مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

زيرفان أوسي: الاستشراق نهض بالشعر الكردي من رقاده الطويل

حوار/ عبدالرحمن مظهر الهلّوش: سوريا


مرّ الأدب الكردي بصعوبات وتحديات كبيرة، مروراً بالأدب الشفوي/ الفلكلور، إلى الأدب الكلاسيكي، انتهاء بالأدب الحديث والمعاصر، مروراً باهتمام المستشرقين بدراسة الشعر الكردي.
تحاور (المجلة العربية) الشاعر والكاتب والمترجم الكردي العراقي، زيرفان أوسي، للتعريف بالأدب الكردي، ومراحل تطوره، ودور الدراسات الاستشراقية بالبحث عن الشعر الكردي، ومنعه من الاندثار.
وَلِدَ أوسي في محافظة دهوك، شمال العراق، يكتب بالعربية والكردية، حاصل على ماجستير في الأدب العربي، من أبرز أعماله المنشورة: (أثقال مهملة) (شعر 2010م)، و(نافخ العلن الأخير) (2014م)، يوتوبيا بحجم الكف (شعر 2024م)، ترجمت نصوصه الشعرية إلى اللغات (الإنجليزية، الفرنسية، التركية، العربية).
يقول أوسي: (قام مجموعة كبيرة من المستشرقين بالبحث عن الشعر الكردي، وصونه من الاندثار، ونقل ذلك التراث إلى الثقافات الأوروبية)، ويضيف: (ما أدى ذلك إلى التقارب الثقافي والاحتكاك المعرفي بالآخر)، ويشير الشاعر زيرفان في حديثه إلى أن الدراسات الاستشراقية قامت بدور مضنٍ، حيث تأثرت بالشعر الكردي بشقيهِ الشفوي والمدوّن، تأثيراً بالغاً. ويوضح: تجلّى ذلك بوضوح في الدراسات الروسية، التي كان لها جهود وإسهامات كبيرة، حيث كانت روسيا القيصرية قديماً هي أقرب نقطة جغرافية لكردستان. ويرى أن التهميش للأدب الكردي كان لأسباب سياسية على مر العصور، ويؤكد بِأنَّه لم يكن لهذا الأدب بروز بين الشعوب المتجاورة، مثل أي أدب آخر، له ميزته وأسلوبه ومغايرته، لذا، يرى الشاعر الكردي أن الاستشراق (رفع الأدب الكردي من قبوهِ السري، إلى الثقافات الأخرى). فإلى الحوار:

كيف بدأ اهتمام المستشرقين الأوروبيين بالشعر الكردي؟ وهل هناك أسماء محددة كان لها دور بارز في ذلك؟
- صعبٌ أن نحدد زمنياً على وجه التحديد البدايات الأولى لاهتمامات المستشرقين بالأدب الكردي، والشعر خصوصاً، لأن الاستشراق بمفاهيمه المختلفة، كان له وجود حيّ في كردستان، أو في تلك البلاد التي يقطنها الكرد، من خلال قرون طوال، لكن ظهر الاهتمام بشكل لافت منذ ظهور الاستشراق كحركة فكرية وثقافية لها آلياتها ومناهجها، في القرن الثامن عشر، يشكّل الأدب الكردي كينونة بحدِّ ذاتها في الدراسات الاستشراقية، لأن الأدب يصوّر الوجود الكردي، بدءاً من الفلكلور الذي له ميزته لدى المستشرقين، وانتهاء بالأدب المدوّن، حيث قام مجموعة كبيرة من المستشرقين بالبحث عن الشعر الكردي، وصونه من الاندثار، ونقل ذلك التراث إلى الثقافات الأوروبية، ما أدى إلى التقارب الثقافي والاحتكاك المعرفي بالآخر، ولا يخفى على المختصين في الدراسات الكردية (الكردلوجيا)، أن الدراسات