مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

الروائي المغربي عبدالكريم غلاب.. ناقداً

بإمكان الأدب المغربي الآن أن يفخر ويتجاهل المقولة التي طالما رددها بعض المتعصبين ودعاة الإقليمية، القائلة بأن مصر تكتب ولبنان يطبع والمغرب يقرأ. فقد أعيد للمغرب الاعتبار، وتم الاعتراف به كبلد معطاء ومساهم ومشارك بفعالية في إغناء المشهد الثقافي العربي عموماً.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن تقرر منظمة الثقافة والتربية والعلوم العربية بمناسبة اعتبار الرباط عاصمة للثقافة العربية، أن توزع ثلاثين ألف نسخة من عمل روائي مغربي رائد هو «المعلم علي» للأستاذ عبدالكريم غلاب. إنها سابقة في تاريخ الرواية المغربية المكتوبة بالعربية، وفي تاريخ الأدب المغربي عموماً الذي عانى الأمرين من التهميش ومن موضعته في الظل وعلى المحيط الثقافي والإبداعي العربي.
ومن نافلة القول التأكيد على مكانة الأستاذ غلاب في الساحة الأدبية والفكرية والثقافية المغربية والعربية بصفة عامة. فالرجل قد ألقى بظلاله على مسيرة الكتابة الأدبية والصحافية بالمغرب لزمن طويل، مواظباً على الكتابة والإبداع، مثابراً على الحضور في مقدمة المشهد السياسي والفكري والإبداعي، معتبراً هذه المجالات كلها مسرحاً للنضال والمقاومة.
ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا بأن الأستاذ «عبدالكريم غلاب» هو كاتب صاحب تجربة روائية فريدة من نوعها، فمنذ رجوعه من مصر في بداية الستينات أخذ يقتحم عالم السرديات، بنشره أول مجموعة قصصية «مات قرير العين 1965م»، ورواية «دفنا الماضي 1966م». وفي بداية السبعينات أصدر رواية «المعلم علي 1971م»، ومجموعة قصصية «وأخرجها من الجنة 1977م». وفي الثمانينات نشر سيرة ذاتية روائية «سبعة أبواب 1984م»، ثم روايتين «صباح ويزحف الليل 1984م»، و»وعاد الزورق إلى النبع 1989م». ليتوج هذا المسار الإبداعي برواية «شروخ في المرايا 1994م»، وسيرتين ذاتيتين روائيتين «سفر التكوين 1996م»، و»الشيخوخة الظالمة 1998م»، ومجموعة قصصية «هذا الوجه أعرفه 1997م». والواقع أن فن السرد لم يكن كل شيء في حياة عبدالكريم غلاب الإبداعية، ولا أهم شيء فيها؛ إذ كان عمل غلاب يطال اتجاهات ثقافية أخرى يمكن أن نلخصها في المجالات التالية:
1. مجال السرد، وهو الذي غلب على كتاباته وإنتاجه، موزعاً بين: مجموعات قصصية، وسير ذاتية روائية، وروايات.
2. مجال الثقافة عموماً، ويشمل الأبحاث التي أنجزها في ميادين التاريخ واللغة والفكر بصفة عامة، منها: «نبضات فكر»، و»من اللغة إلى الفكر»، و»الثقافة في مواجهة التحدي»، و»الفكر العربي بين الاستيلاب وتأكيد الذات».. وغيرها.
3. مجال الصحافة بامتداداتها السياسية والقانونية والاجتماعية والتربوية..إلخ. 
ومن الإنصاف القول بأن هناك مجالاً مهماً لم يحظَ بالعناية اللازمة من قبل الكتاب والدارسين الذين تتبعوا المسار الثقافي والإبداعي للأستاذ غلاب؛ ألا وهو مجال النقد الأدبي. فللأستاذ خطرات نقدية مهمة تدل على أنه كان على بصيرة بمختلف الآراء النقدية الرائجة في عصره.
