تضيف اللوحة التشكيلية لمسة جمالية للمكان الذي توضع به، وقد دأب كثير من الناس على اقتناء اللوحات التشكيلية المتميزة، والأمر ينطبق على لوحات الخط العربي والتصوير الضوئي، ولكن تبقى لوحة الفن التشكيلي هي الأبرز، وتزداد أهمية اللوحة أحياناً بموقعها، وهذا ما حدث في المملكة العربية السعودية عندما نشرت وسائل الإعلام صورة لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وهو يؤدي مهام عمله في مكتبه، ولوحظ وجود عدد من اللوحات لبعض الفنانين التشكيليين السعوديين، ليتم التعليق على ذلك في وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، وتحديداً تويتر، وليعلن بعض الفنانين والفنانات تشرفهم بوجود مقتنيات لهم معلقة على جدران مؤسسات الدولة المختلفة، وهذا يشير إلى دعم الحكومة غير المحدود للفنون والثقافة. وقد علق سمو وزير الثقافة، في تغريدة له مهنئاً الفنانة لولوة الحمود قائلاً: (سمو سيدي ولي العهد وجه عام 2013 م بأن تكون في كل مقراته الرسمية الأعمال الفنية التشكيلية بأيدي سعودية...). وفي تغريدة لسموه أيضاً مهنئاً الفنان زمان جاسم صاحب اللوحة الأشهر (سمو سيدي ولي العهد الداعم الأول للفنانين والمثقفين.. تستاهل جاسم)، وهو ما يتسم مع رؤية 2030.
وعلاقة الفنان بلوحاته أبدية، حيث تزداد بهجته بوجودها في أماكن مهمة، يؤكد ذلك الفنان زمان جاسم الذي قال: (كانت مفاجأة، سرعان ما أعدت التركيز حتى أستعيد نشاطي الذهني البصري: هل هذا العمل لي أم لا؟! عندما وصلتني الصورة من أحد المتابعين دون ذكر تفاصيل (فقط صورة)، ولكننا نحن الفنانين تعودنا أن نلتفت للجدران فكان عملي نعم، عندها بدأت بنشر الصورة فرحاً بأن أنال هذا الشرف والتقدير: أحد أعمالي معلقة في مكتب سيدي سمو ولي العهد!). أما الفنان محمد عبدالعزيز المنيف فقد تحدث عن دعم الدولة للفن منذ زمن طويل، موضحاً أنه (قد مر بالفن التشكيلي تحولات ورسم بياني بين صعود وهبوط تعددت فيه الاتجاهات وخالطه ما خالطه من منافسة لوحات ليست محلية غزت المنشآت الخاصة من مكاتب شركات وصولاً الى الفنادق.. ومع ذلك شق الفنانون طريقهم وأثبتوا وجودهم عربياً وعالمياً وتجددت أجيالهم وتطورت أساليبها، فأصبح هذا الفن جزءاً مهماً في منظومة الثقافة السعودية لا تقل عن بقية رفاق الرحم الواحد من روايات ومسرح وشعر، ومع ذلك لم تكن تلك المراحل مشبعة لطموح الفنانين أن يصبح لهم المكانة التي تليق بإبداعهم، وإنما كان يسير بوتيرة واحدة أقرب للركود لعدم حدوث ما يجدد فيهم استشراف مستقبل فنونهم إلا فيما حدث مؤخراً من حراك وتفاعل من مؤسسة مسك الخيرية ممثلة في معهد مسك للفنون، ليتوج هذا الحراك ويعلق عليه وسام الشرف بتقدير سمو ولي العهد للفن التشكيلي وتجميل مكتبه ومقراته باللوحات السعودية التي ازدانت بجمال الوطن بيئة وتراثاً). من جانب آخر تحدثت الدكتورة مها بنت عبدالله السنان عن بعض مشاركاتها في تمثيل المملكة في الخارج، مشيرة إلى أن قيمة العمل ليست بالضرورة في سعر البيع، وإنما في التقدير من أعلى الهرم، وأوضحت قائلة: (من هنا لا بد لنا من القول إن تجربة فناني الخليج عموماً والفنانين السعوديين على وجه الخصوص لا تقارن بغيرهم من فناني دول الشرق الأوسط الأخرى، ناهيك عن فناني دول آسيا، وأوروبا أو أمريكا؛ فهي انعكاس للنمو الاقتصادي الذي تتمتع به المنطقة واكتشافها كسوق محتملة للفن المعاصر بعد آسيا عموماً والصين على الأخص التي قلبت موازين تجارة الفن خلال العشرين سنة الماضية، ولا شك أن ازدهار الفن المعاصر مطلب حضاري، خصوصاً مع هذا التوجه في رؤية السعودية 2030 والذي يدعم تنوع مصادر الدخل، ويؤمن بأن الثقافة والفنون من مصادرها المحتملة والتي لم تتم الاستفادة منها كما يجب في السابق). وتضيف الدكتورة السنان قائلة: (أيضاً في رعاية هذه السوق تحت مظلة الدولة حماية لاتجاه سوق الفن من ناحية الأسعار حتى لا يقع المقتني والفنان ضحية تلاعبات مسوقي الأعمال من خلال التركيز على اتجاه معين وأسماء محددة من الفنانين تخدم هذا الاتجاه لترفع أسعار أعمالهم