مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

الشباب في العالم الافتراضي الانسلاخ عن الواقع

صحيح أن التطور الرقمي، في مجالات الاتصالات، ليس وليد الأمس. إلا أن الكثير منا ليتلقف مفاعيله إلى اليوم. فبتنا نستخدم ما نستورد من تقنيات، من دون التفكر في مخاطرها، أو في أن نفهم أصلاً معاني مفرداتها. وبتنا نعتبر أن كل ما على الإنترنت إما حقيقي وواضح كالشمس، أو نردّه إلى كهف التوهم الأفلاطوني، ونعتبر أنه مفترض، وبالتالي بعيد عن الواقع.
تسعى هذه المقالة إلى تبيان الفرق بين الافتراض والواقع في التواصل من خلال الإنترنت، لتنطلق بعدها لتبيان الآثار السلبية للتعلّق المرَضي بكل ما هو افتراضي.
1 - التواصل الرقمي بين الحقيقي والافتراضي
يعاني علم الاجتماع في العالم العربي من صعوبة أساسية في تحديد وشرح المفاهيم العلم اجتماعية (السوسيولوجية)، وبخاصة تلك المعرّبة أو الدخيلة على اللغة العربية. وفي طبيعة الحال، فإن أغلب المصطلحات المتعلّقة بتقنيات الاتصال، مستوردة من الخارج وتخضع للتعريب، أو للنحت لتلفظ باللغة العربية، مثل كلمة (الإنترنت) أو الفضاء (السيبراني) وغيرها. هكذا، فإن الأدبيات والأبحاث المتعلقة بتقنيات الاتصال، وخصوصاً التواصل من خلال الإنترنت، مليئة بمفاهيم تُستخدم في غير مكانها. ومن المفاهيم الأساسية التي ستعالج في هذا المبحث عبارة (الواقع الافتراضي). لقد شاع مصطلح (الافتراضية) للتعبير عن كل ما له صلة بالتواصل الحاصل عبر الشبكة العنكبوتية. ولكن سيظهر هنا، أن الاستخدام العشوائي لهذا المفهوم ينقصه الكثير من الدقة.
إذا أردنا ترجمة مصطلح العالم الافتراضي إلى اللغة الإنجليزية نحصل على: (Virtual Reality)، وهو مصطلح تقني يشير إلى تطبيقات سمعية بصرية (Audio-Visual). وفي بعض الأحيان تشمل حواساً أخرى، من خلال الحركة، وتغيير الحرارة، وإطلاق الروائح. بذلك، تسعى إلى محاكاة واقع غير موجود، إلا من خلال حواس المستخدم التي يتم إغراقها بمعلومات مغايرة للواقع. تعتمد هذه التقنية على نظارات وسماعات خاصة، وإمكانية وضع المستخدم في غرفة تسمح لبرامج الحَوسَبة بتعديل البيئة، لتتناسب مع ما يراه المستخدم، ويسمعه. من أشهر التطبيقات في هذا المجال نذكر، على الصعيد الصناعي، غرف الملاهي المعروفة ب6D، أو محاكيات التدريب على الطيران (Flight Simulators). أما على صعيد الاستخدام الشخصي، فقد شاع استخدام نظارات الواقع الافتراضي، وأهمها نظارات Oculus Rift VR.
ولكن قبل التعمق في مفهوم الافتراضية في التواصل، لا بد من التفريق بين التواصل غير المباشر الحقيقي، والتواصل غير المباشر الافتراضي.