يقول في أحد حواراته: (كنت أتمنى للنقد بالمغرب أن يكون أحسن مما كان، وألا يتسلح بالتوجه السياسي وهو في طبيعته متغير وعابر. إن تقويم العمل الأدبي انطلاقاً من حكم مسبق، ودون قراءته؛ سلوك لا ينتمي إلى الثقافة ولا إلى الفكر أو الأدب..). ويؤكد وجهة نظره حول الأدب قائلاً: (كان الإبداع منذ اليوم الأول بالنسبة لي وبالنسبة لجيلي هادفاً).
ويقول الأستاذ غلاب في معرض حديثه عن ماهية الكتابة: (الأديب الحق لا يمكن أن يعيش في وسط إنساني معذب، ويكون بعيداً في الوقت نفسه عن هذا الوسط، غير شاعر بعذابه، ولا محس بجراحه؛ ثم لا ينعكس هذا الإحساس على ضميره الأدبي، فينفعل ويعبر ويصور، ويتحرك القلم حركة نضال، ليكون في مقدمة المناضلين ضد عذاب الإنسان وجراحه).
لقد اهتم الأستاذ غلاب بكتابة المقالة النقدية بمختلف أنواعها، شأنه في ذلك شأن أغلب رواد النهضة الحديثة بالمغرب. فقد وجد هؤلاء الرواد في هذا الجنس من الكتابة أحسن وسيلة لنشر الأفكار التحديثية والدعوات الإصلاحية، إن على مستوى السياسة أو على مستوى الثقافة والأدب.
ويرتبط تاريخ الكتابة المقالية بالمغرب بتاريخ الصحافة ارتباطاً وثيقاً، وصلة الأستاذ غلاب بالصحافة جد متينة، فقد ترأس تحرير مجلة «رسالة المغرب» الثقافية الأسبوعية، وعمل في جريدة العلم المغربية، ثم أصبح رئيس تحريرها، كما أنه شغل منصب نائب الأمين العام لاتحاد الصحفيين العرب، والأمين العام للنقابة الوطنية للصحافة المغربية.. إلخ، وقد مكنت هذه الممارسة الصحفية الطويلة الأستاذ غلاب من تطوير أسلوب كتابته ومن تنويع موضوعات مقالاته، فكتب في السياسة والإصلاح والبحث اللغوي والنقد الأدبي.. كل هذا يفرض علينا العناية بهذا الجانب الأخير، جانب النقد الأدبي في إنتاجات الرجل. وحتى نعطي صورة مجملة عن القضايا التي كانت محور نقده ارتأينا الرجوع إلى كتابه «مع الأدب والأدباء» في طبعته الأولى سنة 1974م عن دار الكتاب بالدار البيضاء.

مع الأدب والأدباء
الكتاب كما هو واضح من عنوانه رحلة فكرية وقراءة نقدية للكثير من المواضيع التي شغلت وما زالت تشغل الرأي العام. وقد قسمه إلى قسمين: قسم نظري تتراوح مقالاته بين البحث في ماهية الأدب ووظيفته من قبيل «الشعر الحديث بالمغرب ص 7» و»تطوير الأدب القصصي في المغرب العربي ص 54» و»حركة النقد في المغرب ص 85» و»بين الإقليمية والإنسانية ص 132» و»الالتزام الحقيقي للأديب ص 152»..إلخ. وقسم تطبيقي بعنوان «في صحبة الشعراء والكتاب». وفي هذا القسم الأخير توسع توسعاً ملحوظاً، وكأني به كان يتحين الفرصة ليبسط آراءه النقدية ويفرغ ما بجعبته من نظرات، متناولاً بالنقد التطبيقي بعض الإبداعات الأدبية التي كانت قد ظهرت عندئذ، مثل مقال عن شعر ص 159 وآخر عن قصة ص 239 وثالث عن رواية ص 251 ورابع عن مسرحية ص 279 ..إلخ. ولعل ذلك ما كان يقصده من خلال تقديمه للكتاب قائلاً: (حاولت أن أعيش مع بعض الشعراء والقصاصين لأقدم نموذجاً من أدبهم، حينما يكون هذا النموذج مغربياً، حتى تتم الصورة التي رسمتها في القسم الأول من الكتاب. ولأقدم صورة عن اتجاه النقد وتحليل الإنتاج الأدبي في المغرب؛ حينما يكون النموذج عربياً غير مغربي أو أجنبياً في القسم الثاني...).