بينما تتدرج البقية وفق تسلسل هرمي للتصنيف من شأنه في نهاية المطاف تمكين السيطرة على المشهد الفني المحلي والترويج لأسلوب أو طراز محدد من مبدأ (العرض والطلب) أو (سوق الفن)، كما أن الدعم من سمو ولي العهد كقدوة يدفع لحضور أقوى للمقتني المحلي وتشجيع الفن ليتناسب مع السوق العالمية ولكن ضمن إطار محلي وعدم ترك المجال لتسييس الفن المعاصر على المسوق الأجنبي). أما الأستاذ سهيل سالم الحربي فقد شارك بقوله: (إن وجود أعمال فنية في مكاتب المسؤولين الحكوميين، دائماً ما تلفت الأنظار وتحلل من قبل الخبراء والساسة وصناع القرار، بل وفي أحيان كثيرة تكون مصدراً للقراءة والتحليل، وليس أدل من ذلك إلا صورة الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه والتي ظهرت خلف خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أثناء كلمته في القمة الافتراضية لمجموعة الـ20، حيث بدت مختلفة عن الصور المعتادة والمشهورة للملك عبدالعزيز، لاسيما في طريقة وضع (الشماغ)، وهو ما فسر حينها بأنها ترمز إلى (القوة والعزم والانتصار)، وهي لوحة فنية مرسومة أخذت عن صورة التقطت عام 1930، استوحاها الفنان من خلال ما يمر العالم به من ظروف حالية خلال أزمة كورونا، مما يعطي العالم المشاهد لتلك القمة القوة والعزم والانتصار والأمل لمجابهة ذلك الوباء). وأكد الدكتور عصام عبدالله العسيري بأن وجود اللوحات في أماكن صانعي القرار سيكون له مردود في إشعال روح المنافسة في الإنتاج الإبداعي والتأثير البصري الشعبي، ويقول (لقت الفنون التشكيلية في المملكة العربية السعودية اهتماماً من لدن القيادة العليا في الدولة منذ تأسيسها على يد المغفور له بإذن الله الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيّب الله ثراه، الذي كان يستقطب الكفاءات الفنية الماهرة ويشركها معه في تنمية البلاد، ولعل من أبرز الفنانين آنذاك الأستاذ محمد طاهر الكردي، الذي كان يعمل بمدارس الفلاح بداية تأسيس الدولة، ثم نقل للعمل بالحرم المكي وعمل معلماً للخط العربي والفنون الإسلامية، فطبع أول نسخة مصحف بمكة، وأشرف على تصميم عدة مساجد بمكة وجدة، وغير الفنان الكردي عديد. وبعدها افتتح الملك سعود مع مدير المعارف الملك فهد أول معرض تشكيلي مدرسي عام 1378هـ، ثم تأسيس معهد التربية الفنية بالرياض عام 1385، وتهيئة البعثات الخارجية لدراسة الفنون في إيطاليا، ثم تأسيس قسمي التربية الفنية بكليات التربية جامعة الملك سعود وأم القرى بمكة، وبدأت تتوالى دفعات خريجي الفنون لتعليمها في المدارس وعمل معارض في الفنادق والصالات، بدعم سخي من الدولة وشخصيات اعتبارية من الأسرة الحاكمة وشخصيات اجتماعية ورجال أعمال، يرون ذلك جزءاً من مسؤولياتهم الاجتماعية وممارساتهم الثقافية). وقد أكد الدكتور العسيري أن هذا الدعم لم ينقطع ليخلص إلى أن (استقطاب الأيادي الماهرة والبارعة في التشكيل لبناء حضارة ورسم ملامح وطن طموح ذي هوية مرتكزة على الدين الإسلامي والقيم العربية، ومعتمد على فكر وقوة الشباب وخبرة وصبر الكبار؛ سيكون له مردود في إشعال روح المنافسة في الإنتاج الإبداعي والتأثير البصري الشعبي، وإشاعة ثقافة صنع الجمال لمكافحة القبح، ونشر النور في الظلام، هذا النور الذي سيسلّط على مواهب وطنية نفخر بها في عالم الإبداع من جيل فنانين تتميز أعمالهم بالثراء الفني العميق والقيم الجمالية الأخاذة، كأعمال الفنانة السعودية المعاصرة لولوة الحمود). ويؤكد الفنان عثمان الخزيم على أن (هذه اللوحة التي سلط عليها الإعلام الأضواء ليست الوحيدة، فلقد عزمت الجهات المعنية بالفن والثقافة بدعم العمل الثقافي والفني السعودي إلى أبعد حد، فالثقافة والفن السعوديان يعيشان في رغد ورفاهية وعطاء لم يسبق له مثيل)، ويختم حديثه قائلاً: (وجود لوحات لفنانين تشكيلين سعوديين في الكثير من المواقع الرسمية وجود طبيعي يعكس اهتمام الدولة وسمو سيدي ولي العهد بالمنتج السعودي في كل المجالات، كيف لا وسموه هو عبقري رؤية 2030 التي تعتمد على عطاءات وإبداعات الشعب السعودي العظيم).