مجلة شهرية - العدد (571)  | أبريل 2024 م- رمضان 1445 هـ

نقل الحقيقة كما هي

لست هنا بصدد الحديث عن الصورة التي يتعامل معها النقاد والدارسون، إنني أتحدث عن نقل الحقيقة كما هي، مثلما نجد عند بعض الشعراء، كالشاعر الأمير عزّ الدولة بن صمادح وحديثه عن نقل واقعه بعد أن لجأ إلى صديقه المرابطي في بجاية (الجزائر اليوم)، فبعد أن كان في عزّ أصبح في خمول، حيث نجده قد قال:
لك الحمد بعد الملك أصبحُ خاملاً
بأرض اغتراب لا أُمرّ ولا أُحلي
وقد أصدأت فيه الهوادة منصلي
كما نسيت ركض الجياد بها رجلي
ولا مسمعي يصغي لنغمة شاعر
وكفّي لا تمتدّ يوماً إلى بذل
طريداً شريداً لا أؤمّل رجعة
إلى موطن بُوعدتُ عنه وعن أهلي
وقد كنت متبوعاً فأصبحت تابعاً
لدى معشر ليسوا بجنسي ولا شكلي
وقولي مسموع وفعلي محكم
وها أنا لا قولي يجوز ولا فعلي
وقد كنت غرّاً بالزمان وصرفه
فقد بان قدر العزّ عندي والذل
وغير ذلك هناك من الشعراء من يتحدث عن المكان كما نجد عند الشاعر (ابن اللبانة) الذي قال واصفاً جزيرة ميورقة:
بلد أعارته الحمامة طوقها
وكساه حلّة ريشه الطاووس
وكأنما تلك المياه مدامة
وكأن قيعان الديار كؤوس
وآخر هو ابن سفر الأندلسي قال واصفاً حالة نهر في إشبيلية في حالة المد والجزر:
شق النسيم عليه جبيب قميصه
فانساب من شطيه يطلب ثاره
وتضاحكت ورق الحمام بدوحها
هزءاً فضم من الحياء إزاره
ونقطع مسافة زمنية طويلة لنجد أن من مهام الشعر نقل المشاعر، والمشاهد في مشهد مؤلم أو مفرح، ومن المشاهد المؤلمة ما قاله معروف الرصافي واصفاً (أرملة مرضعة):
لقيتها ليتني ما كنت ألقاها
تمشي وقد أثقل الأملاق ممشاها
أثوابها رثّةٌ والرجل حافية
والدمع تذرفه في الخدّ عيناها
بكت من الفقر فاحمرّت مدامعها
واصفرّ كالورس من جوع محيّاها
مات الذي كان يحميها ويسعدها
فالدهر من بعده بالفقر أشقاها
الموت أفجعها والفقر أوجعها
والهمّ أنحلها والغمّ أضناها
فمنظر الحزن مشهود بمنظرها
والبؤس مرآه مقرون بمرآها
كرّ الجديدين قد أبلى عباءتها
فانشقّ أسفلها وانشق أعلاها
ومزّق الدهر ويل الدهر مئزرها
حتى بدا من شقوق الثوب جنباها
وهي طويلة، لكنها تمثل مشهداً حقيقياً نقله الشاعر في كلماته الممزوجة بمشاعر الحزن والألم لحال هذه المرأة.
إنه في عصر افتقاد الآلة، نجد أن المشاعر تتحمل أعباء ذلكم النقل المباشر لتنقل لنا حقائق ذاتية أو مكانية أو اجتماعية، وهذا ما لا نجده في شعرنا الحديث إلا ما ندر، فقد افتقده بسبب مزاحمة الآلة (أقصد آلة التصوير) الشعر، بل إنها حجّمت المشاعر لنتعامل مع صورة متحركة، جامدة بجمود الآلة.

ذو صلة