مجلة شهرية - العدد (571)  | أبريل 2024 م- رمضان 1445 هـ

صفعات الشيطان!

لم تكن حسناء صاحبة وجه جميل فقط، فخلف تلك الملامح الملائكية بقايا لصفعات الشيطان المتكررة، وخطيئة حملتها على عاتقها وإن لم ترتكبها هي! أخرجت على عجل من خزانتها قميصاً أبيض واسعاً وطويلاً كانت قد طوته جيداً في الليلة السابقة وبنطالاً أسود فضفاضاً، ارتدتهم بسرعة لتخرج من منزلها متوجهة لمحطة الباصات، كان طول جسدها يطغى على صغر سنها فبدت وكأنها لاعب كرة سلة يجري في الشارع بثياب والدته! أخذت تمشي بخطوات سريعة محاولة تجاوز تلك الدكان الصغيرة في زاوية شارع منزلهم قبل أن يلحظها صاحب الدكان وإن كان من الصعب عدم ملاحظتها، ما إن عبرت من أمام محله حتى أطل للخارج رجل ضخم بدا وكأنما قد حشر جسده في ذلك المكان بصعوبة بالغة، صرخ باسمها مكشراً عن ابتسامته الصفراء ذات الأسنان المكسورة والتي زادته بشاعة:
‏- حسناء يا حسناء.. إلى أين بهذه السرعة؟!
‏التفتت إليه ورمقته بنظرة اشمئزاز دون أن تجيبه ليردف قائلاً:
‏- أوه … ألن تجيبيني! أمازلتِ غاضبة مني!! لقد مر على تلك الحادثة أعوام فإلى متى ستظلّين غاضبة!!
‏زادت سرعة أنفاسها ونظرة الاشمئزاز مازالت في مكانها، كانت تدعو في كل صباح أن يتغير مكان موقف محطة الباصات حتى لا تضطر لسماعه في كل مرة تحاول بها الخروج من المنزل، ظلت واقفة في مكانها منتظرة أن يأتي الباص في أسرع وقت، واستمر هو يحادثها بنبرة صوته الماكرة:
‏- ما هذه الثياب! ألم تجدي أطول من هذا القميص يا عزيزتي؟ أم أنك تتعمدين تغطية جسدك!!
‏ضحك هو وبكت هي بصمت!
‏- لا أعلم إلى متى ستظلين صامتة! يا لك من عنيدة ذات قلب أسود، وجهك الجميل يحمل الكثير من المفاجآت خلفه!
‏صاح رجل منادياً من الداخل:
‏- أتريد أن أحاسبك أم أرحل؟! إلى متى سأنتظرك هنا!
‏- لقد جئتك.. مهلاً لِمَ كل هذه العجلة؟!! قليلاً من الصبر يا رجل!!
‏دخل بامتعاض بعد أن أفسد أحدهم متعته في مضايقتها، وصل الباص بعد دقائق لتجلس بداخله صامتة لكن دون أن تتوقف عن البكاء، أسندت رأسها على النافذة وأغمضت عينيها وكأنما ترغب بالهروب قليلاً لتجد نفسها عالقة في مشهد يطاردها طيلة ست سنوات!
كانت في الحادية عشرة من عمرها حينما هربت من درس المطالعة لتحضر معرض الرسم المقام في الحديقة المجاورة بدلاً من القراءة بين أربعة جدران، يوم صيفي جميل بسماء صافية لا تحمل أيّ إنذار سيئ، وقفت مباشرة أمام لوحة تحمل رسمة لغراب أسود وفي أحد جناحيه ريشة ملونة، حينما رأتها صاحبة الرسمة اقتربت منها ووضعت كفها على كتفها لتجيبها على سؤال لم يطرح بعد:
- الغراب هو علامة شؤم، ولكن حتى الشؤم قد يحمل بين طياته خيراً قليلاً معه.
كانت حسناء تتأمله وفي عقلها سؤال واحد فقط: لكن لمَ الغراب؟!
نزلت عند موقف الباصات لشارع منزلها لتنظر إلى ساعتها وتتذكر أنه مازال الوقت باكراً للعودة من المدرسة، سيكتشف أمر هروبها لا محالة، لذا قررت الدخول إلى تلك الدكان الصغيرة في زاوية الشارع وتشتري لنفسها المثلجات، مشت بخطواتها السريعة وداست قدمها الخطوة الأولى إلى الداخل جاهلة بأن رؤية الغراب تحمل الكثير من الشؤم وإن لم يكن حقيقياً!
ابتسم لها بذات الابتسامة الصفراء تلك ليقول:
- أوه.. انظروا من هنا! حسناء يا حسناء!
اقترب منها ببطء بينما كانت تنظر هي إلى المثلجات لتختار منها، سألها بمكر:
- ولكن ما الذي تفعلينه هنا! ألم تذهبي للمدرسة؟!
ابتلعت ريقها بصعوبة حيث لم تكن تتوقع هذا السؤال منه:
- بلى ولكن.. أنا.. أنا..
- أنتِ هربتِ من الدرس حتماً! ما موقف أمك حينما تكتشف ذلك ياترى؟!
