مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

نوايا

أخذ يسرح شعره أمام المرآة، ويتذكر ما قاله له شيخ الجامع البارحة، وهو يمسح على رأسه: رأسك الآن يحمل منجماً ثميناً، فمن مسح عليه كانت له حسنات بعدد الشعرات التي تمر عليها كفّه.
أخذ يسرح بخياله ليرى الحسنات ككائن متشبث بكل شعرة من شعره ثم رآها تلتصق بالكف التي تمسحها!
تأمل تسريحته بإعجاب، مسح على شعره برفق حتى لا يفسده، نظر إلى كفه وابتسم.
أنهى فطوره على عجل، حمل حقيبته وانطلق إلى المدرسة بخطواتٍ تسابق بعضها، وقلبه يهفو إلى اللحظة التي سيذاع فيها اسمه الطالب المثالي بإجماع معلميه. رأى صعوده على المنصةِ، وسط التصفيق الحار، وهو يمضي منتصب القامة مرفوع الرأس.
وصل أخيراً، نبضات قلبه تتدافع كقطع دومينو كانت مرصوصة فسقط بعضها على الآخر.
وقف في منتصف الطابور كما يسمح له طوله، صدح اسمه في الساحة وسط التصفيق، وبدأ السير نحو المنصة، كلَّما مر بجانب معلمٍ أو معلمة، توقف عن التصفيق ومسح على رأسه، كان يسترق النظر إلى أكفهم كلما هوت على رأسه، شعر بثقلها على ظهره الذي أخذ في الانكماش.
عند آخر الصف، كان منافسه في الفصل يقف حانقاً وبجانبه والده يربِّت على كتفه، ويقترب من أذنه (يتيم).
مدَّ الوالد يده الأخرى لتلمس كفها جزءاً من شعره، التفت هذه المرة بوضوح ولم يرَ أي أثر!
صعد المنصة واثقاً من أن تسريحته المتقنة قد مُسحت.
بعد الظهر وقف أمام المرآة يسرح شعره، فبعد قليل سيصل مندوب الجمعية الخيرية، لم يطل التسريح هذه المرة لكنه اكتفى بترتيبه.
نصفُ ساعةٍ أثقلها سيلٌ من الأسئلة التي طرحها المندوب، كان آخرها عن عدد ملابسه الداخلية.
ثم نصف ساعةٍ أخرى حملت عبء اختيار زوايا الصور والتقاطها أثناء تسليمه مظروف قيمة الرعاية، والتي مسح المندوب على رأسه في معظمها.
كان ينظر إلى عقارب الساعة بقلق، خشية أن يفوته موعده مع البقال الذي وعد أن يجعله مساعداً له في فترةٍ مسائية مقابل بعض المؤن الغذائية الأساسية.
بالكاد وصل في الموعد بأنفاسٍ شبه مقطوعة، ابتسم البقال وهو يستقبله وناوله علبة عصيرٍ باردة، وطلب منه أن يلحقه بعد إكمالها ليريه طبيعة عمله.
انحصرت مهامه في ترتيب البضائع وتنظيفها، مهامٌ بسيطة وملائمة لقدرته الجسدية، بدأ بحماس بينما انشغل البقال بالزبائن، قضم العمل ساعتين من الزمن، ثم ثلاث، شعر بشيء من الإعياء فجلس بجانب بعض البضائع في المستودع الداخلي الصغير، دخل البقال فانتفض واقفاً تفادياً لأي ظنٍ بالتقصير، حاول تهدئته بكلماتٍ لطيفة، اقترب منه وبدأ بمديح صنيعه، مسح رأسه وهو يبتسم، ثم رحلت كفه نزولاً في أنحاء جسده، حتى استقرت بمسحاتها تحت ظهره، دفعه بقوة وفرَّ راكضاً يرتطم بالبضائع المرصوصة. ظلَّ يركض بلا وجهة والدمع يحفر وجنتيه، لمح لوحةً كُتب عليها (...للحلاقة).
وبدون تردد دخل وجلس على الكرسي قائلاً بصوتٍ مبحوح: حلاقة صفر!

ذو صلة