وقد اختار الأستاذ غلاب في قراءته لنماذج من إبداعات هؤلاء الكتاب والشعراء نموذجاً من كل بلد؛ بغية الاقتراب من الأفكار الأدبية والنقدية التي أعرب عنها في فصول القسم الأول. وهكذا نجد عناوين مثل «قراءة جديدة في شعر ابن ثابت ص 185»، «رجعة نزار قباني ص 211» و»الجواهري من الذاتية إلى الوطنية ص 228»، «مع السياب ص 222»..إلخ.
ونظراً لهذا الركام الهائل من الأبحاث والدراسات التي يزخر بها الكتاب؛ سنقتصر في تدخلنا هذا على بعض المباحث بسبب الحيز الضيق الذي تفرضه ورقة كهذه.

الشعر الحديث بالمغرب 
 يرى الأستاذ عبدالكريم غلاب أن الحديث عن الشعر الحديث بالمغرب ليس بالأمر السهل لاتساعه والتباسه لأنه يمتد على فترة طويلة يعسر ضبط بدايتها، كما أنه يلامس موضوعاً قريباً إلى قلب كل واحد من الأدباء المحدثين الذين قد يتناولهم هذا الكتاب، وهذا ما يجعل الناقد يحس بنوع من الحرج. ورغم كل هذه المعوقات يتحدى الأستاذ غلاب هذا المأزق، شفيعه في ذلك أنه سيدافع عن أكثر فنون القول ظلماً في المغرب ألا وهو الشعر. هذا الفن قد أصيب بنوع من الجمود الفكري أدى إلى ضمور واندثار واختفاء الكثير من المواهب الشعرية عن الأضواء، خصوصاً في زمن كان فيه مفهوم الثقافة منحصراً في العلم والدين. وانتظر الكل مجيء النهضة الأدبية الحديثة بالمغرب، فتحررت الباقات الشعرية من تلك العقدة، فظهر مجموعة من الشعراء الشباب خريجي جامعة القرويين أمثال الشيخ المأمون البلغيثي.. والذين وضعوا على عاتقهم مسؤولية الزج بالشعر في المعركة الكبرى، معركة الدعوة إلى التعليم ونبذ الجمود الفكري والدعوة إلى الاعتزاز بمقومات الأمة، وإلى عدم الرضا إلا بالعربية كلغة قومية وبالدين الإسلامي كأحد دعامات الشخصية المغربية.
وبهدف الدراسة والنقد يقسم الأستاذ غلاب الشعر المغربي إلى ثلاث مراحل، مرحلة الثلاثينات ومرحلة الأربعينات، ومرحلة ما بعد الاستقلال. مؤكداً على التأثير البليغ الذي أحدثته طبيعة هذه المراحل التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية في الشعر، حيث عرف نوعاً من التطور على مستوى اللغة والأسلوب وطريقة الأداء، انعكس حتماً على الذوق الفني، وانطلق الشعر إلى آفاق جديدة تتجاوب واهتمامات النخبة بحالة الشعب وبآلامها وآمالها... يقول في هذا الصدد: (وبعد، فيجوز أن يكون هذا البحث مسحاً انتقائياً لتطور الشعر في المغرب خلال فترة تربو على أربعين سنة، كانت فترة بعث ونضج نسبي لهذا النوع من فنون القول الجميلة. وما أزعم أنه مسحُ تتبُّعٍ واستقصاء؛ بقدر ما هو مسح انتقائي، حاولت فيه أن تكون النماذج معبرة عن مرحلة أو عن الجيد من الشعر في المرحلة).
وهو يدعم ذلك بنماذج من شعر شعراء كل مرحلة كعلال الفاسي والمختار السوسي ومحمد القري باعتبارهم من أوائل المجيدين والمكثرين الذين دخلوا بالشعر مرحلة الثورة الفكرية. والشعراء مثل عبدالمجيد بن جلون ومحمد الحلوي وعبدالكريم بن ثابت وغيرهم من الشعراء الذين رفعوا لواء الشعر في آفاقه الجديدة، آفاق التطلع للحرية وممارسة النضال، والصراع من أجل هذه الحرية وخصوصاً مع مطلع الأربعينات.
