يقول عالم النفس الأمريكي باتريك لوكوود: إن الوحدة التي يشعر بها الناس أثناء الحجر الصحي والعزل نتيجة فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) ليست بأمر جديد، لكنها تزداد حدة نتيجة استنفادنا الأساليب (التقليدية) التي نستخدمها لتخدير أنفسنا من الوحدة الاعتيادية اليومية التي يتعامل الناس معها على نحو متواصل.
نعيش حالياً جائحة عُزلة ووحدة منذ أمد بعيد، تجبرنا جائحة فيروس كورونا المستجد على مواجهة معضلة لم نتوقعها، وهي الفراغ الحقيقي في حياتنا.
تُظهر الأبحاث وجود علاقة بين الوحدة وبين الخطورة المتزايدة للتعرض لمشكلات عاطفية وطبية، بل ربما وصل الأمر إلى زيادة خطر الوفاة. ولكي نكون صادقين تماماً، فإن العلاقة العرضية بين الوحدة ونتائجها على الصحة الجسمانية والنفسية هشّة، ومن ثم لا تسلّموا كليةً بما جاء في هذا المقال. وبغض النظر عما سبق، فنحن نعلم أن الوحدة ليست أمراً صحياً لأننا بطبيعتنا كائنات اجتماعية جُبلنا على الارتباط ببعضنا البعض.
والوحدة في العادة مشكلة مزدوجة؛ أولاً: الوحدة هي نتيجة لشعور واهم بانعدام الأهمية، فهناك ضرورة لأن نشعر بأن لكل منا أهميته لدى الآخر. جميعنا يعلم تمام العلم ماهية الشعور بأن نكون في غرفة مكتظة بالناس ولا نعرف منهم أحداً مع الشعور بشيء من الوحدة والإحساس بعدم انتمائنا لهذا المكان. وفي العلاقات العاطفية، يشعر الناس كثيراً بالوحدة عندما لا يبادل أحدهم شريك حياته الألفة والمحبة، على الرغم من إقامة الاثنين تحت سقف واحد. ومن ثم، فإن جودة العلاقة، ناهيك عن الألفة الجسدية؛ لها من عدة نواحٍ أهميتها في فهم الوحدة. تؤثر عشرات المتغيرات السيكولوجية على منظرينا لمسألة الأهمية: كالشعور بالخزي، والذنب، والصدمة، والعنف، والإهمال، والتعلق المضطرب بالأحباب، وعدم التوافق الثقافي في القيم داخل العلاقات.. وغيرها الكثير.
ثانياً: تأتي الوحدة نتيجة فقدان المرء القدرة على فهم ذاته، وبخاصة على فهم احتياجاتنا الفريدة للتواصل. ويُعد فقدان الوعي الذاتي من الأعراض الشائعة بين مختلف أمراض الصحة النفسية، وهناك أوجه شتى لاحتياجاتنا للتواصل. ومن الناحية العملية، توجد مئات من المتغيرات التي قد تؤثر على الطريقة التي نفهم بها ابتعادنا عن الآخرين: كالشخصية (الانطوائية والانبساطية)، والعادات والهوايات، والثقافة، والمضمون، ومشكلات الصحة النفسية التي يعاني منها المرء، وهذا غيض من فيض.
وبمجرد أن نفهم احتياجاتنا ونشعر بأهميتنا، فإننا نميل للتعامل معها والعمل على الوفاء بها.
والآن وبعد أن قدمنا وجهة نظر عن الوحدة، دعونا نطرح عليكم نظرية من ثلاثة أجزاء عن التفاعل بين الوحدة وبين عالمنا النفسي الاجتماعي دائم التغير:
الحياة مليئة بالتوتر النفسي
على الرغم من أن حياتنا كانت أفضل من أي وقت مضى (قبل الوباء)، إلا أن الناس كانوا على ما يبدو مُثقلين بالتوتر النفسي بدرجة أكبر. فعلى مدار السنوات العشر الماضية يزداد عدد من يعملون وقتاً إضافياً (حتى ونحن خارج مقار العمل). نحن نعيش في مجتمع سريع الإيقاع للغاية، وفي الغالب يكون للموظف ولمديره منظور متناقض فيما يتعلق بمتطلبات العمل أو تدفق العمل، والتي ينتج عنها في العادة تفسخ العلاقات والإجهاد.
كما أن هناك قدراً كبيراً من التوتر السياسي حول العالم، مع سجال لا ينتهي حول السياسات المحافظة مقابل السياسات الليبرالية، وحول آخر تغريدات دونالد ترامب، والانتخابات الأمريكية المقبلة.
