شهد العالم خلال القرنين الأخيرين طفرة غير مسبوقة في بناء المؤسسات التعليمية وتوسيع نطاق المعرفة العلمية والمهنية. فقد تضاعف عدد الجامعات، وتنوعت التخصصات، وازدادت معدلات التحصيل الأكاديمي في معظم المجتمعات. ورغم هذا التقدم، ظل سؤال جوهري يفرض نفسه بإلحاح: لماذا لم تنجح الأنظمة التعليمية في إنتاج إنسان يتمتع بضمير أخلاقي حي، ومسؤولية إنسانية، وقدرة على اتخاذ قرارات عادلة؟
إن اتساع الهوة بين العلم والأخلاق يمثل أحد أهم التحديات التي تواجه المجتمعات الحديثة. فقد نشأت أجيال متعلمة تمتلك مهارات تقنية عالية، لكنها في كثير من الأحيان تفتقر إلى البوصلة القيمية التي تضبط السلوك وتوجه الفعل. وظهر ما يمكن تسميته بـ(الجهل الأخلاقي)، وهو أحد أخطر أشكال الجهل الخفي الذي لا يقل خطورة عن الأمية المعرفية، بل يفوقها من حيث تأثيره على حياة الفرد والمجتمع.
يُعرَّف الجهل الأخلاقي بأنه غياب الإحساس القيمي الذي يمكّن الإنسان من التمييز بين الخير والشر، والعدل والظلم، والحق والزيف، حتى لو كان يمتلك معرفة علمية واسعة.
وهو لا يعني الانحراف في السلوك فحسب، بل يشمل فقدان البوصلة الداخلية التي تضبط الأفعال وفق منظومة قيمية مستقرة.
يتميّز الجهل الأخلاقي بعدة خصائص، منها: خفاؤه، وقابليته للتبرير، وامتداده إلى المتعلمين، وأثره المجتمعي العميق؛ لأنه يزعزع الثقة العامة ويُنتج بيئات متقبّلة للفساد والغش والتمييز.
ومع تطور الأنظمة التعليمية في القرن العشرين نحو التركيز على المهارة بدلاً من الإنسان؛ أصبح الهدف المركزي هو تهيئة الطالب لسوق العمل، لا بناء شخصية متوازنة قادرة على الإسهام في المجتمع أخلاقياً وثقافياً.
فظهرت عدة مشكلات، منها:
- اختزال التعليم في التحصيل الأكاديمي
- الفصل بين المعرفة والقيم
- غياب التربية على التفكير النقدي
- غياب القدوة المؤسسية، وذلك في ظل بيئات تعليمية يغيب فيها تكريم النزاهة، أو الاعتراف بالخطأ، أو الشفافية، فيصبح من الصعب أن يكتسب الطالب الأخلاق من خلال الممارسة اليومية.
وتؤكد فلسفات التعليم الحديثة - من جون ديوي إلى باولو فريري - أن التربية الأخلاقية ليست مادة نظرية، بل نظاماً بيئياً يعيش فيه الفرد يومياً.
ومن المبادئ الأساسية لبناء تعليم يولّد الضمير:
- تحويل الأخلاق إلى ممارسة يومية
-تعليم التفكير قبل الحكم
-تنمية الوعي الاجتماعي
-إعادة صياغة دور المعلم
- إدماج الأخلاق في جميع التخصصات
إن التخلص من الجهل الأخلاقي هو فعل تحولي يصنع فرقاً في ثلاثة مستويات:
1 - المستوى الفردي: تنشأ شخصية متوازنة، قادرة على اتخاذ قرارات مسؤولة.
2 - المستوى المؤسسي: تتعزز النزاهة، وتتحسن الحوكمة، وتزداد الشفافية.
3 - المستوى المجتمعي: تبنى الثقة العامة، وينضج الوعي الجمعي، وتُصبح الأخلاق جزءاً من الثقافة لا من الخطب.