لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تصور نظري حول مستقبل التكنولوجيا، بل أصبح واقعاً ملموساً يتجلى تأثيره في أدق تفاصيل حياتنا، من الشؤون الشخصية إلى بيئات العمل، وصولاً إلى الأجندات الحكومية. ولم يعد دوره مقتصراً على الدعم والمساعدة، بل بات قادراً على اتخاذ القرارات بصورة شبه مستقلة. وفي بعض الدول، جرى بالفعل تعيين (روبوتات) ضمن لجان استشارية، تقدم تقارير مكتوبة حول السياسات المقترحة. فما كان يُعد خيالاً علمياً قبل عقد من الزمن، أضحى اليوم واقعاً نعيشه ونتفاعل معه. ومؤخراً أصبحت ألبانيا أول دولة تتخذ خطوة حقيقية نحو ما بات يُعرف بـ(الألغوقراطية) أو (حُكم الخوارزميات) بحسب ما أكدت صحيفة (نيويورك تايمز).
وقد شهد عالم السياسة والحكم تحولاً جوهرياً نحو (الديمقراطية الآلية)، حيث تلعب الخوارزميات دوراً محورياً في صنع القرار السياسي وإدارة الخدمات العامة.
وتألق الذكاء الاصطناعي سياسياً، وبات لاعباً رئيساً في أحد أكثر الميادين تأثيراً في حياة الشعوب. ولا نبالغ إذا قلنا إن أحد أركان الديمقراطية قد تبدل في هذا العصر، من شعارٍ استقر لقرون وهو (الشعب مصدر السلطات)، إلى واقع جديد يمكن تلخيصه بعبارة: (السلطة للخوارزميات).
لقد أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي تسبق آليات الممارسة السياسية التقليدية، مثل الانتخابات والاستفتاءات. وخلال العقد القادم (2026- 2035) سندخل زمناً تتراجع فيه العقول البشرية أمام أنظمة ذكية تمتلك قدرات خارقة على تحليل البيانات والتنبؤ بالسلوك، بل صياغة السياسات نفسها في بعض الحالات. وهكذا، يتحول الذكاء الاصطناعي رسمياً من مجرد شريكٍ في العمل السياسي إلى فاعلٍ سياسيٍ كامل الأهلية.
في السابق، كان دور التكنولوجيا في السياسة محدوداً نسبياً، يقتصر على جمع المعلومات أو تحليل البيانات، أو دعم استطلاعات الرأي وتنظيم الحملات الانتخابية؛ أما اليوم، فقد انتقلنا إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث بات الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي بدقة فائقة، والتنبؤ بالسلوك الانتخابي بصورة تتجاوز استطلاعات الرأي التقليدية، وقياس درجات الاستقرار السياسي من خلال قراءة المزاج الشعبي، فضلاً عن توقع ردود الأفعال تجاه الخطابات والقرارات السياسية، وتصنيف المخاطر المحتملة قبل وقوعها بوقت طويل.
وفي وجهه المشرق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل الديمقراطية أكثر كفاءة واستجابة. ففي سنغافورة، أسهمت الأنظمة الذكية في إدارة (حركة المرور) بصورة ميسرة، ما أدى إلى خفض زمن التنقل بشكل ملحوظ. وفي فنلندا، طورت الحكومة أداة ذكاء اصطناعي تساعد البرلمانيين على تحليل النتائج المتوقعة للتشريعات المقترحة. وتمثل هذه التطبيقات نموذجاً لما يمكن تسميته بـ(الديمقراطية الآلية الإيجابية)، حيث تقدم الخوارزميات حلولاً عملية لمشكلات معقدة كانت تستنزف وقتاً وجهداً كبيرين من البشر.
الجانب المظلم للذكاء الاصطناعي
غير أن الصورة ليست وردية بالكامل، ففي الجانب المظلم، قد تتحول الخوارزميات إلى أدوات قمع وسيطرة. وقد كشفت فضيحة (كامبريدج أناليتيكا) كيف يمكن توظيف البيانات والخوارزميات للتلاعب بالانتخابات، عبر استخدام بيانات الملايين من مستخدمي (فيسبوك) دون علمهم لبناء نماذج تنبؤية أثّرت في توجهات التصويت. وفي الصين، تطورت نظم اجتماعية لتحسين جودة الحياة لكنها تحولت إلى منظومة رقابية صارمة لتتبع سلوكيات المواطنين.
أما انتخابات الرئاسة الأميركية 2024 فقد شهدت استخداماً غير مسبوق للذكاء الاصطناعي، هذا ما كشفت عنه صحيفة (واشنطن بوست)، موضحة أن «برنامج (ChatGPT)، عند توجيهه، كان لا يزال يُنشئ رسائل حملات انتخابية تستهدف ناخبين محددين. كما وجد موقع (PolitiFact) أن برنامج (Meta AI) كان يُنتج بسهولة صوراً كان من الممكن أن تدعم الرواية القائلة بأن الهايتيين يأكلون الحيوانات الأليفة».
وفي سياق متصل، هناك خطورة كبيرة في حال انحراف الذكاء الاصطناعي عن مساره، أو أن يُستخدم أداةً للتضليل. وقد حذرت من ذلك مقررة الأمم المتحدة الخاصة المعنية بحرية الرأي والتعبير، إيرين خان، بقولها: «أعددتُ تقريراً بشأن حرية التعبير والانتخابات؛ لأن عاصفة عاتية تهدد بالقضاء على حقنا في التصويت وحرية التعبير، ما يزرع في نفسي قلقاً بالغاً». ويكفي عنوان التقرير: (العصر الرقمي يهدد نزاهة الانتخابات) للكشف عن حجم الخطر.
إن أسوأ ما تقدمه التكنولوجيا عبر العصور ليس التقدم ذاته، بل إساءة استخدامها. فحين تختل المعايير، تتراجع العدالة ويتقدم المفسدون، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تتراجع إنسانية السياسة أمام طوفان الأنظمة الذكية؟
ولنكن صادقين، فإن أبرز المخاطر التي تواجه المجال السياسي في ظل هذا الفاعل الجديد تتمثل في انحياز الخوارزميات، إذ إنها تتعلم من بيانات قد تكون غير عادلة أو ناقصة. ويضاف إلى ذلك تراجع ثقة صناع القرار في الحكم الإنساني، والاعتماد المفرط على تنبؤات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن تهديد الخصوصية نتيجة جمع كميات هائلة من البيانات عن الأفراد.
ويشبه الذكاء الاصطناعي في هذا السياق (الصندوق الأسود): يعرف السياسي ما الذي تقترحه الخوارزمية، لكنه لا يفهم دائماً لماذا تقترحه. كما أن قدرته على إنتاج محتوى سياسي مزيف بدرجة عالية من الإتقان تهدد الحقيقة ذاتها.
لعل السؤال الأهم اليوم لم يعد: كيف تستخدم السياسة الذكاء الاصطناعي؟ بل: كيف سيغيّر الذكاء الاصطناعي السياسة؟ لقد انتقلت التكنولوجيا من كونها أداة مساعدة إلى فاعل يعيد صياغة الواقع.