مجلة شهرية - العدد (597)  | يونيو 2026 م- ذو الحجة 1447 هـ

شريفة الشملان - الدمام -

تقص أمي الورقة بطريقة متقنة، رباعية الأضلاع، كل ضلعين فيها متساويان، ضلعان قصيران وضلعان أطول بما يقارب الضعف.
تضع عوداً خفيفاً يربط بين أعلى الزاوية وأسفلها في المربع شبه المنحرف، عود خفيف آخر رقيق تربط طرفيه بخيط قوي، فيتشكل وتراً، تلصقه بحيث ينتهي الخيط عند خط الوسط، وقمة في رأس الزاوية العلوية. تدخل خيطاً فيما بين الوتر والعود المستعرض.. تصنع ذيلاً من ورق ملون يبدأ بنهاية الطرف عند الزاوية السفلى.
صارت الطائرة الورقية تزينها رسومات عديدة، أو تضع قصاصات ورق ملون على أطراف الأضلاع فتبدو الطائرة مبهجة.. دائماً أقف منبهرة تزقزق في داخلي عصافير الدهشة، أرقبها وأبعث بأسئلتي المنهمرة.. تجيبني أحياناً وتنهرني أخرى.
أخي يركض بطائرته الورقية خارجاً.. أتبعه.. تتعالى وهو يقود دفتها من الخيط الذي بيده، يشده أحياناً ويرخيه أحياناً.. أنظر لها وأسير وعيناي لها وأتلهف عليها، تكابدني رغبة شديدة، أن أمسك الخيط وأغازل من خلاله هذه الطائرة التي بدت كروح تشهق في الأعالي تلقط ذبذبات الريح ورائحة المطر وتغازل النجوم.
أخي مستمتع لا يريد التنازل ولا لحظة عنها، على وجهه يبدو شعور غريب، تورد الفرحة خديه.. ثم يزم شفتيه خوفاً من انقطاع الخيط وفقدان طائرته.. تحقن عيني الدموع فأمطرها على صدر أمي تنهرني قليلاً وبها شيء من فرح خفي, تخضع لرغبتي، أو رغبتها المستترة وتصنع لي طائرة جميلة بورق برتقالي وذيل ملون من البرتقالي والأخضر والأحمر، ترسم اسمي حروفاً بيضاء على سطحها.
أحببتها كثيراً، ولا زلت أراها مستقرة في مخيلتي.. ذهبت لأنافس أخي وأنا أحمل أول طائرة ورقية في حياتي وترتفع قامتي ذات الست سنوات على الأرض بفرحة تجلجلني، أشف حتى أكون روحاً تطير بجانبها.
أشعر بلذة غريبة تتمازج بدمي وترقص كذبذبات فرحة العيد والطيران مع الدولاب الذي يدفعه ذلك الرجل الأسمر القوي فنشق الريح صعوداً هبوطاً. أنا أواجه الريح بطائرتي، تساعدني وتتعاون بطريقة مذهلة، تلف وجهها وتنزله، تميل بجناحيها يمنة ويسرة. ترتفع وكأن لها عيناً كبيرة تغمزني بها. أمد الخيط لها عندما تشده وهي تصعد، أستشعرها ترسل لي ضحكات لذة المغامرة.. أشدها فتغير وجهتها وأرخي لها فترتفع شامخة.. كأنها تخبرني بما ترى في العلالي، تتحدث عن غيمات جميلة بلون لازوردي. تذوب خجلاً من غزل الشمس، وتحكي لي عن جنيات بثياب ملونة وشرائط كثيرة تتطاير في الهواء، ولديهن جدات يحكين لهن حكايات لا تنتهي.. يعبرن من غيمة لأخرى، وأفواج من الخراف البيض والوردية الناعمة الصوف، وعلى متنها زهيرات من نرجس.. أمد الخيط أكثر وأكثر وأنتشي بطائرتي وذيلها الذي أصبحت أراه خيطاً خفيفاً جداً.. حتى كاد يختفي، يلتفت أخي ويقول لي جري خيط طائرتك ستغيب وينقطع منك الخيط، لا أسمعه، أنا في قمة نشوتي إنما أسمع وشوشاتها وهي تهيب بي أن أمد لها الخيط أكثر، وأمد أكثر..
هذه التي سحرتني، هذه التي تبعث بشهقة لذة الفرح في جنباتي، وهذه التي تبهرني.. وست سنواتي تطير معها وبها أكثر.. وتخف وتخف، ثم ينقطع الخيط، وكأن حبلاً من سعادة انقطع عني، أبحث عن مكان سقوطها ربما فوق شجرة، ربما على سطح منزل أو على عمود نور، لا شيء.. أعود للبيت كئيبة أبكي طائرتي الجميلة وأبكي تلك الأخبار العلوية التي لم تكمل متعتي بها.
