مجلة شهرية - العدد (595)  | أبريل 2026 م- شوال 1447 هـ

أبرز الأسر العلمية في مدينة الطائف خلال القرنين الماضيين

عشت حياتي الأولى كلها في مدينة الطائف، وأتذكر أن فترة الطفولة عندي كانت كمن حظي بأن يزور متحفاً مفتوحاً كل أسبوع، حيث كان يأخذنا أبي -يرحمه الله- لصلاة الجمعة في مسجد الهادي، الذي يتخذ من المنطقة المركزية في الطائف مكاناً مهماً، فحينما أسس السيد هادي بن محمد اليمني هذا المسجد عام 1050هـ تقريباً، أسسه في قرية• الهضبة، بحيث يفتح بابه الجنوبي مباشرة على برحة تتصل بما يسمى بالهجلة، وهي مكان بيع العسل والسمن والإقط، بل جميع ما يصل من أرياف الطائف وبواديها، كما أن هذه البرحة كانت المكان الدائم للاحتفالات والألعاب الشعبية أيام الأعياد والأفراح إلى وقت قريب، وحينما قدم الملك عبد العزيز إلى الطائف أقام أهل الطائف احتفالاتهم بمقدمه في هذه البرحة. وكما هي طبيعة الأطفال لم أكن أعلم أن أروقة هذا المسجد كانت تغصّ بالتلاميذ الذين درسوا على يد قاضي الطائف أحمد بن علي النجار -يرحمه الله- مختلف العلوم الدينية والعربية، وقد تخرج عليه جِلةٌ من علماء الطائف ومكة، كما درَّس فيه الشيخ بكر آل كمال، وكان للشيخ محمد صالح قطان حلقة علمية في هذا المسجد بين صلاتي المغرب والعشاء، وأعرف أن من المتأخرين الذين درّسوا في مسجد الهادي الدكتور راشد الراجح، حيث كانت له حلقة يدرس فيها كتاب رياض الصالحين.
ومما لا شك فيه أن مجتمعاً مثل مجتمع الطائف تبقى أسرُهُ محافظة على امتدادها العلمي والثقافي أجيالاً بعد أجيال، والدليل على ذلك ما نراه من الأسر العلمية التي حافظت على مكانتها العلمية على مر الزمن، ولم تتوقف إلا بانقطاع نسلها، كما حدث لأسرة آل القاري التي انقرضت، ولم يبق منهم أحد. ومن رام البحث في الأسر العلمية في الطائف فإن ما أورده الدكتور سليمان آل كمال في كتابه التعليم في الطائف يفي بمعرفة جيدة عن هذه الأسر، ودورها الريادي في نشر العلم والتعليم في هذه المدينة وفي مدن الحجاز أيضاً. ومن هذه الأسر:

أسرة آل النجار
من الأسر العلمية في الفترة المتأخرة من تاريخ الطائف آل النجار، وهم أهل علم وفضل، كما وصفهم الشيخ عبدالحي بن حسن آل كمال، فمنهم الشيخ محمد العبود، وهو أحد علماء الطائف وفضلائها. ومن هذه الأسرة أيضاً الشيخ الطبيب أحمد بن علي النجار الطائفي الذي ولد في الطائف عام 1272هـ/1855م،  وتوفي بها عام 1347هـ/ 1928م، وبها تلقى تعليمه الأولي، ثم درس في مكة المكرمة. نَظَمَ الشعر، وكان أحد المدرسين الملازمين في المسجد الحرام، ثم أصبح أحد قضاة الطائف ومعلميه، ودرّس في مسجد ابن عباس ومسجد الهادي.
ويمثل الشيخ أحمد النجار مرحلة مهمة من تاريخ التعليم ليس في الطائف فحسب، بل في الحجاز كله، حيث اتصل بالشيخ إسماعيل نواب، فتلقى عنه الطب اليوناني، حذق اللغة الفارسية، وله إلمام بالفرنسية والتركية. من مؤلفاته، وهي جميعها لم تطبع: ديوان شعر، ورسالة في المنطق، ورسالة في العلوم العربية، ومجموعة طبية.

