مجلة شهرية - العدد (571)  | أبريل 2024 م- رمضان 1445 هـ

ناجي البئر

بينما الرجال مشدودين إلى قمم النخيل بأحزمة مطالع النخل ومزودين بالحبال والشراشر، يربطون أسباط البلح الزغلول ويفصلونه عن النخل ويجذب الطرف الآخر للحبال رجال آخرون ينتظرون تحت النخل، جاء من الصبية من يخبر أمي أن أخي الصغير وقع في بئر ضحل الماء، فوهته مغطاة إلى المنتصف بقطعة صاج أكلها الصدأ، تسمرت لحظة كملدوغة، عيناها تدور كمن يحصي فرص النجاة، هرولت إليه تاركة ضفائر الخوص التي يصنع منها المقاطف والبرانيط، تقضي ساعة أو ساعتين مع جدائلها بعد خروج أبي لعمله مجاوراً قمم النخل، تجهز فطورنا وتلتفت إلى الخوص المصبوغ منه والأخضر، ترص الأكوام وتنهمك في جدل الضفائر وتجميعها وإعادتها إلى المصنع وأخذ حسابها وهو قروش قليلة لكنها تقبلها وتشكر الله على نعمته.
لملمت الحبال، عقدتها وأدلتها له لم يستطع الإمساك بها، جمعت أطراف جلبابها الفضفاض وربطته تحت الصدر، ظهر من تحته بنطالها القطني المشجر، هبطت جدران البئر تحت تحذير الجارات، لم تتردد أو يرمش لها جفن بشأن المخاوف وحكايات العجائز عن البئر، قالوا في زمن بعيد: كانت النساء يقصدن البئر، يسكبن دلاء مائه على أجسادهن الدنة فيزول النحس؛ الفتيات يتزوجن والمتزوجات ينجبن، في ليلة جاءت إلى البئر سيدة غريبة عن الحي غاية في الفتنة والدلال خلعت ملابسها ونزلت إلى الماء، فارت المياه وفاضت حتى أنها دخلت أعشاش النائمين، ظلت تعلو وتهبط في البئر، خرجت منه ارتدت ملابسها ومضت في كل خطوة تبعدها كان الماء يقل، عند الفجر سمع الناس صوت خوار مفزع من بعدها جف ماؤه وظل الصوت ينتبه له العجائز في الليل.
غاب رأسها داخله، قلبي الصغير يدق واللحظة تطول وكأنها عمر، اقترب من فوهة البئر، جدرانه أحجار متراصة بعضها مغطى بطحالب خضراء تتفاداها قدما أمي ويداها حتى لا تنزلق، صمت أخي المكور على نفسه عن الصراخ يتابع أمي وهي تنحدر إليه، ضمته مسحت وجهه من الدموع والمخاط والرعب رفعته على كتفيها، تسلقت الأحجار الزلقة بمشقة، حين ظهرت من فوهة البئر كان أخي فوق ظهرها كأنه حدبة نمت لها بين كتفيها، سروالها ملطخ بطين وطحالب خضراء وقدماها مجروحة من عدة مواضع وكفاها متخشبة أخذت دلو ماء من الجارة وسكبته على يديها وقدميها، جارة أخرى ناولتها (ملاية لف) لفتها حول جسدها المجهد وصعدت إلى عربة كارو بجوار أقفاص طماطم وأخي على حجرها بملابسه الملطخة برواسب قاع البئر كلما أرجحته الكارو ضمته إليها.
في المساء عاد أبي بالبلح والجوافة وعادت هي تحمل أخي المزود بالضمادات لمعالجة كسر ساقه وذراعه، تحاكى الجيران بصنيع أمي التي هبطت البئر العميق المظلم، جاءت الجارات لنا بالعشاء، من أعشاشهن القريبة من عشتنا عندما سمعنا أبي يقول لأمي لائماً: قبل أن تخوضي أي مغامرة أنتِ وأولادك عليكِ أن تعدي عشائي أولاً.
وضعت إحدى الجارات في يدي زجاجة بها خلطة زيوت قائلة:
دلكي أوجاع أمك.
كان أبي بعد تناوله العشاء يتثاءب بجوار الطبلية، لمح أمي تعبر من أمامه وقد غسلت عنها إجهادها وارتدت ملابس ناعمة، تمشط شعرها والمياه تقطر منه، أخذ من يدي زجاجة الزيت، أسدل الستارة التي تفصل فراشهما عن باقي العشة، في الليل قلقت على صوت ضحك ولهاث وصراخ، همست لنفسي كما يقول العجائز إنه خوار البئر.
في صباح اليوم التالي سمعنا جلبة كانت أمي ترطب جراح يديها وقدميها بزيت جوز الهند وتناول أخي ملاعق الدواء، طارت الأخبار بعودة المياه للبئر، تخلف أبي ذاك الصباح عن اللحاق بقمم النخل، جلب أحجاراً ورفع جدران البئر وثبت رافعة الدلو وصنع له غطاء خشبياً يسهل رفعه. تهامست النسوة بأن أمي ستأتي لنا بأخ بعد سقوطها في البئر بتسعة أشهر، حينها تعافى أخي الأوسط الذي أطلقنا عليه اسم ناجي واختار اسماً لأخينا الصغير.

ذو صلة