مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

عبدالله الزيد شاعراً وناقداً.. هل أخذ حقه من القراءة؟

هناك كتبٌ تنتهي قراءتها بفراغك من الصفحة الأخيرة، وهناك كتبٌ أخرى تظل تفتح أبواباً في العقل والقلب حيناً بعد حين. ولم أكن أعتقد أن كتابي الأول (مراجعات الماشي، تأملات في الفن والفكر والحياة)، الصادر في طبعته الأولى عام 2006م، من تلك الكتب، حتى كتب عنه الصديق الإنسان الأستاذ عبدالله بن عبدالرحمن الزيد، يرحمه الله، في (الجزيرة الثقافية) عام 2007م.
ولم أكن أظن أن مقالته تلك ستعود بعد سنوات لتفتح لي باباً آخر إلى كاتبها، الشاعر والناقد والإعلامي والمذيع والصحفي عبدالله الزيد، الذي التقيته شخصياً قبل أن يكتب مقالته عن كتابي بنحو عام، بعد أن حدثني صديق عزيز أن الأستاذ عبدالله يرغب في أن ألتقيه في بيته بالرياض، بعدما اطلع على الكتاب ضمن متابعته الدورية لما يصدره المثقفون السعوديون.
ما زلت أتذكر ترحيبه بي يومذاك، محفزاً ومشجعاً ودافعاً إلى كتابة المزيد، وابتسامته الهادئة حين قلت له إنه كان محظوراً عليّ قراءته من قبل عدد من أصدقاء الدراسة الجامعية، لكونه من شعراء الحداثة الذين كان ينظرُ إليهم بريبة كبيرة يومذاك من بعض رموز التيار الديني. وكان سعيداً لأنني أصررت على قراءته رغم الريبة والتحفظ، كما حرصت على لقائه، في ذلك اليوم من شتاء عام 2006م.
وكان في سمات الرجل وحديثه ما جعل اللقاء بالنسبة لي أقرب إلى إعادة اكتشاف شاعر من خلال صوته وملامحه قبل أن يكون من خلال دواوينه. وربما كان ذلك أحد أسباب احتفاظ ذاكرتي بهذا اللقاء بجماله وجلاله على مر السنين، قبل أن تعود مقالته لاستحضاره مرة أخرى بعد نحو عشرين عاماً.
ولد عبدالله بن عبدالرحمن الزيد عام 1953م، وتوفي في 18 أكتوبر 2020م. وكان واحداً من المثقفين السعوديين الذين عايشوا وتفاعلوا مع تحولات ثقافية كثيرة ومتلاحقة وشاركوا فيها عبر أكثر من موقع: شاعراً وناقداً ومذيعاً وإعلامياً. درس اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وعمل بعد تخرجه في الإذاعة والتلفزيون، وقدم برامج أدبية وثقافية وإعلامية، إلى جانب حضوره الشعري والنقدي. وأصدر ثلاثة عشر ديواناً بين عامي 1986 و2016، وجُمع منجزه الشعري في مجلدين عامي 2011 و2012، كما حصل على جائزة محمد حسن عواد للإبداع من نادي جدة الأدبي عام 2011م. لكن السيرة الثقافية، مهما ازدحمت بالتواريخ والأسماء، لا تقول الكثير عن الشاعر، لأن الشاعر يبدأ حيث تنتهي سيرته.
ولعل أجمل ما في عودتي إلى مقالته عن (مراجعات الماشي) أنها كشفت عبدالله الزيد وهو يمارس النقد، لا كما تصفه الكتب والمقالات التي تحدثت عن ثقافته وأدبه، بل كما رأيت ذلك فعلاً: في حديث مباشر أولاً، ثم في مقالته الناقدة البصيرة، المهتمة بالتفاصيل الصغيرة.
توقف الأستاذ عند قِصَر فقرات الكتاب، وعند عناوينه، وعند طريقته في الانتقال السريع بين الأسئلة والأفكار، ورأى في ذلك أثراً للحاسوب والشبكة العنكبوتية. ولم يكتف بوصف الكتاب، بل حاول أن يضعه في سياقه الثقافي، وأن يفهم العلاقة بين شكله ومضمونه والمرحلة التي ظهر فيها. وفي ذلك شيء من الزيد نفسه: ناقد لا يقرأ النص منفصلاً عن زمنه، وشاعر لا يبدو بعيداً عن أسئلة عصره.
حين قرأ مقالة (لماذا أكتب)، توقف عندها وتساءل: لماذا لم يجعلها المؤلف مقدمة لكتابه؟ ثم تابع فكرة السؤال المتولد من السؤال، وقرأ عناوين الكتاب باعتبارها أبواباً لأسئلة أخرى. كان يبحث عن الفكرة الكامنة وراء البناء، وعن العلاقة بين طريقة الكتابة والرؤية التي تقف خلفها.
