عرف الإنسان العمل منذ أن وجد على هذه الأرض، فالعمل للإنسان كان وسيظل وسيلة البقاء. وكان لزاماً على الإنسان أن يعمل دون كلل، ودون تراخ؛ لكي يتمكن من إعالة نفسه، إضافة إلى إعالة من لا يستطيعون ذلك لسبب أو لآخر من أفراد عائلته.
وقد تطور العمل منذ بدايته إلى يومنا هذا على نحو متدرج. فانحصرت الأعمال الأولى بالصيد، وجمع الغذاء. وعندما تشكلت التجمعات السكنية ظهرت الحاجة إلى العمل بالزراعة، وأدى ازدياد المخزون الناتج عن الزراعة إلى ظهور مهن جديدة كصناعة الفخار والمنسوجات والمعادن، كما توصلت الشعوب البدائية إلى صناعة الأسلحة والأدوات البسيطة.
ومع تطور المجتمعات البشرية، ظهرت المدن وظهرت معها مهن أخرى كالبناء والتعليم والمحاماة والطب والتجارة. وبانطلاق الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر، في بريطانيا أولاً، ثم امتدادها إلى بلدان عديدة فيما بعد؛ ازدهرت أعمال كثيرة تعتمد على استخدام الآلات. ومع بزوغ الثورة المعلوماتية انبثقت مهن جديدة تتصل بالحاسوب والبرمجيات والإنترنت.. وغير ذلك كثير.
خلال كل تلك السنوات لم يكن العمل عن بعد غائباً عن الساحة، فكانت فئات من الناس (النساء، الأطفال، كبار السن) ينجزون أعمالاً معينة داخل البيوت، لعدم استطاعتهم الحضور إلى أماكن العمل المعتادة.
الجائحة عززت مفهوم العمل عن بعد
لم يكن يدر بخلد أحد أن يعمل وهو جالس في بيته، فالعمل كما هو متعارف عليه في الأحوال العادية أن يذهب الشخص إلى مقر العمل من أجل إنجاز ما يطلب منه من مهام وواجبات، يتخللها غالباً مقابلة الجمهور أو عقد اجتماعات مع الرؤساء والمرؤوسين، أو بذل مجهود بدني مصاحب لأداء العمل. ولكن ما حدث في نهاية عام 2019 من ظهور وباء فيروس كورونا بغتة ودون سابق إنذار، حين انطلق تحديداً من مدينة ووهان الصينية، وتحول بعد وقت قصير إلى جائحة ماحقة؛ أوجب لزوم العمل عن بعد، توخياً لضمان التباعد الجسدي بين الناس، فأصبح تنفيذ كل شيء عن بعد، وهو المفهوم السائد للعمل في معظم أرجاء العالم: العمل والاجتماعات والتعليم وتقديم الخدمات وحتى للترفيه والرياضة ولقاءات الأصدقاء والأقارب، بمساعدة هذا الكم الهائل من التقنيات الحديثة. وأصبح من شبه المؤكد -وفقاً لتقديرات معظم التوقعات- أن العمل عن بعد سيبقى جزءاً من نظام العمل حتى بعد انتهاء الجائحة التي ساهمت، وبشكل كبير، في انتشار مثل هذا العمل. فمع ازدياد انتشار فيروس كورونا المستجد، تزايد اللجوء إلى العمل عن بعد، أو العمل من المنزل. وبهذا الصدد، قال الباحث المتخصص في الأوبئة بجامعة هارفارد ويليام هاناج: (على كل من يمكنه العمل من المنزل أن يعمل من المنزل). وبالفعل فقد تحقق ذلك، ففي الصين والدول المجاورة قام الملايين بالعمل عن بعد ومن المنزل للمرة الأولى، وفي الولايات المتحدة قامت شركات صناعة التكنولوجيا -مثل (تويتر)، (أبل)، (مايكروسوفت) و(جي بي مورجان)- بتهيئة موظفيها لإنجاز أعمالهم على هذا النحو. وانضم إليها مركز أبحاث ناسا في كاليفورنيا، وأعلن عن إلزامية سياسة العمل عن بعد لموظفيه بعد اختبار لموظف تبين أن نتيجته إيجابية، وحذت هذا الحذو شركات عديدة أخرى. على نحو مماثل، خطت الدول في عالمنا العربي خطوات مشابهة.
أنواع العمل عن بعد
هناك أنواع ثلاثة للعمل عن بعد:
1 - التفرغ الكامل أو الدوام الكامل، حيث يقوم الموظف بإتمام كل مهامه المنوطة به في عمله خارج بيئة المكتب أو مكان العمل التقليدي، وهذا قد يتضمن العمل من المنزل، أو من مركز اتصال عن بعد أو من مكتب العميل. وهذا النوع من العمل يؤدي إلى خفض محتمل في النفقات على أساس المشاركة في مكاتب العمل أو تكاليف تأجير مكان للعمل.
2 - التفرغ الجزئي، أو العمل عن بعد فترة من الوقت، حيث يقضي الموظف في العمل عن بعد جزءاً من الوقت بصورة رتيبة ووفق جدول محدد، وقد يكون العمل ليوم أو أكثر كل أسبوع أو لعدة أيام في الشهر، أو على فترات متفاوتة. وهذا النوع من العمل يؤدي حتماً إلى وفرة في مساحة مكاتب العمل، وإمكانية تداول أمكنة العمل أو التشارك فيها.
3 - العمل عن بعد بالطلب أو وفق الظروف، وهو العمل بصورة غير منتظمة. وتشمل تلك الظروف العمل البديل لشخص نتيجة ظرف ما، أو العمل في مشاريع خاصة مؤقتة.
مزايا العمل عن بعد
- تعزيز الإنتاجية، فقد وجدت بعض الدراسات أن العمل عن بعد يحسن إنتاجية الموظفين بنسبة 13 %، مما يساعد على تقوية الوضع التنافسي للشركة في السوق.
- توظيف الكفاءات العالية والنادرة، حيث أن العنصر البشري هو العامل الأساسي في نجاح أي شركة أو مشروع. واعتماد التوظيف عن بعد، يتيح للشركات توظيف الكفاءات من أي مكان في العالم، دون التقيد بالمنطقة الجغرافية التي تنشط فيها تلك الشركات.
- العمل عن بعد يخفض التكاليف، إذ أن الشركات التي تعتمد خيار التوظيف عن بعد توفر الكثير من التكاليف، ومنها: تكاليف شراء أو تأجير مقار العمل، وتكاليف المكاتب والمعدات والتجهيزات واللوازم. إضافةً إلى تخفيض النفقات الجارية، مثل فواتير الكهرباء ورسوم مواقف السيارات.
- تقليل غياب الموظفين، ففي حال إصابة الموظف بوعكة صحية خفيفة، لن يكون عليه التوقف عن العمل، إذ يمكنه أن يعمل بشكل طبيعي من منزله.
ويبدو أن نبوءة ريتشارد برانسون -رجل الأعمال والملياردير الأمريكي- التي تقول: (في يوم من الأيام، ستكون المكاتب شيئاً من الماضي)؛ قد تتحقق.