طبيعة التواصل هي في المباشر منه. إلا أن بُعد المسافات، والحاجة لحفظ الرسالة ما بعد صدورها حتّما اللجوء إلى الأنواع الأولى من التواصل غير المباشر. وكانت أولى أنواعه غير فورية. ذلك أن الفرق بين الإرسال والتلقّي كان من الممكن أن يصل إلى عدة أشهر. إلا أن وصول الهاتف والتلغراف أدّيا إلى التخلص من فترات الانتظار، وأضفيا طابع الآنية على التواصل غير المباشر. ويعرف مارشال ماكلوهان كل هذه الأدوات المسهّلة للتواصل على أنها (امتداد) Extension لمقدرة البشر الفيزيائية. وهكذا، يمكن القول إن الإنترنت هي في الأصل امتداد وأداة للتواصل. وعليه، فإن التواصل من خلال الإنترنت هو في معظم الحالات تواصل غير مباشر بين أشخاص يعرفون بعضهم، أو يدركون أوضاع بعضهم بعضاً (النوع والعمر والحالة الاجتماعية)، أو أقله، أشخاص يريدون التواصل مع الآخرين، بناء على هذه الأوضاع الحقيقية، وليس تقمّص ما ليس بهم.
إلا أن التواصل الافتراضي يقوم على تبنّي صفات طبيعية ليست للمتواصِل (كأن يعتبر الذكر نفسه أنثى أو الراشد طفلاً..) أو صفات خرافية غير واقعية (كأن يعتبر الفرد نفسه تنّيناً أو كائناً فضائياً أو حيواناً..). الأهم هنا، أن المتواصَل معه يكون باحثاً عن هذا النوع من التواصل، ومدركاً لافتراضيته، ومع ذلك فهو يتمّمه. يعرف تقمّص هذه الحالات بتبني الأوضاع السيبرانية Cyber Status، ويمكن أن يتحول من الافتراضية إلى الواقعية في حال قرّر الطرفان ذلك في شكل غير مباشر (من خلال الإنترنت) أو مباشر من خلال الالتقاء في الحياة الطبيعية.
ما يهمنا هنا، هو تخصّص عدد كبير من المواقع الإلكترونية في مسألة التواصل الافتراضي السيبراني، وبخاصة التواصل غير الواقعي. نذكر من هذه المواقع: الحياة الثانية Second Life والعالم الآخر UtherVerse. وهما موقعان يتيحان للمستخدمين حياة ثانية غير واقعية، وهنا افتراضية، يتبنّون فيها شخصيات وهمية تعرف بالأفتار Avatar. وتكون هذه الشخصيات ممثلة لهم، وتعيش حياة موازية لما يجول في خيالهم، كأن يقوم شخص بتبنّي شخصية حصان وحيد القرن Unicorn يبحث عن الحب من نصفه الآخر الذي هو تنين! وتتيح هذه المواقع الحياة في منازل افتراضية، وجني نقود افتراضية. والمهم هنا أن نشير إلى أن شبكة كبيرة من المصالح التجارية نشأت في العالم الافتراضي، وتحولت إلى أموال في العالم الحقيقي من خلال التجارة الإلكترونية بين المستخدمين التي تنعكس أرباحاً تُحوّل إلى حسابات مصرفية حقيقية.
لا يقتصر العالم السيبراني الافتراضي على مواقع شبيهة بما ذُكر أعلاه، لا بل معظم التواصل الافتراضي يتم في عالم الألعاب الإلكترونية لتبادل الأدوار ذات قاعدة المستخدمين الضخمة Massively Multiplayer Online Role Playing Game. تحظى هذه الألعاب بقاعدة مستخدمين ضخمة تعد بالملايين، وهو ما يبلغه العدد المسجّل في الخادمات الإلكترونية Servers. ويأتي على رأس هذه الألعاب لعبة عالم صنعة الحرب World Of Warcraft التي يلعبها ما بين 1.7 إلى 3.4 مليون مستخدم. إلا أن اللعبة التي تتمتع بأوسع شعبية في العالم هي (ساحات القتال للاعب المجهول) PlayerUnknown،s» BattleGrounds أو PUBG، وهي اللعبة التي تحظى بقاعدة مستخدمين تفوق الـ 50 مليوناً.
يبني مستخدمو المواقع السيبرانية الافتراضية والألعاب الإلكترونية من خلال الشبكة، علاقات واسعة، معظمها افتراضي، ولكن من الممكن أن يتحوّل بعضها إلى واقعي مباشر أو غير مباشر.