يعود بعدي أخي لافاً خيط طائرته, فرحاً بها لا ينقصها إلا بعض الوريقات التي جملت أمي أطرافها بها.. يحفظها جيداً.. وتأخذني الرغبة، أن أمسك بها وأحلق بها عالياً.. هذه الرغبة التي لم تلبث أن تعالت وتيرتها تهرشني هرشاً لا أستطيع منه فكاكاً.. ونفسي الصغيرة تحفزني على المغامرة، وتقول لي ما الذي يضر الطائرة لو أخذتها لبضع دقائق وطيرتها، ثم أعدتها مكانها وكأن شيئاً لم يكن.
اقتنص فرصة غفلة لأخي، أدخل وأسرق الكنز البهي، أهرب به لساحة حينا، هناك أبدأ باسم الله وأطيرها، أركض بها وأركض، ثم أطلقها، تصعد وهي تغز ذيلها، وكأنها ترقص نشوانة، تأخذني النشوة أكثر منها وروح المغامرة تلفح كوهج في داخلي، انتبه من غفلة أن أمد لها خيطاً أكثر مما يجب. ولكن لم يكن الخيط أكثر مما يجب وإنما الريح كانت أسرع مما يجب فخارت قوى الطائرة وسقطت ملتفة بعمود النور، وعدت أنا للبيت أداري ستر جريمتي التي رحت أخطط لطمسها، لكن غياب تلك الطائرة لا يمكن طمسه، افتضح أمري وضاعت مني فرصة طائرة ورقية أخرى، إذ أقسمت أمي عقاباً لي وردعاً لغيري ممن يسطون على ممتلكات غيرهم ألا تصنع لي طائرة بعد ذلك اليوم.
وكبرت وروح تلك الطائرة تمتلكني، تزوجت وفي شهر العسل رأيت أولاداً وشباباً يطيرون طائرات جميلة، لم تصنعها يد أم ولا أب.. إنما صنعتها مصانع أسرفت بجمالها، وطيرت طائرة جميلة من ورق كجلد النمر وعليها رسم لرأس نمر.. وشبعت تطييراً في ذلك اليوم حتى خلت أن كل رغباتي ستتحقق بسلاسة.
وكبرت وكبرت حتى نسيت الطائرة الورقية وصار لي صغار لم يسألوا عن طائرة ورقية وعندما حاولت إعادة دور أمي كانت محطات التلفزة ومن ثم الإنترنت قد سرقتهم مني، لكني ذات يوم حلمت بالنمر الورقي.. حلمت حلماً أرعبني كأن النمر صار حقيقياً وطار بي بعيداً هو يبعد وأنا أصرخ.. وفززت من الحلم مرعوبة.. ثم ليلة أخرى والحلم يعود والنمر يسرقني وأنا أصرخ.. وأبدأ مشواري مع مفسري الأحلام، عرف الناس كلهم حلمي وأنا أنتقل به من محطة لأخرى.. والتفسيرات تختلف والحلم ثابت لا يختلف.. وكبرت أكثر والحلم يطاردني، وقررت أن أعود فأطير طيارة ورقية مرسوم عليها نمر، وحملتها من محل الألعاب لبيتنا، في فناء البيت لم تطر حاولت كثيراً.. ثم خرجت للحديقة القريبة، أتيت بطفلة في السادسة من عمرها ورحت أدربها كيف تطيرها، ونجحنا.. وطارت الطائرة عالياً، ثم استعدناها، ولعبنا كثيراً، عدت للبيت فرحة بعد أن سلمت الصغيرة تلك الطائرة. ولم يعد الحلم يعاودني، صحيح نسيت طبخ طعام ذلك اليوم، وتهامس الجميع أن (أم أحمد) التي هي أنا أصابها مس جنون.. لكني كنت سعيدة والبنت الصغيرة سعيدة ومجموعة البنات اللواتي صارت لهن طائرات ورقية تحمل نموراً وأسوداً هن أيضاً سعيدات، امتلأت حديقة حينا بالطائرات الورقية التي تطيرها البنات الصغيرات حتى غار منهن الأولاد وأصبحوا يطيرون طائرات ملونة.. ويكبر بهم جميعاً حب التحليق. ثم لحقهم أولادي بما فيهم أكبرهم أحمد الذي كان خجلاً من رفقائه وهم يتهامسون على أمه ثم بدؤوا يأتون واحداً تلو الآخر، وحلقنا جميعاً.. وطائراتنا تكبر وتكثر.. ولم يعد حينا يكفي.. طارت طائرات الأمل وهي محلقة فوق الوطن كله.
pantoprazol 60mg pantoprazol yan etkileri pantoprazol iv
ذو صلة