أرنولد توبيني الذي دعا بحيادية تامة إلى الاستفادة من معطيات الإسلام السلوكية والأخلاقية في مكافحة شرور الحضارة المعاصرة، وغير بعيد عن هذا ما كتبته الألمانية زيغريد هونكه من اعتراف للدور الحضاري للعرب في أوروبا، وقد خاض في هذا الفرع باقتدار وخرج للقارئ بغير كتاب وهي: (دراسة مقارنة بين الأدبين العربي والغربي) و(نحن والآخر) و(الأدب العربي في مدونات المستعربين).
كل تلك الأعمال الخالدة وذلك الحضور الأنيق للراحل حمدان أهله ليكون خدين منصات التتويج منها ما جاء على هيئة جائزة مثل نيله جائزة علي وعثمان حافظ كأحسن كاتب عمود صحفي في الصحافة السعودية، ومنها ما كان على شكل تكريم من نادي المدينة المنورة الأدبي لجهوده في خدمة الثقافة والأدب، كذلك تكريم اثنينية الشيخ عبدالمقصود خوجه له تقديراً لإسهاماته الفكرية والأدبية وتكريمه من لدن دار الفرقان للتراث على جهوده العلمية والثقافية. وليس من السرف أن أقول إنه برحيل الأديب الكبير الدكتور عاصم حمدان قد لحقت الأوساط الأدبية والتاريخية والصحفية خسارة فادحة، سائلاً المولى القدير أن يسكنه فسيح جناته ويعوضنا خيراً في مصابنا.