لا يخرج مفهوم الآخر في الثقافة العربية القديمة عن مفاهيم الاختلاف والمغايرة والنقيض، وهو ما أجمله (التهانوي) في (كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم) في فكرة المغايرة: (الآخر بالمد وفتح الخاء المعجمة اسم خاص للمغاير بالشخص، وبعبارة أخرى: اسم للمغاير بالعدد). لكن الأمر لم يقف عند المغايرة في الشخص والعدد، وإنما تعداه إلى المغايرة في الجوهر والماهية: (وقد يطلق على المغاير في الماهية أيضاً).
في الثقافة الغربية لم تكن فكرة الآخر The Other منفصلة عن فكرة المغاير أو فكرة الغيرية Alterity، ولم تكن بعيدة عنها، فالفكرتان مترابطتان إلى حد كبير، وتشير إحداهما إلى الأخرى؛ فالغيرية يمكن أن تكون شرطاً جوهريّاً للآخرية، ويتم تعريفها بأنها حالة الوجود الآخر أو المختلف أو المتباين. لقد تم اعتماد الغيرية مصطلحاً بديلاً للآخرية، (ليسجل تغييراً وقع في القرن العشرين للإدراك الغربي للعلاقة بين الوعي والعالم الخارجي. فالوعي الفردي، منذ (ديكارت)، يتم تناوله بوصفه مركزاً متميزاً للكيان، بينما الآخر يتم النظر إليه بوصفه مشكلة أبيستمولوجية، أو بوصفه شكلاً تابعاً أو منقوصاً أو مرفوضاً للشيء نفسه).
لكن الذات في القرن العشرين لم تصبح مركزاً للوعي تتحدد به الأشياء، فلقد طرح (ميشيل فوكو) بأن (أبحاثَ التحليل النفسي، واللسانيات، والأنثروبولوجيا، أزاحت decentered الذاتَ عن مركزها، فيما يتعلق بقوانين رغبتها، أو أشكال لغتها، أو نظم أفعالها، أو أسلوب خطابها المثيولوجي والتخييلي). فمن خلال تلك الإزاحة أصبح تشييد الذات، في السياقات الاجتماعية والفكرية؛ لا يمكن عزله عن تشييد الآخر، ولم يعد الآخر (شيئاً ما يقع خارج الذات ويكمن وراءها، كما طرحت وجهة النظر الديكارتية التقليدية؛ وإنما أصبح متورطاً أو متضمناً بطريقة عميقة في الذات ومعها، ومن ثم فإننا ننزع إلى أن نسأل: عمَّ تكون علاقتي بالآخر؟ وعن الكيفية التي أتصرف بها في مواجهة الآخر).
إن الذات لا يمكن فهمها إلا من خلال الآخر، والعكس صحيح تماماً، فلا يمكن معاينة الآخر دون معاينة للذات، ولهذا فإن (جميع الاستقصاءات المعرفية والهرمنيوطيقية (التأويلية) يتم تأسيسها على ملاحظة أن الذات الإنسانية، مثلها مثل جميع الأشياء المحيطة بشخص معين، تكتسب كيانها أو هويتها من خلال الثنائية الضدية للذات والآخر. فليس ثمة قيمة يمكن أن يتم تأسيسها لأي عنصر في العالم المادي والمجرد دون التمييز أو الاختلاف عن الآخر).
في النظرية النفسية لـ(جاك لاكان) Jacques Lacan يعد مفهوم الآخر مفهوماً حاسماً بالنسبة إلى الذات، لأن الذات توجد أو تكون من خلال عملية تحديقها gaze، والرغبة الأولى للذات هي رغبة في أن تكون أو توجد من خلال عملية التحديق في الآخر. ويتم استخدام مقولة (الآخر)، على وجه العموم، للإشارة إلى أي شخص لا يكون أنا (I)، فالآخر فعليّاً يحددني لأنه الدال الجوهري لأي شيء لا أكونه؛ وتشدد النظرية النفسية لـ(جاك لاكان) على أن الذوات Subjects يتم تشيدها عن طريق اكتساب القوة للتعبير عن الرغبات والاحتياجات، ويتم ذلك من خلال اللغة، أما الآخر فهو دال أساسي لأي شخص لا تكونه الذات، بالإضافة إلى أي شيء لا تملكه الذات. ويؤكد (لاكان) أن اكتشاف الآخر يتوازى مع اكتساب أو امتلاك القدرة على أن نتكلم ونميز بين أنا (I) وأنت (You)، تلك القدرة تكون متساوية مع اكتساب أو امتلاك الكيان أو الهوية الاجتماعية Social Identity.
