مجلة شهرية - العدد (596)  | مايو 2026 م- ذو القعدة 1447 هـ

الشعر الشعبي.. القصيدة الجميلة

الشعر الشعبي هو واحد من الأشكال الشعرية التي انتشرت عبر القرون الماضية، وهو يعبر عن واقع الإنسان وحياته بلهجته المحلية المتداولة، ولذلك يعدّ من أصدق أشكال الشعر، ومن أشهر الفنون الأدبية الشعبية، ويقال في مختلف المناسبات سواء في الفرح أو الترح، وأغراضه كثيرة، منها: المديح والفخر والغزل والهجاء.. وله دور رئيس ومهم في صياغة الوجدان الشعبي وتأصيل القيم وحفظ التراث وترسيخ العادات. ويأتي على أوزان مختلفة حسب البيئة المحلية، ومنها المسحوب والصخري والهجيني.
ويعدّ الشعر الشعبي/ النبطي في الأردن من أكثر أشكال الشعر انتشاراً؛ لأن البادية الأردنية هي البيئة الخصبة للشعر النبطي وهي امتداد طبيعي لبادية الجزيرة العربية موطن الشعر الشعبي، وله جماهيره العريضة التي تتابعه بشغف ومحبة. وتمتلئ الساحة الشعرية بالأصوات الشبابية المميزة التى تسعى لإثبات وجودها في ساحة تعج بالعشرات من المقلدين والمتسلقين والناظمين، وأعتقد أن الخلود سيكون للقصيدة التي تنبع من قلب شاعر حقيقي ويمتلك أدواته الشعرية باحتراف بعيداً عن تصنيف الشعبي والفصيح.
إن المتتبع للأصوات الشعرية الشعبية في مختلف أرجاء الوطن العربي، والتي أصبحت تصلنا من خلال وسائل الاتصال الرقمي الحديثة؛ يلاحظ التنوع الجميل والتعدد في الأصوات وبنية القصيدة مع اختلاف اللهجات العربية بين منطقة وأخرى، ولولا هذا الانتشار الواسع لوسائل الاتصال الرقمي لظلت هذه الأصوات الشعرية حبيسة بيئاتها المحلية، ومما لا شك فيه أن هذا الانتشار الواسع لوسائل الاتصال والتواصل كان له الكثير من الإيجابيات والسلبيات والحسنات والمساوئ كما هو في مختلف مناحي الحياة.
وأعتقد أن هذا الأمر (انتشار وسائل التواصل) قد خدم الشعر بشكل خاص والفنون بشكل عام، وهذا يعود إلى المتلقي الذي يقيّم ما يراه ويسمعه أو يقرؤه بمشاعره وأحاسيسه ويصدر حكمه بناء على ذلك، وهذا التقييم من المتلقي يعتمد على المشاعر وليس على المعلومات السابقة التي قد تكون غير معروفة لدى المتلقي وحينها يكون هنالك مجال كبير للتضليل. يضاف إلى ذلك ما تتيحه وسائل التواصل الرقمي من الاطلاع الواسع على تجارب الآخرين وتبادل الخبرات ومشاركتها والتعبير عن الرأي بكل حرية دون الرضوخ للشروط المسبقة ومنع النشر.
في الجانب الآخر أثّرت وسائل التواصل سلبياً على الإحساس بالشعر وتقليل التواصل المباشر بين الشاعر والمتلقي وحرمان الطرفين من التواصل المباشر في المشاعر، حيث إن التواصل يكون عن طريق بعض الفيديوهات والصور، وهذا يؤدي إلى تيبّس المشاعر والعواطف واتساع المسافة بين الشاعر والمتلقي، وكذلك يقلل اكتساب مهارات التواصل المختلفة ويؤدي إلى العزلة والابتعاد عن الناس والإصابة بالاكتئاب والانطواء.
وهنا قد يدخل بعض المستشعرين إلى العالم الافتراضي الذي يضم الوهميين من المستشعرين والمتسلقين والذين ينثرون في هذا الفضاء ما تفيض به أقلامهم مما لا تستسيغه الأذن ولا يلامس القلب والوجدان، يساعدهم في ذلك وجودهم في هذا العالم الافتراضي غير الحقيقي.
هذا من جانب أما من جانب آخر فإن بعض المثقفين ينظرون للشعر الشعبي على أنه أقل قدراً ومرتبة من الشعر الفصيح ويحاولون إقصاءه ويرون أنه لا يجوز الاهتمام به ودراسته لأنه أقل شأناً من أن يدرس أو ينظر إليه، وهذا مما يخالف الحقيقة والواقع، ولو نظروا بشفافية وموضوعية وصدق سيعرفون أن الشعر الشعبي يمتاز بجماليات كثيرة وهو الأقرب إلى نبض الناس وحكاياتهم المتوارثة وهو الذي يحمل إرثهم الشعبي المتداول في مجالسهم وحكاياتهم اليومية وهو الشعر الأقرب تمثيلاً لوجدانهم ومشاعرهم وأحاسيسهم وحياتهم والدليل على ذلك ما يلقاه الشعر الشعبي من قبول ونجاح في مختلف الأصعدة والوصول إلى قلوب الناس باختلاف ثقافاتهم ومراكزهم الاجتماعية.
وفي هذا المقام أقول إن الشعر الشعبي هو شعر محكي ويعتمد بالدرجة الأولى على السماع لاختلاف اللهجات بين الدول العربية ولذلك هو يواجه صعوبة في الكتابة لعدم وجود قواعد مخصصة لكتابة المنطوق بعكس الشعر الفصيح الذي يلتزم بالقواعد الإملائية للغة العربية ولذلك يستطيع أي ناطق باللغة أن يقرأه بسهولة.
وأقول أيضاً إن القصيدة الفصيحة مسها شيء من الغموض العدمي وأصبحت مغرقة في الرمزية نتيجة لتأثر الشعراء بالثقافات الأخرى والغموض المحبب في هذا المجال يكون مثل الضباب الذي يشف عما وراءه كلما اقتربنا منه تتضح الرؤية، ولكن الكثير من القصائد الفصيحة المعاصرة أصبحت تَسْتغلق على الناس وحتى على شاعرها مما أبعدها عن ذائقة الناس وصارت قصيدة نخبوية تقدم في محافل خاصة لا يفهمها الناس لا لعيبٍ في فهمهم ولكن لخلل في تركيبتها.
وإذا نظرنا إلى الإبداع بمفومه الواسع سنجد أنفسنا أمام قصيدة جميلة وشاعر مبدع بعيداً عن ثنائية الشعبي والفصيح فهناك جمال في الشعر الشعبي والفصيح، وفي المقابل هناك ضعف وتردٍ في بعض القصائد الفصيحة والشعبية، فالتقييم الموضوعي لجماليات النص بما يحتويه من قيم فنية وجمالية، بعيداً عن معايير اللغة واللهجة، وهو بالأصل محكوم لذائقة المتلقي وأفكاره وهو الذي يميز ما بين الجميل والقبيح.
والموضوع يتسع ويأخذ أبعاداً كثيرة ولكننا في النهاية نقول للفصيح تجلياته وللشعبي جمالياته وهو يشكل موروثاً ثقافياً وتاريخياً لا يمكن للمنصف أن يتجاوزه بأي شكل من الأشكال.
ذو صلة