وقد لفتني، مرة أخرى بعد كل هذه السنوات، أنه لم يكن يقرأ الكتاب بحثاً عن مواطن الاتفاق معه أو الاختلاف، بل كان يحاول أن يفهم كيف كُتب، ولماذا كُتب بهذه الطريقة. وهذه، في ظني، إحدى علامات الناقد الجيد: أن يرى وراء النص نصاً آخر، هو طريقة تفكير صاحبه.
وللزيد تجربة شعرية مبكرة، كتب خلالها القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، وطور لغته ورؤيته عبر مراحل مختلفة. وقد لفتت تجربته انتباه دراسات نقدية وأكاديمية تناولت موسيقى شعره، وبعض سماته الأسلوبية، وكشفت عن عناية واضحة بالإيقاع والتفعيلات، وعن حضور القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة معاً في تجربته. بل إن عناوين دواوينه نفسها تستحق وقفة، فبعضها طويل ومركب، ويبدو أحياناً كأنه قصيدة قصيرة تسبق القصيدة: (من غربة الشكوى يسري كتاب الوجد يتلو سراج الروح)، و(مشرع برحيق الذهول يهطل الوجد بالمستحيل)، و(انبسطت أكف الرفاق.. بقي الجمر في قبضتي.. أغني وحيداً).
وهنا تظهر مفارقة جميلة، فالشاعر الذي كان يكتب عناوين طويلة مشحونة بالإيحاء، هو نفسه الناقد الذي التقط في (مراجعات الماشي) قيمة الاختصار والومضة والتكثيف، فكأنه استشرف أن الزمن القادم سيكون زمن الإيجاز: وهي بلا شك رؤية واسعة في معناها، مكثفة في حروفها وكلماتها. كما عرف أن الشكل ليس غلافاً خارجياً للنص، وأن الطريقة التي تقول بها شيئاً قد تكون جزءاً من الشيء نفسه.
وفي شعره يبرز عالم آخر: الوجد والفقد والشك والرجاء والانكسار، لكن اختزاله في الحزن وحده سيكون ظلماً لتجربته. في القصيدة التي حملت عنوان ديوانه (انبسطت أكف الرفاق.. بقي الجمر في قبضتي.. أغني وحيداً)، يتحرك الشاعر بين السؤال والذكرى والرجاء، ويجعل من الألم مادة لصناعة الصورة.
يقول:
(عن الشك.. يزرع صدري..
ويحصد صبري)
ليست المسألة هنا شكوى عابرة، بل إن الشك يتحول إلى شيء يُزرع في الصدر، ثم يأتي الصبر بوصفه محصولاً يُحصد. وفي هذه الصورة القصيرة شيء من طريقة الزيد في تحويل الحالة النفسية إلى صورة محسوسة. ثم لا تستقر القصيدة في العتمة، فثمة رجاء يتسلل إليها، وثمة شفاء ينتظر، وكأن الشاعر لا يكتب من داخل الانكسار ليقيم فيه، وإنما ليبحث عن منفذ منه. ولهذا أرى أن الفقد عند الزيد ليس نهاية الطريق، بل أحد الطرق التي تقوده إلى التأمل والرجاء.
ولم يكن الزيد بعيداً عن النقد، فقد كتب في النقد الأدبي التطبيقي، وتابع تجارب شعرية وأدبية مختلفة، ودخل في نقاشات حول الشعر والذائقة والقراءة. وربما لهذا تبدو مقالته عن (مراجعات الماشي) مختلفة عن مراجعة عابرة لكتاب، فهو لا يكتفي بأن يقول إن الكتاب جيد أو مختلف، وإنما يبحث عن منطقه الداخلي. وحين وصل إلى الومضات الأخيرة من الكتاب، اختزل التجربة في عبارته البالغة الدلالة: (اختصار المجلدات في فقرة، واختزال الفقرات في ومضة).
هذه الطريقة في القراءة تقول شيئاً مهماً عن عبدالله الزيد: كان مهتماً بتحولات الكتابة، ولم يكن ينظر إلى الأدب باعتباره قالباً ثابتاً. كان يرى أن تغير الزمن يؤدي إلى تغير في طرائق التعبير، وأن على الناقد أن ينتبه إلى ذلك. وقد يفسر هذا جانباً من تجربته الشعرية، فالزيد لم يكن شاعراً يعيش خارج تحولات القصيدة السعودية والعربية، وإنما كان حاضراً في زمن انتقلت فيه القصيدة من عمودها القديم إلى آفاق التفعيلة، ثم أخذت تتسع لتجارب أكثر حرية في اللغة والصورة والبناء. وقد تناولت قراءات نقدية مختلفة تجربته الشعرية وموسيقاها وتحولاتها بالدرس والتحليل.