2 - العوالم الافتراضية، عوامل الجذب
من الملاحظ أن الشباب متعلق للغاية بالعوالم الافتراضية، وبخاصة تلك المتعلقة بألعاب الفيديو، لدرجة قارب فيها هذا التعلّق حدود الإدمان. وأبرز الأسباب التي تعزّز من تعلّق الشباب بالعوالم الافتراضية هي:
1 - حس الإشباع، خصوصاً فيما يتعلق (بالإنجازات) التي حققها أثناء اللعب.
2 - الموقع الاجتماعي الافتراضي داخل عالم اللعبة الذي صار هو جزءاً منه، وبالتالي من الجماعة الافتراضية التي ينتمي إليها من خلال هذه اللعبة. هنا يعود حسّ الإشباع للظهور والتعزّز بسبب ارتباطه مباشرةً بالموقع الاجتماعي الافتراضي. ومع ازدياد الإنجازات، يترفّع اللاعب داخل عالمه الافتراضي، وذلك وفقاً لنظام (الصيت) Reputation.
3 - روح الفريق والتعاون مع الأعضاء الآخرين بغية إنجاز أهداف محددة وصولاً إلى تحقيق الإنجازات، ما يعزز النقطتين أعلاه.
4 - الخضوع للقواعد (الاجتماعية) للجماعة الافتراضية، وهو ما يعزّز لدى الفرد الحس بالمماهاة مع الآخرين، وحس الانتماء إلى جماعة واحدة.
5 - الثقة بالآخرين، من أعضاء الفريق الواحد الذي يتولى تنفيذ مهمة محددة، حتى إن أعضاء الفريق الواحد يلعبون أدواراً مشابهة لتلك التي يتولاها. من هذه الأدوار، نذكر مثلاً تنظيماً قائماً على: الدبابة The Tank ووظيفته تلقي الأضرار والضربات. الدعم Support وهم الذين يقدمون الدعم للدور الأول من خلال مساعدته وإبقائه حياً، وفي الوقت نفسه، الحرص على إلحاق الضرر بفرق العدو. المتحكم بالجموع Crowd Control وهو الدور الذي يتولى إبعاد قوات العدو عن أعضاء الفريق. الشافي Healer وهو الذي يقوم بمعالجة جراح الآخرين. المتخفي Stealth، دوره مشابه لفريق الدعم، وإن كان في شكل خفيّ بحيث يقارن دورهم بالقناصة.
6 - المرح، فما قيمة أي لعبة إن لم تحمل المرح للاعبين؟
يمكن إضافة سبب أساسي يدفع باللاعبين إلى التعلق الإضافي بما يلعبونه، وهو الجانب الاقتصادي لهذه العوالم. ويتفرّع هذا الجانب إلى شقين فرعيين:
- الأول، وهو الأسهل للفهم، يكمن في كمية الأموال التي يكافأ بها الرابحون في الدورات المتتابعة التي تقام لهذه الألعاب. فمجموع الجوائز التي وزعت على اللاعبين في لعبة DOTA 2 على امتداد 10 سنوات، ناهز 131 مليون دولار. وأضخمها هو مجموع الجوائز التي توزّع على الفائزين في دورة (العالمية) The International التي تقدّر بما يقارب الـ 4 ملايين دولار للعام 2020، يحصل فيها الفريق الفائز على ما يفوق الـ 5 ملايين دولار، حتى أن لاعباً لبنانياً، وهو مارون مرهج، حصل على ما مجموعه 2.44 مليون دولار، وحلّ في المرتبة الثامنة عالمياً لترتيب اللاعبين الأكثر ربحاً، حيث تمكن مع فريقه في آب 2017 من الحصول على ما مجموعه 10 ملايين دولار في الدورة المذكورة أعلاه. أما اليوم تقدر مجاميع ما حصل عليه مرهج من هذه اللعبة بنحو 4.2 مليون دولار.