أسرة آل قاري
يورد الدكتور عثمان الصيني في كتابه (فهرس المخطوطات بمكتبة عبدالله بن عباس) أن في هذه المكتبة مخطوطات كثيرة كانت للشيخ عبدالحفيظ بن عثمان القاري، ولأخيه الشيخ محمد بن عثمان القاري، وأن كثيراً من كتبهما فُقِدَ.
ولعل أبرز أبناء هذه الأسرة هو الشيخ عبدالحفيظ بن عثمان بن محمد بن عثمان الفتَّني الإدريسي الحنفي القاري -يرحمه الله، الذي ولد بالطائف، ويعدّ من علماء الطائف المتأخرين. عمل مدرساً بمكة المكرمة. من مؤلفاته: كتاب (جلاء القلوب بمناقب أبي أيوب الأنصاري)، وله رسالة في تاريخ الطائف، كما له رسالة بعنوان (نبذة من أخبار الطائف) عن أخبار الطائف وقراها.

أسرة القاضي
تعد أسرة القاضي من الأسر العريقة في الطائف، وهي من الأسر ذات الأثر العلمي والتجاري فيها. وهذه الأسرة من أبرز الأسر التي تولت قضاء الطائف، حيث ولي القضاء منهم خمسة أفراد. من أبرز أبنائها الشيخ عبدالرحمن بن سليمان القاضي الذي كان قاضياً في العقبة، ثم مديراً لمدرسة الطائف في العهد الهاشمي، كما ظهر من هذه الأسرة أدباء مثل عبدالله بن عبدالرحيم القاضي، جاء ذكره في كتاب الزركلي (ما رأيت وما سمعت)، ومنهم أيضاً أخوه عثمان بن عبدالرحيم قاضي، وكان شاعراً.
ومن أبناء أسرة القاضي عبد الرحمن بن سليمان، وعبدالحفيظ بن عبدالرحيم قاضي، (1320ـ 1346هـ). تلقى بداءة تعليمه في كتاب الشيخ محمد صالح خادم، ثم في المدرسة الرشدية الهاشمية، وبدأ حياته العلمية معلماً بالمدرسة السعودية.

أسرة ابن حريب
أسرة آل حريب من الأسر المتحضرة التي ساهمت في مجالات متعددة، ومن بينها المجال العلمي. فهذا سليمان بن مسعود بن حريب يملك مخطوطة ضمن المخطوطات المحفوظة في مكتبة ابن عباس. كما أن لهم تملكات لبعض الكتب المحفوظة في هذه المكتبة. 
ويعد الشيخ إبراهيم بن علي بن مسعود بن حريب الطائفي الشافعي، أحد العلماء البارزين في الطائف. ولد بالطائف سنة 1220 ونيف من الهجرة. وكان للشيخ محمد بن علي بن حريب كُتَّاب خاص في مسجد الوزير، بدأه عام 1360هـ، واستمر حتى عام 1370هـ.

أسرة آل سراج
أسرة آل سراج تعرف اليوم بأسرة المفتي، وكانت من الأسر العلمية في الطائف ومكة المكرمة. ومن أبناء هذه الأسرة الشيخ عبدالرحمن سراج مفتي مكة في عصره. وكان الشيخ عبدالرحمن سراج من ضمن السبعة الذين أسهموا في تمويل نشر الطبعة الأولى من خزانة الأدب للبغدادي التي صدرت في بولاق عن المطبعة الأميرية، ووردت الإشارة إليهم في خاتمتها.
أما الشيخ عبدالله بن عبد الرحمن سراج (1293 – 1368هـ) فقد تولى قضاء جدة سنة 1233هـ. ومن هذه الأسرة الطائفية الشيخ محمد علي بن عبدالرحمن سراج (1297 -1377هـ). باشر قضاء الطائف، وكان عضواً في مجلس التدقيقات، واستقال منه سنة 1364هـ. ومن أبناء هذه الأسرة العلمية حسين عبدالله سراج الأديب الذي عاش بين المملكة العربية السعودية والمملكة الأردنية، وهو ابن الشيخ عبدالله سراج.   