وينتقل الكاتب إلى دراسة شعر المرحلة الثالثة، وهي المرحلة التي تجسد ظهور دواوين شعرية، ينتمي معظمها إلى الشعر الحر الذي حاول أصحابه التحرر من رتابة الوزن والقافية. ويقر الأستاذ عبدالكريم بأن هذه الدعوة الجديدة كانت لها إرهاصات في أوائل الأربعينات عند علال الفاسي وعبدالمجيد بن جلون وعبدالكريم بن ثابت.
ويستحسن فكرة تنويع القافية والأوزان، ويراها نتيجة حتمية للتجديد الذي مارسه الأندلسيون على الشعر العربي، رافضاً في الوقت نفسه فكرة التخلي عن الوزن كأداة موسيقية وتعويضه بمقطعات أو جمل لا تخضع لنمط فني ما. وأشهر من يمثل هذا النوع من الشعر الحديث أحمد المجاطي وعبدالكريم الطبال وابن ميمون والخمار الكنوني، وكلهم التزموا بالتفعيلة التي ضمنت لأشعارهم أداء ونغماً موسيقيين، ونضجت لغتهم ورقى أسلوبهم، وأصبحت موضوعاتهم مرتبطة بالحياة والناس، واتسعت نظراتهم لتشمل الثورة والتمرد والرفض للواقع المتسم بخيبات الأمل المتكررة.

حركة النقد بالمغرب
يؤمن الأستاذ غلاب بالمقولة القائلة بأن النقد هو فن على فن، بمعنى أنه لا يكون نقد إلا حيث يكون الفن، لأنه رصد له وتقويم وتتبع وقراءة لنماذجه للوقوف عند مواطن الجمال فيه وتذوقها، بحيث يكون بإمكان الناقد التمييز بين مظاهر الحسن أو الرداءة فيه، بل يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يعتبر أن النقد هو علم كذلك لأنه يهتم بمقومات العمل الأدبي العقلية والنفسية والفلسفية واللغوية والأسلوبية والبيانية. الناقد فوق هذا وذاك خبير بجوانب الكمال والضعف في العمل الأدبي؛ لأنه يعتمد على الذوق السليم. يقول في هذا الصدد:
(لا أريد أن أقول إن الذوق أهم من العلم، ولكني أؤكد أنه لا يقل قيمة عن العلم نفسه في العمل النقدي، ولكنه أصعب إدراكاً من العلم. فقد يدرك العلم من خلال الدراسة الجامعية ومراجعة كتب القدماء والمحدثين وحفظ القواعد وتتبع النماذج، ولكن الذوق لا يدرك إذا لم يكن هناك استعداد فطري، وإذا لم تتكون الملكة بالممارسة والمزاولة).
أما فيما يتعلق بالنقد الأدبي في المغرب فإن الكاتب يؤكد على وجود ظاهرة إشفاق الناقد على الأدباء -على حد تعبيره- حيث يعتبرون أن الأدب لم يصل بعد إلى مرحلة النضج والاكتمال، ولهذا فإن أي محاولة نقدية ستكون سابقة لأوانها، ولكن هذا الإشفاق لم يحل دون ظهور وتطور حركة النقد منذ منتصف الثلاثينات من القرن الماضي كمحاولات الأستاذ محمد بن العباس القباج التي كانت في مجملها امتداداً للنقد العربي القديم في صورته اللغوية البيانية.
