مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

فاقد الحمار

لما قام بعملية حسابية علم بأن تلك الدراهم الثلاثة، التي تأخذها الحافلة منه كلما أراد التواصل مع مركز المدينة، كانت السبب الرئيسي لتوجهه الاقتصادي نحو الإفلاس المبين. أدرك بأن سر العوز الذي بدأ يجتاحه يكمن في نزيف تلك الدراهم التي تنفق في سبيل التواصل مع مركز أو باقي أطراف هذه المدينة بالذات. فما العمل؟
قرر أن يشتري حماراً بمائتي درهم وينتهي الأمر إلى الأبد.
كان من الأفضل أن يخسر مائتي درهم في مرة واحدة بدل الاستمرار على حال ذلك النزيف الاقتصادي الذي لا يفتأ يودي بنقوده في كل مرة. مع العلم أنه حتى وإن أراد أن يشتري نعناعاً فعليه أن يشد الرحال نحو مركز المدينة (الشارع الرئيسي) لأن كل الدكاكين المحاطة به عبارة عن مخادع هاتفية أو بائعي الجوارب أو التبابين المهربة من إسبانيا عبر بوابة سبتة أو مليلية. كان من الملحوظ أن هؤلاء القوم قليلو الإبداع شحيحو التنويع بحيث تجد عاشرهم لا يملك في تجارته إلا أن يقلد أولهم وهكذا دواليك. فما قام أولهم بفتح مخدع هاتفي (تيليبوتيك) إلا ودخل ثلث الأهالي في دينه أفواجاً. ما باع الآخر جورباً مهرباً إلا وقام ثلث الأهالي باعتناق مذهبه، وما اشترى أحد تباناً إلا وباعه ثلث المدينة في الصباح التالي وهلم هواتف وتبابين. بما أنه لا يباع في الجوار ولا يشترى شيء مما يحتاجه، في حياته اليومية، فهذا يعني أنه مضطر للتوجه نحو المركز في كل الأحوال. إذن فالحي الذي يتواجد فيه منقسم إلى ثلاث وحدات تجارية وهي:
مخادع الهواتف
بائعو الجوارب
بائعو التبابين
بعد أن تمكن الرجل من إيجاد حل وبديل للحافلة كان كلما أراد أن يتسوق، أو يتواصل مع مجرى الحضارة (الشارع الرئيسي)، يسرج حماره ثم ينطلق غير آبه لتعجب الناس وسخريتهم مما هو فيه. فهو يدرك بأن هذا البلد هو المهد الأزلي لما يسمى (التحنزيز) أي مراقبة الناس في كل تفاصيل عيشهم وتحركاتهم بشكل مبالغ فيه بحيث يصبح المرء أمام (الحنزاز) شفافاً يكاد يظهر له ما يوجد داخل معدته. ففي هذا البلد لن تمر بجانب ثلة من الفتية إلا وسخروا منك مهما كان هندامك قبيحاً أو أخاذاً ومهما توفرت فيك شروط التحضر أو التأخر. لا تقلق فلن يجدوا أدنى صعوبة في استغوار عيوبك. تلك تخصصاتهم فلا تتعب نفسك يا صاح بترتيب أحوال جوك أو برك وها هو الرجل أصبح يمتطي حماره بين السيارات الفاخرة والرجال الأنيقين والنساء الجميلات وو... لم يعد يأبه لأحد من هؤلاء الشراوط (قطع القماش الرثة) كما كان يقول. استقرت حياته طويلاً وهدأت سيرته ملياً ثم بدأ الناس يعتادون على حماره الذي يتعالى صوته الأنكر بين السيارات المزدحمة في حنجرة ذلك الشارع العملاق. ولا بد من القول بأنه كان يحترم الضوئين؛ الأحمر والأخضر، في وسط المدينة، حتى وإن كان هذا الحمار معروفاً بالإجهاز على الأخضر واليابس في إحدى الحدائق المجاورة لمسكن صاحبه على هامش العمران. كان يتوقف مع السيارات أمام الضوء الأحمر ولا ينطلق حتى مطلع الضوء الأخضر تماماً كباقي السيارات. لا مشكلة من هذه الناحية. تعب الناس من السخرية به. ملوا من الضحك. ضجروا من الاشمئزاز. لكنه لم يعر أي اهتمام