ومع ذلك، ثمة سؤال يظل يلح بعد قراءة تجربته:
هل أخذ عبدالله الزيد حقه من القراءة؟
لا يعني السؤال أن الزيد كان شاعراً مغموراً في زمنه أو حتى بعد زمنه. فقد حضر في الصحافة والمشهد الثقافي، ونشر دواوينه، وشارك في الأمسيات والملتقيات، وكتب عنه عدد من النقاد والباحثين، وحصل على جائزة محمد حسن عواد للإبداع، وما زلنا نعود إلى بعض نتاجه الثقافي والإبداعي حتى اليوم. لكنه، في المقابل، لم يتحول إلى ذلك الاسم النقدي المستقر الذي تستقر تجربته في الذاكرة الأدبية كما استقرت تجارب بعض أبناء جيله.
ولعل المشكلة ليست في الشعر وحده. بعض الشعراء يحتاجون إلى ناقد كبير يقدم تجربتهم للقراء، وبعضهم تظل تجربته موزعة بين الصحافة والمنابر الثقافية والكتب المتفرقة، فلا تتكون حولها تلك القراءة النقدية المتراكمة التي تحول الشاعر من صاحب دواوين إلى ظاهرة أدبية. والزيد حالة تستحق التأمل. فقد كان شاعراً وناقداً ومذيعاً ومثقفاً، وربما أدى هذا التعدد نفسه إلى تشتيت صورته الأدبية. عرفه بعض الناس من صوته الإذاعي، وعرفه آخرون من شعره، وقرأه آخرون في مقالاته النقدية، بينما تحتاج التجربة الأدبية الكبيرة أحياناً إلى أن تجتمع هذه الخيوط كلها في صورة واحدة.
ولذلك فإن إعادة قراءة عبدالله الزيد اليوم لا ينبغي أن تكون محاولة لإلحاقه قسراً بقائمة شعراء كبار. وأؤمن، من خلال معرفتي به، لقاءً وقراءةً، أن مسألة التصدر والأولوية على غيره من الشعراء لم تكن تشغل باله كثيراً. كما أن قراءته اليوم ليست استدراكاً عاطفياً على مرحلة من تاريخ الأدب السعودي. بل لعل الأفضل أن نقرأه كما هو: شاعراً له لغته، وأسئلته، وموسيقاه، وانكساراته، ورؤيته، وأن نضع هذه العناصر في سياقها التاريخي والفني، ثم نترك للنص أن يقول كلمته.
وبالنسبة إليّ، كانت العودة إلى مقالته عن (مراجعات الماشي) مناسبة لهذا الغرض. ففي تلك المقالة كان الزيد يقرأ كتاباً يتحدث عن الأسئلة المتوالدة من الأسئلة. واليوم، ونحن نعيد قراءة الزيد، يبدو أننا نفعل شيئاً مشابهاً: نعيد طرح السؤال عنه كي يفتح لنا أسئلة أخرى.
كيف قرأ الزيد الشعر؟ وكيف كتب القصيدة؟ وكيف أثرت ثقافته الإعلامية في حسه اللغوي؟ وما الذي صنع ذلك التوتر بين الوجد والانكسار والرجاء في شعره؟ ولماذا بقيت تجربته أقل حضوراً في النقد مما تستحق؟
ربما لا تكون مهمة هذه المقالة الصغيرة أن تجيب عن كل هذه الأسئلة، بل يكفيها أن تجعلها أسئلة ممكنة. فبعض الشعراء لا يحتاجون إلى شهادة جديدة بقدر ما يحتاجون إلى قارئ جديد. وأحسب أن عبدالله الزيد واحد من هؤلاء.
لقد كتب الشعر، وكتب في النقد، وقرأ كتابات آخرين، وراجع كلماتهم، وترك وراءه دواوين وتجربة تمتد لعقود. وما ينقصه اليوم ليس مزيداً من عبارات الثناء، وإنما قراءة هادئة تعيد وضع شعره في مكانه، بعيداً عن ضجيج الأسماء وتقلبات المشاريع النقدية، وعن أحكام الذاكرة السريعة.
ولعل هذا هو أجمل ما يمكن أن يفعله قارئ متأخر لشاعر أكمل رسالته: ألا يكتفي بأن يقول إنه كان شاعراً جيداً، بل أن يعود إلى قصيدته ويسائلها مرة بعد مرة: ماذا بقي منك؟
وعندها فقط يمكن أن نعرف إن كان عبدالله الزيد قد غاب فعلاً، أم أن أدبه كان حاضراً في وعينا الجمعي طوال الوقت، ينتظر أن نعود إليه.
بالنسبة لي، كان حاضراً دوماً، وسيبقى طويلاً، ليس بشعره وفلسفته ونقده فقط، بل أيضاً بابتسامته الجميلة الوديعة، وصوته الإذاعي المتسامح، ودعوته المحفزة إلى أن أقرأ أكثر مما أكتب، وأن أحاول الفهم بعد أن أقرأ، وثقته الكبيرة في جيل قادم يحمل بعضاً من رسالته وهمومه بين الشعر والنقد والجمال. رحمه الله.

ذو صلة