أسرة آل الراضي
كان بيت الراضي من البيوت الشهيرة في مكة، وكانوا يترددون على الطائف، ومازال بعض أبنائها يقطنون الطائف إلى يومنا هذا. وهي من الأسر العلمية التي اشتهر عن أبنائها إجادة الشعر. ويعد الشيخ عثمان بن محمد بن أبي بكر الراضي من كبار علماء الحجاز، ومن شعراء الطبقة الأولى في عصره، أطلق عليه شاعر البطحاء والديار الحجازية، له ديوان شعر يقع في مجلدين. له كتاب في البديع أسماه (الأنوار المحمدية)، شرح به بديعية لعبدالله فريج. ولد الشيخ عثمان سنة 1260هـ. كان يتردد على الطائف، وأدرك بها أفاضلهم وجالسهم. توفي في مكة سنة 1331هـ، ودفن بالمعلاة. 

أسرة سنبل
من طرائف قصص العلماء ما يحكيه الشيخ عبدالله سراج، وكيفية تعلقه بالعلم، وبدايته معه، حيث مر على الشيخ طاهر سنبل أثناء درسه في مسجد ابن عباس، ورأى هذا العلم الجليل وقد أحاطه طلاب العلم من تلامذته، فاشتاقت نفسه للعلم، ودعا الله، وطلب منه تعالى بأن يجعله عالماً مثل الشيخ طاهر، فأجاب الله دعاءه بأن غدا من العلماء الكبار. والشيخ طاهر بن محمد سنبل الحنفي (ت 1218هـ) من أكثر العلماء تأليفاً، وقد أحصى له صاحب كتاب الحياة الثقافية في مكة ثلاثة وعشرين كتاباً، وهو أحد الذين تلقوا العلم عن العالم الكبير عبدالملك الفتني الحنفي (1255 – 1332هـ)، وعن ابن عمه الشيخ عبدالغني سنبل (ت1212هـ)، وهو ابن المحدث الكبير محمد سعيد سنبل الشافعي. 
أما أبوه الشيخ محمد سعيد سنبل الشهير بالفقيه بالمروة، فكان يطلق عليه إمام المحدثين ببلد الله الأمين، كان متقناً المذاهب الأربعة، ماهراً ضابطاً في علم الحديث، له رسالة شهيرة بأوائل سنبل، وهي في أوائل الحديث. توفي في الطائف سنة 1175هـ.
ومن أبناء هذه الأسرة أيضاً الشيخ محمد سنبل الشافعي، وهو والد كل من الشيخ محمد هلال سنبل (ت1259هـ)، ومحمد بن محمد سعيد سنبل (ت 1216هـ) وطاهر سنبل. ومن هذه الأسرة محدث الحجاز الشيخ الأديب محمد عباس سنبل (ت1228هـ).  
 