الاستشراقية قامت بدور مضن، حيث تأثرت بالشعر الكردي بشقيه الشفوي والمدون، تأثيراً بالغاً، نرى ذلك بوضوح في الدراسات الروسية، التي كان لها جهود وإسهامات كبيرة، حيث كانت روسيا القيصرية قديماً هي أقرب نقطة جغرافية لكردستان، وهي الدولة الأوروبية الوحيدة لديها تخوم طويلة معها، ونذكر جهود المستشرق الروسي الكبير ألكسندر جابا (1803 - 1894م)، الذي يعد واحداً من أبرز المستشرقين الذين حافظوا على الآثار الأدبية الكلاسيكية، وإظهارها إلى النور، ما يدل على حرص المستشرقين الروس على الأدب الكردي بشكله العام، ومن ضمنه الشعر، وهو ثمرة الأدب. ثم توسع الحقل الاستشراقي في العصر الحديث نحو مرحلة متقدمة على صعيد الجمع والتأليف والترجمة، ومن أهم المستشرقين الذين انتبهوا لغزارة الأدب الكردي المستشرق باسيلي نيكتين (1885 - 1960)، والمستشرق فلاديمير مينورسكي (1877 - 1966)، وهناك أسماء كثيرة لا يكمن حصرها في المدرسة الاستشراقية الروسية. وكان للاستشراق الفرنسي حيز عال في الدراسات الكردية، وفي مقدمتهم المستشرق روجيه ليسكو (1914 - 1975)، اهتم ليسكو بالشعر الكردي الملحمي اهتماماً لا نظير له، حيث قام بأعمال ثمينة، بوصفه باحثاً ومترجماً ومؤلفاً في الكردلوجيا.
هل تعامل المستشرقون مع الشعر الكردي كأدب مستقل، أم ضمن أدب الشعوب (الهامشية) كما يسمونها؟
- جل المستشرقين الذين بحثوا في الأدب الكردي بحثاً دقيقاً، وجدوا أصالة ونقاوة الشعر الكردي لأن الشعر ألسنة الشعوب وهويتهم التي لا تمحى، تجلّى مهامهم في هذه الخصوصية، بوصف الشعر الكردي أن له مكانته وتاريخه، كأدب مستقل، رغم عدم وجود المدونين لهذا الشعر قديماً، لأسباب سياسية قاهرة، فغالب الشعر الكردي القديم كان شفوياً، خصوصاً تلك القصائد الملحمية التي تناقلتها الألسن جيلاً عقب جيل، بمختلف اللهجات، ما يؤكد على أن اللغة هي الأساس، وقد بنى الشعراء القدماء والجدد قصائدهم على إثرها، ولفت انتباه المستشرقين تعدد لهجات اللغة الكردية، حيث لكل لهجة من لهجاتها شعراؤها الأفذاذ، فهذه التعددية تعطي دلالة لعمق الشعر الكردي، من البنى التركيبية لكل لهجة، وخصوصيتها اللغوية المختلفة، لكنها تصب في الأخير في معين واحد، وهو اللغة الكردية.
أرى أن التهميش للأدب الكردي كان لأسباب سياسية على مر العصور، لم يكن لهذا الأدب بروز بين الشعوب المتجاورة، مثل أي أدب آخر، له ميزته وأسلوبه ومغايرته، لذا، أرى أن الاستشراق رفع الأدب الكردي من قبوهِ السري، إلى الثقافات الأخرى، وأعطى أهميته التي تستحق أن تذكر مثل بقية الآداب العالمية، وبحث جاهداً التفريق بين الأدب الكردي والأدب الإيراني، والاعتراف بشعب له تاريخه وهويته الثقافية، ما ظهر مصطلح (الكردلوجيا) ونزع الخلاف الواهم بينه وبين مصطلح (الإيرانولجيا)، ولكلِّ واحد منهما موقعه الخاص في الحقل الاستشراقي.
