مجلة شهرية - العدد (571)  | أبريل 2024 م- رمضان 1445 هـ

فنجاني المشروخ

_ كيف حالكِ حبيبتي؟
أجابته بدلال: أهلاً حبيبي.
_ قلبي من زجاج فلا تكسريه بنبرات صوتكِ العذبة.
_ يا لكلماتكَ التي أستنشقها حرفاً حرفاً!
_ صوتكِ يدبّ الحياة في قلبي الذي ينبض بحبّكِ هاتفاً اسمكِ أنشودة الحياة.
_ آهٍ ما أعذبكَ!
_ معي رصيد ثلاثين دقيقة سأعتصرها في الحديث معكِ... بداية ما حال أولادنا؟
_ لا ينقصهم سوى أن تكون بينهم، الحياة دونك بلا طعم ولا لون.
_ الصّبر عامين على الأكثر ولن أفارقكم ألبتة، إنّ للقمة العيش ثمنها.
_تُذكّرُني محادثتنا هذه بمحادثاتنا أيّام الخطوبة.
ضحكَ بصوتٍ عالٍ: كنتِ تتحدّثين بصوت منخفض كيلا تسمعكِ أمّكِ، كان صوت شخيرها كصرخات الرّعد، وهي تتظاهر بالنّوم لتتلصص على محادثاتنا.
_لماذا تتحدّث عن والدتي بهذه الطّريقة غير اللبقة؟
_أتقصدين أنّني لستُ لبقاً؟ منذ أن خطبتكِ وأمكِ الفضوليّة ذات الشّعر البرتقالي تدسّ أنفها في كل كبيرة وصغيرة، لتشتمّ رائحتها، وتنثر عبيرها على الجيران والأقارب، أتنكرين أنّها كادت أن تكون سبباً في انفصالنا لولا تدخّل أهل الخير؟
_ لم تكن أمي السّبب، بل كانت أختكَ العانس، التي تغريها غيرتها لهدم بيتي، لتحقّق ما تصبو إليه لأصبح مثلها بلا زوج.
_ أختي! يا ناكرة الجميل! إنّ نصف راتبها لكِ ولأولادكِ، كم مرّة أقالت عثرتي دون مقابل؟
_ لم يكن ذلك حبّاً فيك، بل لتظل هي المسيطرة، وأنتَ الأسير المكبل.
_ كفاكِ ظلماً لها، إنّها الوردة التي تنشر عبيرها دون مقابل.
_ إنّ حقدها في حبّها، سمعتُ أنّها كانت تؤجج غضبكَ عليّ، أتذكرُ عندما عادني عمّكَ في مرضي، ووضعتُ الملح بدل السكّر في كوبه، وشربها احتراماً، أتذكرُ ماذا فعلت أختكَ؟
_ دائما تتعلّلين بمرض أو انشغال، والحقيقة كل ما فيكِ يقودنا إلى الخلف.
_ الله.. الله.. ما دمتُ كذلك فلمَ تسافرُ تاركاً أولادكَ والبيت قلادة نحس حول عنقي؟
_ إنّني مضطرّ لتأمين مستقبلي.
_ تنوي بناء مستقبل زاهر! احجز تذكرة سفركَ، وترجّل من على صهوة فرسكَ، وعد إلى أبنائك، وابنِ مستقبلكَ بينهم، لأنني سأبحثُ عن نفسي التي ضاعت في محرابكَ، سنوات وأنا أحاول أن أحبكَ، ولكن عبثاً.
_ أنتِ تعترفين أن قلبكِ خاوٍ من حبي؟
_ للأسف أنتَ صفحة سوداء في كتابي.
_ ولكنّني ما زلتُ أحتفظُ لكِ بركن دافئ في قلبي، إنّ كلامكِ ضَرْب من الجنون، إنّ... وأغلَقتِ الهاتف.
ساد صمت أفكاره هنيهة، اللعنة ماذا جرى؟ لماذا أبحرت السّفينة إلى غير مينائها؟ أردتُ قضاء وقت ماتع، لماذا سارت الأمور على هذا النحو؟
عادت به الذاكرة إلى تلك الحادثة، عندما زارتهم أخته وهم يستعدون للذهاب إلى رحلة بحريّة، فمنعته قائلة: «إنّ الجوّ عاصف، ما رأيكَ لو زرنا والدتي؟ أليس هذا أفضل؟ هاكَ ثمن الهديّة، فالهدايا تورث المحبة».
خاطب نفسه: أيعقل أن تكون أخيّتي بهذا السوء؟ لقد كانت تبتسم حينها ابتسامة المنتصر، ولكنني لم ألق بالاً لابتسامتها... يا الله!
بقي عشر دقائق سأتحدثُ مع صالح، علّني أجد راحتي...
_ كيف حالكَ يا صديق العمر؟
_ أهلا بالصّديق المُغترب، كيف خطرتُ على بالكَ؟ لقد أصبحتَ من ذوي الأجور المرتفعة، ومن أصحاب العقارات، ونسيتَ صالحاً، أما زلتَ تذكرُ شطيرة الزّعتر؟ لقد استبدلتها بشطائر اللحم وما لذّ وطاب.
أغلقَ الهاتف مذهولاً، أيعقل أن يكون هذا صديق العمر؟! إنّ أبخرة الغيرة والحسد تتصاعد من صوته، ليتني لم أتصل به، أشعرُ كأنّي أهوي في بئر واقعي، أم أحلامي؟ انتهت الثلاثون دقيقة، وتركتني كشقوق الأرض التي تحتاج بلسماً.
أشعل سيجارته بينما رنّ هاتفه، إنّه مديره السابق، بادره بعد التّحيّة: لديّ وقت فأحببت أن أتحدّث معكَ، لقد كنتَ نِعم الموظف النشيط عاطر السّيرة... قاطعه: إنني مضطر لإنهاء المكالمة كي لا أخسرك.
_ ماذا تقول؟ إنّكَ إنسان فاشل، عديم الإدارة... و... و...
أشعل سيجارة ثانية، أمسك علبة البُن، بدأ يعدُّ لنفسه كوباً من القهوة، كان بخار قهوته صديقه الوفي الذي يمنحه فرح يعقوب، ولا يتصيد عثراته، ارتشف رشفة من كوبه المتهشم، لا بدّ من استبداله بآخر، قبل أن يُكسر كغيره، لفتت انتباهه عبارة مكتوبة على علبة البُن من الخارج: (افتح العلبة في الداخل هديّة)، أمعن النظر داخل العلبة، وجد ورقة صغيرة مكتوباً عليها: حزم نت مجانيّة لمدة ثلاثين دقيقة.

ذو صلة