وفي خضم الأحداث السياسة التي عرفها المغرب في ظل الضغط الاستعماري وقع انحسار في كل مجالات العمل الفكري والأدبي، حيث منعت الصحف وألجمت الأفواه إلى حين انفراج الأزمة سنة 1946م، وتحرر الكتاب والشعراء من العزلة التي فرضت عليهم، حيث تابع النقد الإبداع الأدبي، وظهرت جملة محاولات ينتمي بعضها إلى ما سماه الأستاذ غلاب بالنقد الوصفي التحليلي وبعضها الآخر إلى النقد الشمولي أو النقد الجزئي أو النقد الانطباعي..إلخ. لكن ما قيمة هذا النقد بكل اتجاهاته وأبعاده؟
القيمة تكمن في رأي الأستاذ عبدالكريم غلاب في كون النقد خرج بالإنتاج المغربي من اعتماد الأسلوب البلاغي كأكبر قيمة أدبية إلى مجال التحليل النفسي والأسلوب التصويري ومعانقة المشاكل الإنسانية التي يعيشها المواطن المغربي. ومن الظواهر التي استهجنها الأستاذ غلاب في مجال النقد استعمال بعض النقاد الشباب في كلامهم لغة عائمة غامضة وغير مفهومة.. وتوظيفهم بعض النظريات الفلسفية المفتعلة والاصطلاحات والرموز الغارقة في الغموض والإبهام، وهي أقرب إلى الطلاسم منها إلى الوضوح والبيان، يقول في هذا الموضوع: 
(وأكرر الدعوة إلى الوضوح حتى أني لأعتقد أننا يجب أن نقوم بحملة لمواجهة هذا الانحراف الخطي في فن القول سواء منه الخلق أو النقد).

الأدب واللغة القومية
مشكلة نقدية أخرى خطيرة عرض لها الأستاذ غلاب في كتابه «مع الأدب والأدباء»؛ ألا وهي مشكلة علاقة الأدب باللغة القومية، حيث أفصح في هذا الفصل عن وجهة نظره حول مصداقية الأدب المكتوب بلغة أجنبية، مؤكداً على حرية الأديب في التعبير عن آرائه وأفكاره وأحاسيسه باللغة التي يراها مناسبة ومتجاوبة مع طبيعة التجارب والمواقف التي يريد الإفصاح عنها.
وفي رأيه أن المشكلة العويصة التي يجب أن نبحث لها عن حل هي محاولة بعض الأطراف فرض لغة أجنبية على شعب بهدف استيلابه وتدجينه وسلبه أصالته وشخصيته القومية العربية والإسلامية.
فاللغة، في نظر أستاذنا (ليست أداة ولكنها جوهر مميز للقيمة بل للذاتية، فأنت مغربي أو فرنسي أو إنجليزي، لا لأنك فقط ولدت في المغرب أو في فرنسا أو في إنجلترا، وتنتمي وطنياً لهذه البلاد أو تلك؛ ولكن كذلك لأنك تتكلم «والكلام هنا بمعنى الاستعمال الفكري» العربية أو الفرنسية أو الإنجليزية، ومن ثم أصبحت اللغة أحد مقوماتك الوطنية، بحيث لا تنفصل عنها أو تفصل عنك، إلا إذا انفصلت عن وطنك أو انفصل عنك وطنك).
اللغة إذن أصبحت غاية في حد ذاتها، وليست وسيلة، وهي عنوان على الفكر ورمز للقومية وشعار للوطنية لا يتنازل عنه أحد إلا إذا كان مستعداً للتنازل عن جنسيته وقوميته ووطنيته.. معنى هذا أن الأدب يجب أن يكتب باللغة القومية إذا أراد أن يكون أدبا قومياً.
والحقيقة أن الأستاذ غلاب في معالجته لهذا الموضوع الشائك بات موضوعياً وعلمياً صارماً في الآراء التي طرحها خصوصاً وأنه اعترف لبعض النماذج الأدبية التي قدمها بعض الأدباء المغاربيين بلغة أجنبية، بقوميتها وبالتصاقها بهموم الأمة أمثال الدكتور الحبابي وكمال الزيدي من المغرب، ومحمد ديب ومولود معمري وآسيا جبار من الجزائر.. خصوصاً وأن المرحلة التي ظهر فيها إنتاجهم اتسمت بالثورة على المستعمر والمطالبة بالاستقلال.. وهذا ما أكسبها أصالتها وقيمتها.

في صحبة الشعراء والكتاب
وهو عنوان للقسم الثاني الذي تناول فيه بالنقد التطبيقي بعض الإبداعات الأدبية مثل الإبداع الفني في شعر الشابي، وقراءة جديدة في شعر ابن ثابت، ومع السياب، وقراءته لمجموعة قصصية «عمي بوشناق» لعبدالرحمن الفاسي، وموسم الهجرة إلى الشمال للطيب صالح..إلخ.