- أما الشق الاقتصادي الثاني، فهو يكمن في ما يمكن وصفه باقتصاديات السوق الافتراضية. فمن المعروف أن ألعاب الفيديو الحديثة باتت تعتمد على نمط يعرف بـ(الدفع للعب) Pay to Play. فاللعبة مجانية، إلا أن للعبها متطلبات وتحديثات افتراضية تتطلب شراءها من سوق اللعبة. والشراء يتم بعملة افتراضية، تُشترى بدورها بنقود حقيقية، أو يحصل عليها اللاعب من خلال الإنجازات التي يقوم بها. وعليه، فإن بعض اللاعبين قد جعلوا من اللعب مصدراً للمال. فيبيع ماله الافتراضي، الذي حصّله بلعبه، إلى لاعبين آخرين لا يملكون صبره أو مهارته، مقابل نقود حقيقية.
ليست من المبالغة في شيء مقارنة تعلق اللاعبين بعوالمهم الافتراضية بالإدمان. فإذا عدنا إلى التعريفات التقليدية للإدمان، نجد أن الضرر الناتج عن ممارسة هذه الألعاب، أو العيش في العالم الافتراضي، حين يزيد عن حده، يقارع في مخاطره شرور الإدمان الكلاسيكي على مخدّر أو مسكر أو غيرهما. فما هو الإدمان، تعريفاً؟
يُعرَّف الإدمان، حسب الجمعية الأمريكية لطب الإدمان، على أنه: مرض مزمن قابل للشفاء يقوم على مجموعة متشابكة من العلاقات بين العوامل العقلية -العصبية والجينية والطبيعية- المحيطة والخبرات الفردية للمدمن. يمكن للإدمان أن يكون على مادة أو سلوك ما، بحيث يصبحان قهريين مستمرّين على الرغم من الآثار السلبية والضارة. إلا أنه يمكننا استخدام التعريف البسيط، والفعال، الذي يقدمه كتاب مادة علم الاجتماع في الصف الثانوي الثاني، لنقول إن الإدمان هو (التعلّق المرضي بضار). وعليه فإن شرب الماء هو حاجة وليس إدماناً، والطعام حاجة، إلا إذا زاد عن حدّه وصار ضاراً، فيتحول عندها إلى إدمان. والمخدّر والمسكر، وحتى الرياضات الخطرة، كلها من الإدمان.
إن ما يثير تعلّق المدمن بالمدمَن عليه هو الشعور الناتج عن ممارسته لإدمانه، والمتأتي أصلاً كنتيجة لمادة (الدوبامين) التي يفرزها دماغ الإنسان، وما تؤديه هذه المادة من لذة واكتفاء. إلا أن هذا الشعور سرعان ما ينتهي، ليعود الدماغ مطالباً بالمزيد والمزيد منه. الإدمان إذاً، حلقة مفرغة لا تنتهي إلا بعلاج ذي شقّين: الأول بيولوجي يعالج نتائج الإدمان، وبخاصة عوارض الانسحاب، والثاني، والأهم، هو نفسي بحيث يدخل في معالجة الأسباب الدافعة إلى الإدمان.
قدم بورهوس فريدريك سكينرB. F. Skinner، في العام 1930، مبدأ المكافأة كمحفّز على إنجاز المهام. وقد ارتكز تصميم ألعاب الفيديو على نظريّته، في شكل أو في آخر، منذ ذلك الحين. فقد وجد سكينر من خلال تجاربه التي أجراها على طيور الحمام، أن فعالية المكافأة تزداد مع عشوائية حصولها. إلا أنها ترتكز أساساً على القيام بأعمال محدّدة. فقد لاحظ أن الطيور تضغط على عتلة، وهي أداة الاختبار، في شكل فعال عندما يكون احتمال حصولها على مكافأة بحدود الـ50 %. وقد تراجع احتمال تنفيذ المهمة مع ازدياد أو نقصان نسبة الحصول على مكافأة. لا بل لاحظ أن الحصول على مكافأة في كل مرة، كان محفّزاً أقل فعالية من الحصول على المكافأة في 50 % من الحالات. هكذا، فإن معظم الألعاب الإلكترونية تستخدم هذه الطريقة في التحفيز من خلال منح اللاعب مكافآت عند إنجاز مهمات، وجوائز أخرى يمكن أن يحصل عليها في شكل عشوائي خلال اللعب تزيد من مهاراته، أو تخفف من الإصابات التي مُني بها. يصبح اللعب من خلال هذا النمط إدمانياً بحيث يصبح اللاعب في بحث دائم عن شعور الرضا الذي يصيبه، مع العثور على المكافآت والجوائز.