إلى أي مدى يمكن القول إن المستشرقين أنصفوا الشعر الكردي في دراساتهم؟
- لا يمكن أبداً للاستشراق بمراحله كافة، وخوضه لأي لغة أو جغرافية أو دين أو أدب أو تقاليد، أن ينصف شعباً من الشعوب، لأن الإنصاف يحيده الغوص العميق لأي شعب، لكن حسب قراءتي أن المستشرقين قاموا بجهود لا تبارى في الشعر الكردي، في مرحلة كان الأدب الكردي يعاني من نواح عديدة، من الأمية الفاشية وعدم التفات الكرد إلى قيمة تراثهم، وعدم تدوينه، والسياسات التعسفية بحق الكرد، لذا، كانوا منشغلين بالحياة اليوميّة، يمكن القول بإيجاز، إنَّ الاستشراق نهض بالشعر الكردي والأدب عموماً من رقادهِ الطويل، وكان وجودهم بمنزلة وجود مخلِّصين، ولولاهم لخسرنا جزءاً كبيراً من المرويات الشعرية الشفوية التي تمثل قيمة وثراء الشعر الكردي.
هل كانت هناك دوافع سياسية أو استشراقية وراء دراسة الشعر الكردي في فترة الاحتلالات الغربية لبعض مناطق الشرق؟
- في تاريخ الاستشراق الطويل، هناك دوافع جعلت للمدارس الاستشراقية المختلفة أهدافاً خلال رحلاتهم وبحثهم في الشرق، وهذا المنحى لا ينفي وجود دوافع سياسية وإمبريالية ودينية واقتصادية، لغرض التعرّف عن قرب على الشعب الكردي، وكلّ ما يتصل بهم، لأنَّ كردستان قديماً ومازالت، ولأسباب جيوبوليتيكية إنْ جاز التعبير، تعدّ منطقة مهمة في الشرق، والأدب محور مهم في ذلك البحث، بالنسبة للرحالة والمبشرين، لأن الأدب مرآة لتاريخ الشعب الكردي وأملهم في التطلع نحو مستقبلهم، ثم فسح الطريق أمام المستشرقين للوصول إلى دراسة الأدب الكردي دراسة معمقة، وأفضت جهودهم إلى الكتابة عن الأدب الكردي بكلِّ أفرعهِ، ونرى ذلك في الكم الهائل من الكتب المطبوعة بلغات مختلفة، والمخطوطات الثمينة، التي لا تزال رهينة المتاحف، لم تر النور إلى الآن، فهذه دلالة واضحة على الإسهامات التي سبق فيها المستشرقون قبل الكرد أنفسهم، في تثمين التراث الكردي، من الأغاني الشعبية والقصائد الملحمية والقصص.
كيف كانت العلاقة بين الشعر الكردي والنزعة الصوفية في قراءات المستشرقين؟
- غالبية الشعراء الكرد الكلاسيكيين كانوا متصوّفة، وهذه ظاهرة لافتة للبحث بعمق عن التصوّف في الشعر الكردي من منظور الاستشراق، وإن كان هناك بحوث لكنها لا ترقى إلى منزلة الموضوعية والعمق الصوفي في نصوص الشعراء الكرد، لأن هذا العمل يحتاج إلى وقت طويل، والجدلية القائمة بين الصوفية في الأديان القديمة، وعدم حصرها في الإسلام. نظر المستشرقون أن الشعراء الكرد الكلاسيكيين، مِنْ رباعيات بابا طاهر الهمداني، وقصائد فقيه طيران، وملا باتي، وملا أحمد الجزيري، وأحمد خاني، ونالي ومحوي، وغيرهم من الشعراء، تتسم تلك القصائد بروح صوفية، مستلهمة قيمها من الذات الإنسانية، حيث يحملون في أنفسهم شعلة التصوّف، وكانت رؤيتهم حول تلك النصوص رؤية وجدانية، تتصف بالعشق الإلهي والزهد والصرف عن لذائذ الحياة، ولا شك أن الطريقتين المنتشرتين في كردستان كانتا (الطريقة القادرية والطريقة النقشبندية) حيث لكل طريقة أتباع ومريدون.
