مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

هنـاك

جلستُ على حافة الرصيف عصراً، أشرب عصير القصب في كيس بلاستيكي، وأتأمل السماء، رأيتُ على الجانب الآخر من الرصيف، طفلة تبيع المناديل، لا أعلم ما الذي دفعني للنظر إليها مطولاً، ربما لأنها جميلة! مهفهفة بيضاء دُرِّية القُبل، شقراء ذات عينين زرقاوين وتبيع مناديل في الشارع! أو ربما فضول نسائي عادي! لدى أطفال الشوارع هدوء غريب، ذاك الهدوء الذي يشعرك كأنهم أبناء لحُكّام الدولة، لديهم رضا عجيب ومُحيّر في نظراتهم، أعجبتني جداً وأحزنتني جداً، دارت في عقلي فكرة أن أعرض عليها أن تأتي وتعيش معي، فأنا أسكن وحدي في المنفى بسبب الحرب ببيت مهجور في أطراف المدينة، نهضت من جلستي واشتريتُ عصير قصب في كيس آخر، توجهت نحوها جلستُ بقربها بهدوء دون أن أقول شيئاً، لم تعرني أي اهتمام، سألتها بعد لحظات من تأملي لها وهي تنهض وتلاحق المارّة بصندوق منديل:
- بكم المنديل يا حلوة؟
نظرت إليّ بعينيها الزرقاوين، فشعرت بشعور غريب، خجلتُ حقاً من جمال هذه الطفلة، أجابتني فور نظرتها إليّ، بصوت رقيق بلهجة بلدها:
- (بعشرة، دخيل الله خدي واحد)
عرفتُ مباشرة أنها من سوريا، بلعتُ كمية كبيرة من الهواء وقلت لها:
- طبعاً سأشتري يا حلوة، خذي هذه العشرة وأعطني واحداً.
رغم أني لا أملك إلا القليل أجنيه بعد مشقّة، ولكني لم أستطع منعها من هذه العشرة، مدّت إليّ المنديل، فلامست يدها يدي، يا ما أقساها من لحظة! كانت يدها خشنة، نعم خشنة كأنها يد رجل يعمل نجّاراً، رغم صغر سنها إلا أنني كنتُ أشعر بالخجل منها، سألتها وهي تطبق العشرة لتدخلها في حقيبة صغيرة بجوارها:
- ما اسمك يا حلوتي؟
مثلما سابقتها تنظر إليّ، ترعش جسدي ثم تجيب بلهجتها:
- (اسمي شام)
- ما أحلى الشام وشامها! أين تسكنين؟ وكم عمرك؟
- (عايشة مع بابا، عندي عشرة سنين)
لحظة قولها إنها تسكن مع والدها انزاحت عن ظهري جبال من الخوف والهم، ثم تبسمتُ بشفتيّ وقلت لها:
- لسوء حظي! أنا أعيش وحدي وكنتُ أرغب في اصطحابكِ معي، لحسن حظك أن لديك أباً.
فاجأتني بتنهيدات متتالية، وجلست بقربي ووجهها كحبّة طماطم، وعيناها منتفختان لدرجة أني شعرتُ بأنهما ستنفجران، خبأت وجهها خلف يدي وهي تضم ساقيها بيدها، شعرتُ لحظتها بخوف قطّع شرايين الدم التي توصل الأوكسجين لعقلي، توقّف عقلي تماماً عن التفكير، نهضتُ كروبوت آلي، وتركتُ جسدها يميل للهواء، سرتُ مبتعدة عنها، بعد أن وصلت للجهة الأخرى، أدرتُ رأسي لأراها مجدداً، ياللعجب! سرعان ما عادت لطبيعتها، وأخذت كيس عصير القصب الذي نسيته قربها وبدأت بشربه، عدتُ إلى البيت قبيل الغروب، وأنا مستلقية على سريري أنظر في السقف وأبكي من شدة التفكير، مرّ ليلي ثقيلاً، وفي الصباح الباكر قبيل الشروق وأنا في طريقي إلى المصنع حيث أعمل، مررت بالشارع الذي وجدت شام به، لكني لم أجدها، ربما لأن الوقت باكر، مرّت ساعات المصنع المؤلمة، وقبيل الغروب عدتُ بذات الشارع، وجدتها كما الأمس، اشتريت لي ولها عصير القصب في الكيس البلاستيكي، جلستُ قربها دون أي مشاعر من الأمس، أعطيتها العصير، رحّبت بي وكأنها لا تعرفني، سألتها وأنا أشرب من العصير:
- كيف الأسعار اليوم؟
وهي تحاول فتح كيس العصير دون أن ينسكب:
- (دخيل هالعيون السودا بعطيكي ياه بتسعة)
ضحكتُ حتى بصقتُ العصير من فمي وقلت لها:
- من أجل عيوني نزلتي السعر ديناراً واحداً، لا بأس، خذي هذه التسعة.
أخذت منها المنديل ووقفتُ لأغادر، إذا بها تمسك بيدي، بقبضة يد خشنة، لا أعلم لِمَ أشعر بالخوف كلما تلتصق بي هذه الطفلة، نظرتُ إليها وسحبتُ يدي منها بقوة، ثم قلت لها بارتباك:
- ما الأمر؟ ما بكِ؟ ماذا تريدين؟
- (خديني لعندِك بدي عيش معك)
صفعتها بقوة وقلت بصوت حاد:
- حمقاء! تهربين من والدك؟ لو عرفت معنى الغياب لما قلت هذا، أين هو الآن؟
بلا أي تعابير على وجهها المحمر من شدة الصفعة أشارت بيدها إلى بيت لونه أخضر وقالت لي:
- (هنيك)
- هناك؟!
- (إي)
لم تكن تقصد البيت، كانت تقصد سوريا.

ذو صلة