اعتمد المطوّرون الأوائل على هذا النوع من التكييف النفسي من السبعينات وصولاً إلى سنوات خلت. وكان الهدف منه جعل ألعابهم أكثر جذباً للاعبين وبالتالي أكثر قابلية للتسويق. أما اليوم، فقد تحوّل هذا الدافع ليحلّ محلّه آخر أكثر خطورة. فالنموذج الحديث للعب الإلكترونية أصبح (شبه مجاني) أو Freemium. والمقصود هنا أن اللعبة بحدّ ذاتها مجانيّة، إلا أن متطلّبات اللعب تدفع باللاعب إلى شراء عدد من التحسينات Upgrades، بمال حقيقي، ليتمكّن من مجاراة المنافسين ذوي الذكاء الاصطناعي، أو المنافسين الحقيقيين. ونذكر هنا، على سبيل المثال أن مجموع ما يمكن إنفاقه على لعبة Asphalt 8 على أجهزة الهاتف يناهز 8860 دولاراً، أو وقت لعب يقارب الـ 3200 ساعــــــة متواصلـة (من دون احتساب الوقت خارج السباقات الفعلية). هكذا، فإن الألعاب أصبحت تشجع اللاعب على دفع مبالغ طائلة من المال لإتمام المراحل كافة، علماً أن اللعبة الكاملة المدفوعة على أنظمة الألعاب الإلكترونية لا يزيد سعرهاً عن 90 دولاراً .
عندما يتسبّب هذا الإدمان على الشاشات، وما هو خلفها بوفاة عدد لا بأس به من اللاعبين، وعندما تُوثّق هذه الحالات وتثبَت بأنها ناشئة عن اللعب المتواصل لساعات طويلة، دون راحة، يصير من الضروري أن يُقرع ناقوس الخطر. وفي بحث بسيط حول الوفيات الناجمة عن اللعب المتواصل، يطالعنا محرّك البحث بعشرات الحالات الموثّقة لوفيات حصلت أثناء، أو مباشرة بعد، اللعب. فاللاعبون المدفوعون بحس الانتماء إلى زملائهم، وبشعورهم بالواجب تجاههم يرفضون أن يتركوا اللعبة إلا عند الانتهاء منها، إما بخسارة فريقهم أو خسارة الفريق المنافس. ولا بأس إذا استمرت اللعبة لساعات، المهم تحقيق الهدف. وهكذا، فإن أسباب الوفيات تراوحت بين الأزمات القلبية الحادة، وصولاً إلى تسمّم الجسم بسبب انفجار المبولة. وهذا يعني أن اللاعبين لا يملكون الوقت، أو الحس بالحاجة، للقيام بالوظائف البيولوجية الأساسية كالأكل والتبوّل أو حتى النوم. وعلى المقلب الآخر، تجد المئات من التحقيقات والمقالات والشهادات الحيّة لأشخاص أدمنوا استخدام مواقع الواقع الافتراضي، مثل موقع الحياة الثانية المذكور سابقاً Second Life، ووصلوا إلى مرحلة الابتعاد عن حياتهم الحقيقية، وعلاقاتهم الواقعية للتلطي خلف الشخصيات Avatars التي اتخذوها كبديل عن شخصياتهم والحيوات التي يعيشونها بديلاً عن حياتهم.