نذكر مثالاً في هذا الصدد تأليف معجم ألفه الشاعر أحمد خاني هو المعجم العربي ــ الكردي، المعروف بـ (نوبهارـ الربيع الجديد) ألفه خاني شعراً لأطفال الكرد الذين يتعلمون اللغة العربية في المدارس الدينية، تأكيداً على النزعة الصوفية لدى الشعراء الكرد، ما لفت بإعجاب شديد في قراءات المستشرقين، لكن في القرن العشرين اضمحل تقريباً ذلك النهج القائم على الروح الصوفية في القصائد الكردية، لعل السبب الرئيس هو الحس القومي الذي رأى الكرد، أنهم بحاجة شديدة إلى هذا الاتجاه من الكتابة.
من هم أبرز الشعراء الأكراد الذين حظوا باهتمام المستشرقين؟ ولماذا؟
- هناك شعراء كثيرون كانوا محل عناية واهتمام عند المستشرقين، ولا يمكن حصر جهودهم في أوراق محددة، لكن الأكثر حضوراً في دراسات المستشرقين بمختلف المدارس الاستشراقية، كان الشاعر العظيم (أحمد خاني) حيث لم نجد مستشرقاً تناول موضوع الأدب في بحثه، إلا وقف مليّاً عند أحمد خاني، ذلك الشاعر الكلاسيكي الذي نظم أعظم ملحمة شعرية وهي (مم وزين)، التي بلغت أكثر من 2600 بيت، وله السبق في معجم كردي عربي، الذي ذكرناه آنفاً، الإرث الأدبي الذي تركه أحمد خاني، عالج قضايا متعددة في نصوصه، خصوصاً تلك التي تتعلق بالفرد الكردي والمسألة القومية والحس الوجودي، ما مهّد الطريق للشعراء الآخرين، تتجلى منزلة خاني بالنظم المختلف، أقصد الأفكار والتساؤلات العميقة، ورؤيته الثاقبة خصوصاً في (مم وزين)، بهذه الميزة الفريدة في أدبهِ، يختلف عن الشعراء الذين سبقوه. قدّم خاني للأجيال الكردية اللاحقة إسهامات كبيرة في الشعر والهوية الكردية، لم يكن شاعراً فحسب بل فيلسوفاً. يقول الأكاديمي والمستشرق أوربيلي لعلو منزلة خاني: (عندما نتحدث عن الوطنية في الشعر، من الضروري أن نقارن بين ثلاثة من شعراء الشرق العظماء، الفردوسي الإيراني وروستافيلي الجيورجي وخاني الكردي).
كيف تقيم الأثر العام لحركة الاستشراق على الأدب والتراث الكردي؟
- أثّر الاستشراق تأثيراً إيجابياً في الدراسات الكردية، في مستويات مختلفة، ما أضاف لتلك الدراسات منذ بداية حركة الاستشراق إلى النمو الذي رافقها، فكان للمستشرقين بتفاوت المدارس الاستشراقية، جهود واضحة في الكردلوجيا، من خلال التقارير والمقالات والدراسات والكتب.
ترك المستشرقون جهوداً خلّاقة، لقد حرصوا على أهمية هذا الأدب من بين أمم الشرق، حيث تميّزت دراساتهم بالمتابعة والحرص على حفظ التراث الكردي، وإظهاره للعالم، وقاموا بالسعي الحثيث وراء الأدب الكردي، وصونه من الضياع والاندثار.
أضاف الاستشراق في الكردلوجيا إضافة نوعية، بقطع النظر عن المآرب المختلفة لدى المستشرقين، أو الرؤية الرئيسة في البحث نحو كردستان، على صعيد التاريخ والجغرافيا والدين واللغة والأدب، لقد قاموا بأعمال مهمة في سبيل بزوغ تلك الحقول، وكان للأدب هيمنته وبروزه، نجد ذلك في الكم الهائل من البحوث والدراسات حول الأدب الكردي.

ذو صلة