أسرة آل كمال
وقد جعلتُ هذه الأسرة آخر الأسر العلمية بالطائف لما لها من دور كبير، فتكون خاتمة للأسر العلمية في الطائف. حيث تعد أسرة آل كمال من أكثر أسر هذه المدينة تأثيراً في الحركة العلمية والثقافية والتجارية كذلك، ولهم ذكر في بعض ما جرى في الطائف من أحداث. وهي أسرة تكاد تكون أخلصت للعلم منذ فترة مبكرة، وكان لها تأثير في الحركة العلمية والتعليمية في المملكة، حيث عُهِد إليها فترة من الزمن بتأليف الكتب المدرسية، وطباعتها، ولولا الحريق الذي أصاب مكتبة الشيخ عبدالله بن بكر آل كمال عام 1342هـ، لورث المجتمع العلمي كنزاً كبيراً من الكتب، والمخطوطات، والكراريس أيضاً.
إلا أن من أشهر أبناء هذه الأسرة الشيخ محمد سعيد آل كمال (1330 ـ 1416هـ). ولد بالطائف، وكان العمل الطلائعي الأكبر له هو إنشاء مكتبة المعارف عام 1367هـ، فترك التعليم ليتفرغ لها ولأعمال تأليف المقررات المدرسية، ويعد الشيخ محمد سعيد كمال أول من دوَّن وجمع الشعر الشعبي في المملكة بكتابه (الأزهار النادية في أشعار البادية). 
أما الشيخ عبدالله بن بكر كمال، فقد ولد بالطائف سنة 1290هـ، تولى قضاء مكة المكرمة عام 1321هـ، ولقب عبدالله كمال أفندي، ثم تولى قضاء الطائف عام 1327هـ. سافر إلى مكة فعين عضواً بلجنة المعارف، واستمر بها إلى أن توفي بمكة عام 1341هـ.
ومن أبناء الأسرة الكمالية بكر آل كمال الذي كان يدرس في مسجدي العباس والهادي، تتلمذ عليه في علم العروض وفي اللغة العربية شاعر الطائف الشهير بديوي الوقداني. ومن أبناء آل كمال أيضاً أحمد بن حسن المولود عام 1329هـ، الذي دَرَس في المدرسة الهاشمية،  وبدأ حياته المهنية كاتباً ومستشاراً عند أمير الطائف آنذاك محمد بن عبدالعزيز آل الشيخ، ثم انتقل معلماً في المدارس السعودية مع تدريسه حسبة لله تعالى بمسجد الخَبَزَة بالمثناة، المعروف بمسجد عدّاس، وعُرف أنَّ أحمد آل كمال يقرض الشعر، ومن شعره قصيدة هنأ بها الملك عبدالعزيز، نشرت في صحيفة أم القرى سنة 1364هـ. وكان لزوجته كتّابٌ للإناث بمحلة فوق بشارع آل كمال أسمته (المدرسة الحسنية).
ومن أبناء أسرة آل كمال الشيخ عبدالحي بن حسن آل كمال (1325 – 1412هـ) الذي ولد بالطائف، وكان يدرِّس بعض أبناء آل كمال في كتاب خاص لهم في منزله، يجيد الشعر، وله قصائد في مناسبات متفرقة.
أُسَر أخرى
وفي الحقيقة فإن في الطائف العديد من الأسماء التي درجت في أروقة العلم، وكان لها دور بارز في الحركة العلمية والثقافية في مدينة الطائف، إلا أنها لم تعرف بوصفها أسرة توارثت العلم كابراً عن كابر، بل برز فيها ابن من أبنائها، لكنّه كان علامة فارقة في الحركة العلمية آنذاك. ومن هذه الأسماء يبرز لنا السيد محمد المؤيد، صاحب المكتبة الشهيرة مكتبة المؤيد، حيث كانت مكتبته موئل الأدباء والعلماء في الطائف، وكان يأنس كثير من الأدباء بالجلوس إلى هذا الشيخ، ونقاشه في أمور الفقه بالذات، والتاريخ الإسلامي عموماً. ومن أبناء الأسر العلمية أيضاً الشيخ عبدالكريم بن درويش الخادم ( 1299- 1329هـ / 1882 - 1911م) الذي ألف رسالة بعنوان (مناظرة بين البدو والحضر). وكان لآل الخادم كُتَّابٌ مشهور في مدينة الطائف.
ــــــــــــــــــــــ
•يرى خير الدين الزركلي أنه كان يُطلق على أحياء الطائف قرى لأنها في الأساس كانت مجموعة من القرى، مثل قرية السلامة وقرية حوايا وغيرهما.

ذو صلة

   مناحى القثامى
   Kas3601@hotmail.com
   سعودية -الطايف
   الإثنين 19/10/2015
اخى لم توثق معلوماتك ولم تضيف شيء كنت أظنك تدعى المنهج البحثي وتشير الى كتاب مناحى القثامى تاريخ الطايف الذي نقلت منه وتجاهلت المؤلف هذه خيانه البحث
pantoprazol 60mg oforsendelse.site pantoprazol iv