لأحد من هؤلاء فهو أدرى من غيره بأنهم يسخرون حتى من أصحاب السيارات الفاخرة وو... ذلك لأن موضوع السخرية والضحك يقبع في نفوسهم الأمارة بالعبث وليس خارجها. إذن فلا ضير من المشي حتى بدون سروال في وسط الشارع الرئيسي إن اقتضى الأمر أو الخمر كما كان يقول. لأن سخرية هؤلاء قد أصبحت آخر ما يمكن أن يفكر فيه. لم يكن في سوق المدينة حمار واحد على قيد الوجود إلا حماره. ولكن بعد سنوات طوال من الاستقرار دارت رحى الزمان وشاء القدر أن يذهب بحماره إلى الجحيم. استيقظ الرجل ذات صباح منحوس واكتشف بأنه قد خسر حماره عندما وجد الإسطبل فارغاً. وكان يدرك مدى دقة السرقات التي يتم ارتكابها في هذه المدينة إذ لم يسبق أن سمع بأحد فقد شيئاً ثم استعاده. كل ما تناهى إلى تجربته وخبرته، بما يدور في المدينة حول شؤون الحمير، هو أن هناك من يسرقها ويذبحها ليقدم لحمها للزبائن على أنه لحم كبش أو عجل سمين أو ما شابه. خاصةً وقد سبق أن ألقي القبض على بعض الجزارين من هذا النوع. ولكن بعد أن فتكوا بتلك الحمير البريئة.
غضب الرجل.. لبس الحداد.. كسر الحاسوب.. كسر التلفاز.. كسر المذياع.. صنع المقلاع.. ليطارد الرعاع. ولكن بدون جدوى، فلقد أصبحت الحمير غالية الثمن مؤخراً. هذا إضافةً إلى أنها أصبحت توشك على الانقراض حسب إحصائيات بعض المهتمين بالمياه والغابات والحيوانات. ثم لا ننسى أن الحمار الذي خسره الرجل كان على خلق حسن وتلقى تربيةً من الصعب أن يتلقاها أي حمار آخر، وهذا يعني أن أسفه لن ينتهي بمجرد أن يأتوه بحمار جديد، بل عليه أن يصممه وفق ذوقه الخاص وحسب ما تتطلبه طبيعة الوظيفة الموكولة إليه. في البداية حاول أن يبحث عنه في كل أصقاع المدينة. وفي الأخير استسلم وقرر أن ينساه ليرتاح. ذهبت الأيام وجاءت ثم حدث أن تزوج امرأةً جميلةً استطاعت أن تملأ كثيراً من الفراغات التي كان يعاني منها. ذات يوم طلبت منه أن يذهب إلى الحلاق ليقصر من شعره قليلاً خاصةً وأن شعره بات أطول من شعر زوجته. وهذا لا يليق على الأقل في عرف الزوجة. ليس لأنه قد ينافسها في الجمال، معاذ الرب، فهو في الواقع يشبه ما يسمى باللهجة المغربية البغرير (نوع من الرغيف مثقوب على شكل الغربال معروف في المغرب). لا بأس، لم يكن منه إلا أن امتثل لنصيحة زوجته وذهب إلى الحلاق الذي رحب به ترحيباً جماً يليق بمقامه. وبينما يهم بالجلوس على كرسي الحلاقة نظر إلى المرآة ورأى حماره لأول مرة بعد أن فقده منذ شهور.
ذو صلة

   عبد القادربنعثمان
   gadour.benothman@hotmail.fr
   تونس -الصقالبة
   السبت 12/03/2011
الكاتب المغربي الممتع سعيد بودبوز هذه السخرية المرّة في نصك بلغت بها قامة الرعب والصدمة المفزعة وعلى قدر مفاجاة القفلة وحبكتها يمتدّ عالمك الرمزي الهازل كمشرط لجراح يستاصل مرضا خبيثا ببرودة دم ..بل وهو ضاحك ... مع تقديري عبدالقادر بنعثمان "خادم توجه أسئلة الابداع العالمي بتونس "
pantoprazol 60mg pantoprazol yan etkileri pantoprazol iv
   ali afkir
   abou_safae1@hotmail.fr
   مغرب -morocco
   السبت 12/03/2011
اتضح في نهاية النص الساخر ان هوية الحمار وصاحبه كانت واحدة...فالمرآة هي التي كشفت هذا التطابق