والواقع أن هذه القراءات النقدية التي زخر بها هذا القسم تركزت كلها أو كادت في نقد ما نسميه شعر القصائد، ويسميه الغربيون بالشعر الغنائي، وذلك لأن هذا الفن هو الذي يتكون منه الجانب الأكبر من تراثنا الأدبي.
ولما كان أدبنا العربي عموماً، والمغربي على الخصوص؛ أخذ يشهد ظهور فنون أدبية أخرى، وفدت إلينا من الغرب كفن المسرحية وفن الرواية وفن القصة، وحيث إن هذه الفنون ظلت إلى زمن بعيد في منأى عن اهتمام النقد والنقاد؛ انبرى لها الأستاذ غلاب فدرس بعض نماذجها، مثلما فعل في نموذج الوشم «رواية عراقية ص 251»، وشبح في قصص بيراندللو «نموذج من إيطاليا ص 268»، وعاصفة الرعد «مسرحية صينية ص 279»..إلخ.
وأهم ما يجب أن نعرض له في هذا المبحث، هو البحث عما إذا كان الأستاذ غلاب قد سار على منهج نقدي معين، وهو يتتبع هذه النماذج فناً فناً، بمعنى هل من الممكن استخلاص صورة لمذهب غلاب النقدي؟
من خلال تمعن آراء غلاب السابقة يتبين أن المنهج الذي أخذ به في قراءته لهذه النماذج لا يرى في الأدب مجرد صدى للعوامل الحضارية، ولكنه يرى بأن للإنتاج الأدبي وجوداً في ذاته، غير منكر تأثره بظروف العصر وحياة الرجل. يقول متحدثاً عن شعر الشابي:
(وعن هذا الإبداع نبحث ونحن ندرس شعر الشابي لنرى لماذا بقي اسمه خالداً في التاريخ الأدبي بتونس...).
وهو يعبر عن مفهومه للشعر وتصوره للعملية الإبداعية؛ إذ يركز في هذا المفهوم على الأسس الضرورية لتحقق الشاعرية، وهي: الموهبة والفطرة، إلى جانب الحذق بأصول الصناعة. يقول في معرض تقديمه للإبداع الفني في شعر الشابي: (فهو «أي الشعر» فن يتطلب إتقان كثير من الأصول التي لا يمكن أن يتحقق إلا بإتقانها، دع عنك الموهبة الشعرية فهي الأداة الرئيسة).
إن مفهوم غلاب للشعر ينسجم إلى حد بعيد مع المفهوم الذي بلوره شعراء جيله، وهذا راجع حسب رأيي إلى تشبع هؤلاء بمبادئ مدرسة البعث والإحياء.
ومن قراءته للقصائد الشعرية يتبين أن منهج غلاب النقدي هو المنهج التأثري الذاتي، فهو يقول: (الشعر هو الذي تجد نفسك في حاجة إلى أن تقرأه كلما بعدت عنه)، وعلى نحو ما نحس في قراءته لقصيدة أغنية الأحزان لأبي القاسم الشابي والتي تضمنت عدداً من النغمات الرائعة الصفاء النابضة بحرارة الحياة: 
غنِّ أنشودة الفجر الضحوك
أيها الصداح
فلقد جرعني صوت الظلام
ألماً علمني كره الحياة
إن قلبي مل أصداء النواح
غنِّ يا صداح
 ولا يقف منهج غلاب النقدي عند حدود الذوق والانطباع، بل نجده يلجأ في تفسيره للقدرة الشعرية عند الشاعر إلى طريقة توظيفه للصورة الشعرية وللبنية الإيقاعية باعتبارهما أهم مقومات الإبداع الشعري.
وبعد، هذه بعض الخطرات النقدية التي عنّت لي وأنا أقرأ كتاب «مع الأدب والأدباء» للروائي المقتدر عبدالكريم غلاب، هدفت من ورائها لإثارة الانتباه إلى مجال آخر من المجالات الأدبية التي ساهم فيها أستاذنا وما زال ينتظر من ينفض عنه الغبار ويلقي عليه الضوء.
ذو صلة