تشير الإحصاءات الأمريكية إلى أن 9 % من اللاعبين الأمريكيين يدخلون في تصنيف الإدمان على اللعب. وتنطبق هذه الأرقام بأشكال متقاربة في دول العالم الأخرى. وعندما نعرف أن هذه الأرقام هي من أصل 210 مليون أمريكي، و268 مليون شخص في الشرق الأوسط وأفريقيا، فإننا أمام 19 مليون مدمن أمريكي، و24 مليون مدمن في الشرق الأوسط. وعندما ندرك أن عدد المدمنين على حشيشة الكيف في الولايات المتحدة هو 19.8 مليون، ندرك عندها الحجم الحقيقي للمشكلة. وهنا، لا بد من الإشارة إلى وجود نوعين من الإدمان على ألعاب الفيديو: الأول هو الإدمان على الألعاب الكلاسيكية التي يلعبها اللاعب ضد لاعب آخر بجانبه، أو ضد الذكاء الاصطناعي للكمبيوتر التي تتمثل في تحقيق هدف معين. أما النوع الثاني، وهو ما تمحورت حوله هذه المقالة، فهو على الألعاب المتصلة الضخمة MMPORG أو MOBA، وهو الإدمان الأخطر لأن الهدف في هذه الألعاب لا ينتهي، فهي كالحياة الواقعية، إلا أنها في عالم افتراضي.
ومن علامات الإدمان على الألعاب الإلكترونية في شكل عام، والعوالم الافتراضية في شكل خاص، نذكر:
على الصعيد النفسي والسلوكي:
- الشعور بالقلق والتوتر وبخاصة عند عدم المقدرة على اللعب.
- الانشغال بالأفكار حول النشاط المتصل (Online) السابق والترقب للنشاط القادم.
- الكذب على الأقرباء والأصدقاء حول عدد الساعات التي يقضيها في اللعب.
- العزلة عن الآخرين من أجل اللعب.
- اللعب لأوقات متزايدة تدريجياً من أجل تحقيق الرضا والاكتفاء.
- محاولات متعددة، وفاشلة، لخفض عدد ساعات اللعب.
- خسارة العلاقات الاجتماعية والمهنية.
- استخدام اللعب كوسيلة للهروب من الواقع.
- اللعب لساعت متقدمة من الليل، مما يؤثر على عادات النوم السليمة.
- اللعب المتواصل لأكثر من 8 ساعات في العديد من المناسبات.
على الصعيد الفيزيولوجي:
- الإرهاق.
- الصداع النصفي.
- مشاكل اليد والمعصم.
- قلة النظافة الشخصية.
وعليه، فإن تأثيرات الألعاب الإلكترونية تقسم إلى قصيرة الأمد، وطويلة الأمد. صحيح أن النتائج المذكورة أعلاه، وبخاصة الفيزيولوجية، قصيرة الأمد، وتنتهي بانتهاء النمط غير السوي لحياة المدمنين، إلا أن التأثيرات طويلة الأمد قد لا تختفي أبداً. فمن الممكن أن تؤدي الأنماط غير السويّة من التغذية واضطرابات النوم إلى نتائج دائمة على الأفراد. أضف إلى ذلك، أن العزلة الاجتماعية، بهدف اللعب، قد تتحول إلى نمط دائم من العلاقات التي تؤدي إلى التفكك الأسري، والابتعاد عن العلاقات الاجتماعية الواقعية. وأخيراً، فإن اللعب المتواصل لا بد إلا أن يؤثر في الوضع الاقتصادي للأفراد. فاللعب ومتطلباته، ليسا بالبخسين. سعر الحاسوب المجهّز، مثلاً، يقارب الألفي دولار، بالإضافة إلى الكلفة المرتفعة اللازمة لإبقائه محدّثاً. وأضف إلى كل ذلك، ما يمكن أن يدفعه اللاعب لتطوير شخصيته الافتراضية. هذا عدا عن الاحتمال المرتفع لخسارة العمل بسبب أنماط النوم التي يمرّ بها اللاعبون. صحيح أن بعض اللاعبين يحققون أرباحاً سنوية بملايين الدولارات إلا أنهم قلة من الأشخاص مقارنة بجحافل اللاعبين الذين يقدرون بمئات الملايين من الأفراد حول العالم.
ذو صلة