مجلة شهرية - العدد (592)  | يناير 2026 م- رجب 1447 هـ

ما الذي يجعل محركاً إعلامياً يشكل حياتنا كلها؟

الذائقة فكرة عقلية ووجدانية، وعلى ذلك تشكُّلها يأتي من هذين الاتجاهين: عقل ونفس. في عالمنا العربي يُلاحَظ أن فلسفة الذائقة ليس لها مرتكز تحفيزي من قيمية مفترض أن تكون بيننا، لذا فمعالم تكوين الذائقة العربية نحو الحياة وكل أشكالها تبدو غير موضوعية اتساقاً مع تكوين المواطن العربي. وعليه، فقيمية المعيارية لها خصوصية عند كل واحد، استناداً إلى مؤثرات في محيطه وتكوينه. لكن في سياقات عامة لا توجد معيارية تكوينية للذائقة العربية نحو الحياة، وهذه إشكالية لم تُوضع لها حلول عملية وعلمية.
مؤثرات متعددة تضعها في دائرة لا تعرف الرفض بوعي أو القبول بذات الوعي، منها مرتكز يرجع إلى أن العالم العربي تحاصره أمية وعي بكونه يمكن أن يكون إضافة. فإحساس المواطن بأنه إضافة يصنع فيه عيناً تقييمية لما يحيط به من تفاصيل الحياة، وتكون ذائقته لها كيان خاص بها، لا تقع تحت المؤثرات مهما كانت، بل فيها قيمة تطويرية مع تطور زماني ومكاني. بمعنى أن كل تفعيلات الذائقة العربية متطورة مع مستجدات الحياة بقوة وعي، يضع كل تجديد في العالم في دائرة: كلمة (نعم) بوعي، أو كلمة (لا) بوعي أيضاً.
يتحقق إرساء قيمة موضوعية للذائقة العربية بعملنا على ترسيخ ثقافة وعي بالمحيط، مؤشراتها وضع الذاتية العربية على رؤية إنسانية حضارية تضع قيمة حضارية للذائقة العربية. فذلك مؤشر وجداني وعقلي يضع قيمة مقياس لكل شيء، من مرتكز: هل حضارتي الذاتية العربية على توافق مع ذلك أم غير ذلك؟ فهذا السؤال هو الفيصل لتحديد مرتكزات الذائقة العربية كمكون حضاري أصيل، ودائرة ذلك اتجاهات الحضارة العربية زماناً ومكاناً، وقيمية دينية هي محرك الفعل كله ومحرك توحُّدي عريق.
الذائقة فعل إنساني متحرك، تضعه مؤشرات محيطة بالإنسان. وعلى ذلك، فالمواطن العربي تشكِّله دائرة محيطة به، أولها تراجع قيمة العالم العربي إلى منطقة انخفاض حضاري، وهذه فرضية تضع قيداً على قيمية الرفض المفترض أن تكون راسخة في المواطن العربي، وتفترض فيه كلمة (نعم) بموضوعية مفادها: يجب أن تكون كذلك. فالهزيمة الداخلية الوجدانية تساهم بشكل رئيس في تشكيل ذائقة تفتح دائرتها لكل شيء، لا تعرف فلسفة رفض، ولا تستطيع وضع رؤية تقييمية لحياتها وذائقتها، فليس لها أساس مرجعي يحدد مساراتها المحددة والمحركة للذائقة فيما حولها من رؤى الحياة وتفاصيلها.