- أرجوك لا تخبرها، أرجوك!
نظر إلى وجهها الصغير الجميل بتمعن كما كانت تنظر هي إلى المثلجات قبل دقائق ليقول:
- حسناً لن أخبرها هذه المرة، ولكن لربما يراك أحد هنا ويخبرها!
- ما العمل إذاً؟! ماذا أفعل الآن؟!
- اختبئي!
- أين؟
سكت قليلاً متظاهراً بالتفكير ليقول بعدها:
- اممم.. حسناً سأساعدك تعالي معي!
أخرجها من المحل بسرعة ليغلق بابه بلهفة صائحاً بها:
- اتبعيني، بسرعة!
- ولكن إلى أين؟
- اتبعيني فقط! ألا تريدين الاختباء؟ بسرعة قبل أن يراك أحدهم، بسرعة!
كان منزله عبارة عن حجرة واحدة فقط غطاها الغبار ورائحة السجائر، وقفت بداخلها تنظر بصمت ونبضات قلبها تتزايد، كانت تحمل بيدها علبة مثلجات صغيرة قد ذابت قبل أن تتذوقها، أخذت تنظر حولها وصورة ذلك الغراب تقفز إلى عينيها لتنذرها بأن هنالك أمراً ما!
جلس على سريره المتسخ ليربت لها قائلاً:
- تعالي إلى جواري لنتحدث قليلاً، مابك خائفة!
- أريد.. أريد أن أعود إلى المنزل.
- ولكن أمك سوف..
- لا بأس! سأخبرها بالحقيقة وأعتذر لها!
- مابك! لمَ أنتِ خائفة هكذا! لا داعي لكل هذا الخوف!!
نهض مقترباً منها.. عادت بخطوات إلى الوراء وقالت بنبرة تحذير حملت استعطافاً بداخلها:
- أنا.. مريضة..!
حاول الاقتراب أكثر، إلا أنها رمته بعلبة المثلجات وسحبت مقبض الباب كمحاولة منها للهروب.. كان جسده الضخم أثقل من أن تحمله تلك الغرفة القاسية، فكيف إذاً بجسد حسناء الصغير!!
فتحت عينيها مجدداً لترى كل شيء يتحرك بسرعة أمامها خلف نافذة الباص باستثنائها هي، فما زالت عالقة تبكي كما بكت في ذلك اليوم قبل ستة أعوام!!
توقف الباص أخيراً وقفزت حسناء من خلف المقاعد لتخرج من ذلك الكابوس المتحرك، نزلت بسرعة وأخذت تجري مسرعة تسابق الزمن الثابت لديها والمتأخر في ساعة يد معلمتها والتي كانت تقف أمام طابور كبير من الرؤوس اليانعة لتلمح من بعيد رأس حسناء، أشارت لها بيدها نحو ساعتها صارخة:
- أين كنتِ يا حسناء! لقد أوشكنا على الرحيل بدونك!
توقفت أمامها تلهث لترد بصعوبة:
- أعتذر بشدة.. لقد كنت..
وأخذت تحرك يديها لعلها بتلك الإشارات تشرح ما لم يتمكن صوتها من شرحه، قاطعتها معلمتها قائلة:
- ليس الآن، سنتحدث لاحقاً فلا وقت لدينا! هيا يا فتيات بسرعة توجهن نحو تلك الحافلة بسرعة بسرعة!
أخذت تصفق لهن بكفّيها لتحفزهن على الحركة، نظرت حسناء نحو الحافلة بتملل فلقد سئمت الجلوس إلا أنها تحركت مع طابور الفتيات لصعود الحافلة، اقتربت منها المعلمة وسألتها بصوت عطوف:
- هل أنتِ بخير يا حسناء، لمَ كنتِ تبكين؟ هل راودك ذلك الكابوس مجدداً؟
- نعم! ذلك الكابوس مجدداً ومجدداً!
- لمَ لا تخبرين الآنسة غيداء عنه؟ لربما تستطيع مساعدتك!
- لن تستطيع.. لا أحد يستطيع!
- حسناء.. أخبريني ما الذي يخيفك؟ ماسر هذا الكابوس؟!
- آنستي.. هل يمكنني أن أسألك سؤالاً؟
- طبعاً يا عزيزتي اسألي!
- لمَ الغراب؟
- ماذا؟! ما الذي تعنينه؟!
- لمَ الغراب هو من يرمز للشؤم؟ لمَ ليس نحن؟!
حل الصمت فجأة وكأنما اختفت جميع الكلمات أمام ذلك السؤال، أردفت حسناء:
- آنستي.. هل تتحمل الحيوانات تلك الخطايا والتهم لأنها غير قادرة على الرد أو الدفاع عن نفسها.. مثلي أنا!!
كنّ قد أوشكن الوصول لموقف الحافلة حينما توقفت المعلمة عن المشي لتنظر نحو حسناء بصمت، توقفت حسناء بدورها والتفتت نحو معلمتها الصامتة، ثوانٍ طويلة لم تتمكن ساعة يدها من رصدها قبل أن تنطق مجدداً:
- حسناء.. أنتِ لستِ ذلك الغراب ولن تكوني هو! أنتِ تلك الريشة الملونة في جناحه الأسود!
ابتسمت حسناء لها بعد أن تذوقت ولأول مرة طعماً آخر لتلك الدموع في عينيها.

ذو صلة