مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

الباركود.. بين التسويق والتشكيل الإبداعي!

في محاولة البحث عن مخرج لحالة الركود في تسويق اللوحات الفنية والمجسمات التي يشهدها المناخ التشكيلي وما تقوم به المؤسسات وبعض الأفراد في دول وأماكن أخرى، وأمام هذا الكم الكبير من المنتج الذي لا يجد طريقه للتسويق، كان يدور في عقلي سؤال حول الخصائص أو الأساليب التي يعتمدها الفنان في التعاطي مع أفكاره الفنية، وكذلك محاولة التميز في ظل التقارب الشديد بين الأفكار! خصوصاً إذا كانت مرتبطة بفعاليات موسمية أو بيئية أو وطنية وضمان الاقتراب من شروط بعض المسابقات والتي تبدو تعسفية أمام فكر فني حر يعتمد على المشاعر التي يعبر عنها الفنان وخصوصية التأمل وأسلوب التعبير.
ولذلك نجد أن نظرة التأمل للأشياء واستنباط الأفكار من خلالها، والقدرة على التخيل التي يتمتع بها الفنان وصياغتها في قالب إبداعي مدهش يجعلنا نبحث وراء الخصائص التي تجعل بعض القطع من الأشكال أو الحروف والأرقام التي توجد أحياناً بمحض الصدفة أمام عين الفنان صاحب تلك الثقافة البصرية الواعية والمتجذرة في صميم حياته العملية والاجتماعية وتصنع لديه القدرة على التأمل، كما تشعل فتيل الابتكار والإبداع وخلق وظيفة جديدة أو معنى آخر لما يراه الشخص العادي للأشياء بل ملايين الأشياء التي تمر أمام نظره كل يوم دون أن يلتفت إليها الآخرون.
ولعل الأشكال الهندسية (دائرة، مربع، مستطيل، مكعب، مثلث، معين) هي أكثر المشاهد والأشكال ضمن الحزمة البصرية المتشابكة في معظم ابتكارات الفنان التشكيلي تصوير وديكور ونحت وتصميم وعمارة وجرافيك ونسيج وحتى الدعاية والإعلان، والتي صنعت وجودها داخل أعمال الفنان وابتكاراته وهي من السهولة بمكان أن تستطيع التعرف على الشكل الهندسي الذي عمل على تحريك الفرشاة والألوان باتجاه اللوحة أو التصميم، ولم تكن هناك غرابة أن تتحرك عين الفنان باتجاه تلك الخطوط المستقيمة بين الأبيض والأسود، أو المستطيلات والأعمدة السوداء والتي يتخللها بياض في مساحات تتباعد بدرجة غير موحدة تتخللها في النهاية سلسلة أرقام أو حروف وتستخدم في تحديد نوع السلعة وتاريخ إنتاجها ومصدرها والدولة التي أنتجتها فيما يطلق على تلك الرموز أو الشفرة التعريفية والتسويقية (الباركود) والتي تعتمد القارئ أو الماسح الضوئي الذي يمر بين تلك الأعمدة ويحدد كما نوهنا نوع السلعة وطريقة تخزينها وعددها... إلخ.
وللباركود نوعان: النوع الأول ذو الخطوط السوداء الرفيعة والعريضة والمرتبطة بنظام إلكتروني لتحديد منتجات البقالة العالمية:
UGPIC Universal Grocery Products Identification
والنوع الثاني ثنائي البعد وهو يعطي معلومات عن الهوية الشخصية والوطن والهوايات وغيرها وهو مربعات وصفوف داخل مربع، وأصبح كل ذلك يتم من خلال الماسح الضوئي والنتائج مبهرة كما هو معروف في الاستدلال والتعريف بالشخص ولعل نفس الأسلوب قد امتد بطريقة أو أخرى لبرامج التواصل الاجتماعي والتعريف بمن تتابعه أو تتحاور معه من خلال أيقونة أو باركود أو صورة مثل السناب شات.
وهناك من استفاد من فكرة الباركود في تنظيم عمليات موازية للتعليم مثل الاختبارات ونماذج التسجيل لدخول المسابقات، وغير ذلك من العمليات التي تحتاج تنظيماً رقمياً وإلكترونياً مثل حالات الدراسة أون لاين وكذلك بطاقات التعريف والدخول إلى الحسابات، ونعرف ذلك جلياً من المعاملات المالية التي تتم من خلال بطاقات الصرف الآلي، والبطاقات الأمنية التي تحمي الدخول العشوائي للأفراد غير المصرح لهم لدخول المعامل الطبية أو البحث العلمي.
ومن هنا كان تفكير الفنان لتحقيق قيم جمالية وفنية مبتكرة من تصميم له معنى معروف على مستوى العالم، ولذلك استوحى العديد من الفنانين التشكيليين ورسامي الكاريكاتير ومصممي الملابس وطباعة المنسوجات والشعارات فكرة الباركود في تصميماتهم، وهذا ما سوف نراه من النماذج المصاحبة والعينات الفنية التي أنتجها الفنانون البارعون، بل لقد ذهب البعض من الفنانين إلى اتجاه الفن المفاهيمي بتحريك تلك الأعمدة السوداء على مساحات متقاطعة لخلق عمل تفاعلي يصنع العديد من الصور التي تتحرك وتعيش أثناء العرض ثم تختفي بعد ذلك، وبعضهم جعل من لواصق الباركود أداة لرسم شخصيات عامة ومشاهير، كما أن فن العمارة استفاد من تلك الأعمدة السوداء المتجاورة في أفكار لمدن حديثة وناطحات سحاب، والحقيقة أن النتائج المبهرة للتصاميم التي تظهر من خلال المنصات تؤكد على أن خصائص تلك الأعمدة السوداء في الإيحاء لأبعاد متسعة والبعض من تلك التصميمات تم تطعيمه بألوان أخرى مما اعتبر إضافة جمالية وزاد من وهج هذا الفعل التشكيلي الجديد ما نراه من العدد الكبير الذي ظهر لمنصات العروض والتسويق على الإنترنت، وكذلك الدورات والمعارض المهتمة بهذا الشكل الحداثي لفن تصادف أن رآه فنان وأراد أن يقدمه فناً جميلاً ذا قيم مبتكرة.
ذو صلة