إذن ليس هناك مرجعيات موضوعية للذائقة في عقل ووجدان المواطن العربي، ولذلك فهي متحولة بفعل كل مؤثر عليها، مهما كان ضعفه، سيكون له تأثير كبير بسبب غياب مرجعية تقييمية تضع كل مؤثر في معيارية (نعم أو لا). وبقياس ذلك نجد العالم العربي منطقة ذائقتها متأرجحة وغير موضوعية، وتتجاذبها مؤثرات متعددة، منها قوة الدفع الإعلامي، فهي الأكثر تأثيراً عليه، وعبرها تم تشكيل مساراتها. ويمكن القول إن ذائقة العالم العربي ملامحها حركة إعلام فقط، فتلك تشكل كل تفاصيلها ومؤشراتها ورؤيتها العقلية والوجدانية، وهي محاصرة بذلك، لا تعرف أو لا تكتشف أن هنالك صياغة لها بشكل مؤسسي من الآخر الذي يحاول السيطرة عليها لتقوم عليها رؤيته الكاملة في وضع ملامح المواطن العربي، وجعله جزءاً من حركة عولمة تحركها قياساتها هي كواجهة لعالم أول صنّف نفسه كذلك، ليكون بعده عالماً ليس له فعل في الحياة إلا كونه جزءاً يتحرك وفق ما وضعه له من تشكيل مفاهيمي ومنهجي ليضع رؤية حياته كذلك. إذن مفاهيمية الذائقة العربية ملامحها مُصاغة بفعل خارجي، قوامه حركة (الآخر) لصناعة عالم يتم فيه تسويق كل منتج منه عقلي أو وجداني أو اقتصادي أو اجتماعي. وفهم ذلك يجعلنا في وضع موضوعي للقيام بفعل رافض بقوة ذاتية وحضارية عربية؛ فنحن لسنا في وضع (كلمة نعم) على مدى الزمن، فكأمة يفترض فيها معيارية خاصة بها لحركة العالم حولها، انطلاقاً من كونها أمة برسالة حقيقية.
ما الذي يجعل محرّكاً إعلامياً يشكّل حياتنا كلها، والحياة أصلاً مرتكزها الذائقة لما حولنا؟ ماذا يجعل عقل ووجدان المواطن العربي بذلك الضعف للقادم من الآخر، ضعفاً أوضح ما فيه كلمة (نعم) بلا حتى انتظار تقييمي داخلي؟ ليس في ذلك دهشة، لأنه لا وجود لمعيارية تقييم لكل شيء في الحياة، إنما تم صناعة عقل ووجدان لفلسفة واحدة وهي (نعم) للقادم من ذلك الآخر، أياً كان، وأياً تفاصيله ومنتجاته ومدى ملاءمتها لنا نفسياً وقيمياً، اقتصادياً واجتماعياً.
موضوعياً، يمكن صناعة مرتكزات للذائقة، منطلقاتها قيمية حضارية وتشكيل مسارات من ذلك، فالعمل بصياغة رؤى إعلامية تكون هي المحرك لمعيارية الآخر ومدى فهمه في كل شيء ينتجه للعالم، مقاومة ناعمة برسم مفاهيم تربوية وتعليمية وتنويرية بأن الذائقة جزء من مكونك الحضاري كمواطن عربي. وترسيخ أنك عالم عليه فقط (قول نعم لكل شيء) ترسيخٌ يحاصر قيمتك الحضارية نفسها في الكون ويضعف مساهمتك الإنسانية. اجعل ذائقتك مؤشراً لحركة حياتك كلها بشكل إيجابي، كن مناهضاً لجعلك جزءاً من عالم عولمي يحكم الكون الآن بمؤشرات سيطرة ومحاصرة كاملة. ضع الذائقة في عقلك كرؤية تقول: (قيمي تحرك ذائقتي)، وضعها في وجدانك تقول: (وجداني المنطلق من كوني قيمة حضارية يحرك ذائقتي)، فذلك يكون دائرة الارتقاء الذي هو أصلاً جزء من مكونك كمواطن عربي، وكمنطقة لها مساهمتها الحضارية عالمياً منذ زمن بعيد، ويفترض أن يتواصل ذلك المدى الحضاري زمنياً أيضاً.
ليس المقصد بصناعة قوى ناعمة مقاومة لتشكيل رؤى الذائقة العربية تأطيرها دائماً بالرفض لكل منتج وبكل أشكاله، بل صناعة الرؤية التقييمية المرتكزة على مسارات عقلية ونفسية في المواطن العربي، ضعفت بفعل خارجي حتى أصبح ضعفها حقيقة ثابتة.
الذائقة العربية أصبحت في موقع انخفاض حضاري ليس له من قول إلا كلمة (نعم)، فيجب العمل على وضع منهجية إيجابية تشكل ترسيخ قيمة مساهمة العالم العربي حضارياً، فكلما كانت الذائقة موضوعية كانت قيمة المواطن حضارياً أعلى في العالم.
ذو صلة