الهروب
في العادة نتمكن من التعايش مع التوتر النفسي، فعلى سبيل المثال، نعتمد في بعض الأحيان على التخفيف الفوري للتوتر النفسي من خلال (الهروب)، وذلك عن طريق قضاء كثير من الوقت على وسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما يطلق عليه الناس (الهروب من الواقع). هناك العديد من الطرق للانخراط في الهروب من الواقع، ومن أبرز الأمثلة على ذلك المخدرات ووسائل التواصل الاجتماعي والإفراط في العمل والإفراط في استخدام خدمات البث (على سبيل المثال: النهم في مشاهدة الأفلام ومقاطع الفيديو.. إلخ)، والإفراط في ممارسة ألعاب الفيديو. وإذا كنا نقضي كل هذا الوقت في استخدام مهارات الهروب من الواقع، فكمْ يتبقى لنا من الوقت لممارسة العلاقات الشخصية؟ لسنا معنيين هنا بإعادة صياغة نظرية (إدمان الهاتف المحمول) التي هي محل خلاف كبير. فالأمر أبسط من ذلك: لدينا أدوات إشباع فورية عظيمة، وهي زهيدة التكلفة على المدى القصير (فالتكلفة العاطفية أقل مقارنة بالاستثمار في علاقة شخصية). من المعقول أن نرغب في اتباع طريق أيسر للتعايش، ولكن ماذا عن الكلفة على المدى البعيد؟
وإن كنا (نهرب) بصورة مبالغ فيها، عندئذ ربما نكون قد قللنا من قيمة علاقاتنا الشخصية. إن قضاء وقت أطول على الإنترنت أو في المقهى، معناه قضاء وقت أقل مع الأصدقاء والعائلة والأحباب لبناء علاقات جيدة. فعلى سبيل المثال، إذا كنت من الممارسين المنتظمين للحرب القبليّة على الإنترنت (بمعنى حروب الأيدولوجيات السياسية أو الدينية أو الفلسفية أو الاقتصادية)؛ فقد تصبح هذه الحياة الافتراضية على شبكة الإنترنت جزءاً مهماً من تواصلك الاجتماعي.
إننا نولي أهمية متزايدة لعاداتنا في الهروب من الواقع، مما يشتتنا تلقائياً بعيداً عن علاقاتنا في العالم الحقيقي، على الرغم من أنه أمر لا يمكن توقعه، فهو يحدث ببطء وعلى نحو مستتر مع مرور الوقت. ومع تحول الكثيرين إلى هذه الحياة الافتراضية على الإنترنت، علاوة على كل هذا الكم الكبير من التوتر النفسي المذكور آنفاً، إضافة إلى الأشكال الأخرى من الهروب من الواقع؛ فإن (كوفيد-19) قد جعلنا في وضع غريب.
الإلهاءات
كنا ذات مرة قادرين على تشتيت أنفسنا بالهوايات، والمقهى، والعطلات، ووسائل التواصل الاجتماعي، أو جداول العمل المتخمة بالمواعيد، لكنا ما عدنا قادرين على ذلك. كانت هذه الإلهاءات نافعةً للغاية عندما كنا نستطيع الموازنة بينها وبين التواصل السلس مع أناس حقيقيين. أما في الوقت الحالي فإن البعض يشعر بألم الوحدة، ويرغبون في الخروج من علاقاتهم غير المرضية نتيجة غياب العمق وانعدام أهميتها الوهمية.
وإذا كنا نفرط في التركيز ببطء وعلى نحو مستتر على الإلهاءات والعمل، مع التركيز بدرجة أقل مما ينبغي على الروابط الشخصية المثالية (والتي تمثل جوهر احتياجاتنا للبقاء النفسي الاجتماعي)؛ فإننا ربما نعاني من فقر في الروابط والعلاقات، وهو ما سيزيد على الأرجح حياة الحجر الصحي بالنسبة للكثيرين سوءاً.
ويبدو هنا أيضاً أن الخوف يلعب دوره، تماماً على غرار خوفنا من عدم قدرتنا على البقاء في ظل الشعور بالوحدة. فالخوف غير الواقعي وغير المقنن من شأنه أن يجعل مجتمعنا مكاناً أسوأ لحياة أفراده، كما يؤدي بسهولة إلى تعايش الهاربين من الواقع مع هروبهم. وعلى الرغم من ذلك، فإن المشكلة الأكبر تتمثل في الوحدة.
أين الجانب المشرق إذاً؟
هل وسائل التواصل الاجتماعي أمر سيئ؟ كلا البتة: بل إن لها في واقع الأمر عدداً من الإيجابيات. فبمقدورنا أن نشعر بالارتباط كذلك من خلال محادثة عبر برنامج (زووم) أو عبر الهاتف، حتى وإن لم يكن ذلك علاقة مثالية مباشرة. فما هو المغزى من كل ذلك؟ لا أدري. فالأمر برمته مجرد نظرية، بعض عناصرها ينطبق على البعض دون الكل. كما أن العديد من الأشخاص يتمتعون بعلاقات صحية على الرغم من إدمانهم الكحول وألعاب الفيديو ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من أدوات الهروب من الواقع.
بمقدورنا أن نخرج من هذا الوباء في حالة نفسية أفضل. وبمقدورنا أن نأخذ شعورنا بالوحدة ومشكلات هروبنا من الواقع على محمل الجد، ولربما حتى عثرنا على دواء لجائحة الوحدة، ألا وهو العلاقات الحقيقية.