يجادل الكتاب، الذي غالباً ما يرتبط بفيلم إيال سيفان (دولة مشتركة: حوار محتمل)؛ بأن الاستعمار يجعل حل الدولتين مستحيلاً. ورغم أن البعض ينظر إلى هذه الرؤية على أنها مثالية أو مستحيلة، إلا أن حزان وسيفان يقدمانها باعتبارها البديل الواقعي والعادل الوحيد للمأزق الراهن.
في الوقت الذي تتطلع فيه عيون كثير من العرب من المشرق إلى المغرب إلى حلٍّ يُنهي الصراع العربي الإسرائيلي، وفي الوقت الذي تهرول فيه الوفود العربية إلى قاعات الاجتماع في واشنطن وأوسلو، بل وحتى في تل أبيب نفسها منادية أنه قد آن الأوان لإنهاء الصراع وإعطاء الفلسطينيين جزءاً يسيراً من أرضهم، منزوع الدسم، والسلاح والصلاحيات، وحتى الميناء والجمارك؛ يأتي هذا الكتاب، الذي كتبه رجلان يهوديان؛ رافضاً هذا الحل من الأساس.
يناقش هذا الكتيب في البداية حل الدولتين، ويكشف بالتحليل للمعطيات الراهنة والمستقبلية استحالة قيام دولة فلسطينية حقيقية، وفي الوقت نفسه استحالة بقاء الدولة اليهودية على المدى الطويل أيضاً.
يفند مؤلفا الكتاب الحجج التي تساق ضِد قيام الدولة المشتركة، سواء ما يُطرح منها بحُسن نية أو ما يعكس سوء النية، ويطرحان مفهوم التقاسم بديلاً للتقسيم، موضحين الفارق بين المصطلحين، ثم ينتقلان إلى تحديد الأطراف المستفيدة من الإبقاء على أسطورة حل الدولتين الذي لم يتحقق ولن يتحقق.
ينتمي المؤلفان إلى جيلين مختلفين في اليسار الفرنسي، يجمع بينهما موقف تقدمي من قضية الصراع على أرض فلسطين. إيريك حزان (هازان) وإيال سيفان؛ يطرحان في عملهما هذا الحل المنطقي الوحيد من وجهة نظرهما، ويعدانه قابلاً للتحقق بغرض إنهاء الصراع على فلسطين الذي استمر أكثر من مئة عام، وهو حل الدولة الواحدة المشتركة التي تسع الجميع، وهو نفسه الحل المتمثل في دولة ديمقراطية علمانية، والذي كان شعاراً طرحه اليسار الفلسطيني واليسار العربي من قبل، والذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية قبل الوقوع في فخ حل الدولتين.
يرى المؤلفان أنه لا ينبغي أبداً مكافأة المعتدي، ومنحه دولة بأرضها وخيراتها، ولكنهما يرصدان في الوقت نفسه صعوبة أو استحالة إعادة ملايين المغرر بهم من اليهود إلى بلادهم الأصلية، ومن ثم هما يبنيان على الرصيد التاريخي الطويل لأرض فلسطين، التي استوعبت الجميع من يهود ومسيحيين ومسلمين في سلام، وهو ما يذكّر بمقولة المؤرخ اليهوي ديفيد فاسرشتاين الذي قال إنه لولا الإسلام، لضاعت اليهودية وانمحت من العالم. يعوّل المؤلفان على هذه الخبرة التاريخية للتعايش المشترك بين الأديان المختلفة في هذه المنطقة، خلافاً لما كان عليه الحال في الغرب، ويريان أنها أساس صالح، يمكن البناء عليه عملياً خلافاً لطرح حل الدولتين الذي لن يتحقق أبداً.
صدر الأصل الفرنسي عن دار لافابريك الفرنسية، وترجمه الدكتور أحمد سمير العفيفي مدرس الأدب الفرنسي بكلية الآداب جامعة المنوفية.
أهدى المفكر الكبير، وأستاذ التاريخ بجامعة القاهرة، ووزير ثقافة مصر الأسبق الأستاذ الدكتور عماد أبو غازي مقدمة رائعة لهذه الترجمة العربية، يناقش فيها ما طرحه المؤلفان.
إذن، في النهاية فإن كتاب (دولة مشتركة: بين الأردن والبحر) من تأليف إريك حزان وإيال سيفان الذي صدر بالفرنسية (2012)؛ يقترح حلاً ثنائياً فريداً للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. يدعو المؤلفان إلى دولة ديمقراطية واحدة تشمل كامل الأراضي الفلسطينية، وتضمن المساواة في الحقوق لجميع سكانها، وتستبدل الفصل بمواطنة مشتركة، في ضوء فشل حل الدولتين.
الناشر: البحر الأحمر للنشر، القاهرة، 2026.