وإذا كان اكتشاف الآخر يتوازى مع اكتساب القدرة على امتلاك الكيان أو الهوية الاجتماعية، فإن (سؤال الآخر يكون مرتبطاً بطريقة تامة بسؤال الكيان أو الهوية، فالكيانات أو الهويات يتم تشييدها من خلال لعبة الاختلاف، ويمكن أن تقول على أساس اختلافها عن الكيانات أو الهويات الأخرى، مفترضة معناها الإيجابي من خلال ما تقوم باستبعاده. ومن ثم فإن قضية الآخر موضوع مسيطر في الخطابات المعاصرة التي تدور حول الكيان أو الهوية، فيما يتعلق بالهوية الفردية وتشييد الذات على حد سواء (في التحليل النفسي على وجه الخصوص)، وبالهوية الجمعية (في علم الاجتماع، والأنثروبولوجيا، والدراسات الثقافية).
إن الآخر هو ما يتملص من وعينا وتعرفنا، وهو ما يقطن خارج مجال ثقافتنا ومجتمعنا؛ إنه اللاذات واللانحن). عند هذه النقطة يصبح الآخر متصلاً بالكيانات أو الهويات المتغايرة، سواء كانت كيانات أو هويات ثقافية أو عرقية أو سياسية أو دينية. فالكيان أو الهوية، كما يطرح (ديفيد ميللر) David Miller، (يساعدنا أن نضع أنفسنا في العالم... ويخبرنا من نحن، ومن أين جئنا، وما فعلناه أو ما قمنا به).
ماذا يكون الآخر إذن؟ إنه ذلك المختلف المغاير الذي لا أكونه، وهو ذلك الشيء الذي لا أملكه، إنه يتأبى على التحديد والقولبة والتسييج. إن الآخر قد يكون ذلك المختلف ثقافياً وعرقياً ودينياً ومذهبياً واجتماعياً وسياسياً وطبقياً، وقد يكون ذلك المغاير على مستوى التجنيس Gendering (رجل/ امرأة، ولد/ بنت)، وقد يكون ذلك المعارض سياسياً. وإذا كان هذا الآخر هو ما لا تكونه الذات، فكيف يمكن أن نتصور انقسام وعي الذات على نفسه، عندما تصبح الذات ذاتاً فاعلة للوعي، وذاتاً منفعلة به، ذاتاً متأمِلة (بكسر الميم) وذاتاً متأملة (بفتح الميم). ذاتاً تتأمل موضوعاً هو إياها، وموضوعاً مختلفاً عنها في لحظة انقسام الوعي؟ هل يمكن أن نرى الذات ذاتاً وآخر في الوقت نفسه، أو أن نصف الذات كما وصفها (بول ريكور) Paul Ricoeur بقوله: الذات بوصفها آخر، في كتابه المعنون بهذا الوصف.
وإذا أضفنا إلى ذلك ما طرحته (جوليا كرستيفا) Julia Kristeva في كتابها: (الغرباء لأنفسنا)، بأن الغريب أو الآخر (يعيش فينا: إنه الوجه الخفي المستتر في كياننا أو هويتنا... والغريب يدخل عندما ينهض الوعي باختلافي، ويختفي عندما نعترف جميعاً بأن ذواتنا هي الغرباء)؛ إن معايشة الآخر أو الغريب تستوجب مواجهة أنفسنا بإمكانية وجوده، وتشير (كرستيفا) إلى أنه (ليست مجرد مسألة قدرتنا فقط على قبول الآخر، من الناحية الإنسانية، ولكن أيضاً في قبول أن نصبح مكانه، هذا يعني أن نكون قادرين على أن نتخيل ونجعل من أنفسنا آخر لأنفسنا).