مجلة شهرية - العدد (602)  | نوفمبر 2026 م- جمادى الأولى 1448 هـ

أمي.. انظري إلى رسمتي!

- أمي.. انظري إلى رسمتي!
قالتها الطفلة ذات السنوات الخمس، وهي تقف بين ركبتي والدتها في عيادة الأسنان، كررَتْها أربع مرات أو خمساً، يفصل بين كل مرة وأخرى لحظات قصيرة، وكل مرة كانت الأم تنظر إلى الرسمة بدهشة مصطنَعة، وتبتسم ابتسامة دافئة، وتقول:
- الله، ما أجمل رسمتك! دعيني أخمِّن!
فتفرح الطفلة وتقفز بسعادة.
رأيتُ ذلك المشهد، وسرحتُ طويلاً.
كان ضرسي قد آلمني ذلك الصباح، ذلك الألم الذي يجعلك ترغب أن ترطم رأسك بالحائط، لذلك فقد حجزتُ موعداً لدى عيادة الأسنان وذهبت، ورأيت أم الطفلة ويبدو على وجهها الألم، كل حينٍ تُمسك جانب فكِّها بتوجُّع، وتُطلق آهةً صغيرة. ولكن ما إن تُريها الطفلة لوحتها حتى تتغيَّر ملامحها في ثانية واحدة، على نحو عجيب، وتبتسم بمرح وتداعب الصغيرة كأنَّ الألم لم يكُن. آلمني ذلك المشهد أكثر من ألم ضرسي، شعرتُ بأن الألم يخترق روحي، وبأنني أريد أن أخبط رأسي حقّاً في الحائط، ولكن تلك المرة عقاباً لنفسي.
وذلك لأنَّ أمي تحب الحكايات، أو لِنَقُل: تحب أنْ تعيد الحكايات، هي لديها بعض القصص التي حدثت لها في حياتها، وحَكَتها لنا أنا وإخوتي مراراً. فمثلاً: تحب حكاية تقدُّم أبي لخطبتها، وتوتُّره في ذلك اليوم، حتى إنه تعثَّر وهو يخرج من شقتهم، فسقط وكُسِرت نظَّارته.
تحكي أمي الحكاية للمرة المئة بشغفٍ حقيقي، وفي الوقفات نفسها، وفي توقيت الضحكات نفسه. في البداية، كانت القصة مُضحكة، لكن بعد المرة المئة تصير قصة عاديَّة، وربما مملَّة.
يتراءى لي الآنَ وجهُها آخر مرة حاولَت فيها أن تحكيها، كنتُ أعمل على اللاب توب على دراسة جديدة، وأرادتْ أمي أن تُعيد تلك الحكاية، فقاطعتُها بفظاظة في منتصفها وقلت:
- نعم نعم يا أمي، وتوتَّر أبي وهو خارج وتعثَّر وسقط مُكسِّراً نظارته.
دُهِشت أمي من فظاظتي، وابتسمَت بخجل ثم صمتت. وعدتُ أنا أكمل ما كنت أعمل عليه. هل اكتفيت بذلك؟
تكرَّر الأمر لاحقاً، مع حكاية خالتي أمل، حين كانت تلعب معهم لعبة الاختفاء، ودخلت واختبأت في دولاب ثم غلبها النعاس ونامت، وبحثوا عنها طويلاً ولم يجدوها، حتى نزلوا إلى الشارع يبحثون. ولم يعثروا عليها إلا عندما استيقظَت من النوم. حاولَت أمي سرد الحكاية للمرة الألف، وأنا في عجلة من أمري، ومتأخرة عن العمل، قلتُ لها بعجلة:
- لاحقاً يا أمي، لاحقاً.. سأكملها لكِ في الهاتف.
رأيتُ تعابير وجهها المصدوم نفسها، ولكني كنت متعجِّلة فانطلقتُ إلى عملي، غير مبالية بالأمر، ربما قلتُ لنفسي وقتها: إن أمي ستتفهَّم عجلتي.
عادت كل تلك المشاهد تدور في رأسي وأنا جالسة في العيادة، أراقب الأم والطفلة، وألم ضرسي يختفي، وألم روحي يزداد لحظةً بعد لحظة، لأن أمي كانت أفضل من تلك الأم، أقصد في حياتنا، كانت صبوراً، حنوناً، قويَّة، جبلاً شامخاً، ولكنه جبل من حنان. وأنا، ماذا فعلت في نفسي وفي أمي؟!
تذكرتُ كلَّ نظرات الانكسار على وجهها، كل مرة قابلتُ فيها حكاياتها بردِّ فعلٍ لم تتوقعه. عادت الذكريات ببطء شديد، وكأنَّ الزمن توقَّف، وكأنَّ الحياة قرَّرت أن تعيد المشاهد كشريط سينمائي في رأسي، ثم تُوقِف الشريط فجأة، وتُقرِّب وجه أمي، وأرى تعابيرها بصورة أكبر وأوضح. ووجدتُ دموعي تنساب دون وعي، وروحي تكاد تنشطر، وخرجتُ من العيادة دون أن أكشف، أهرول ثم أركض. استوقفتُ أول تاكسي، وأمرتُ السائق أن يُسرع نحو البيت، وكأنَّ الزمن ينفلت مني، وكأنَّ العالم سينهار بعد ثوانٍ، ووجه أمي الحزين ينقر رأسي كمطرقة تضرب بلا هوادة، وصدى صوت الطفلة يتردد في أذني:
- أمي.. انظري إلى رسمتي.
كم مرة قلت مثل هذه الجملة لأمي؟! بالطبع لن أتذكر، ولكن أمي تعرف. وأنا، ماذا أعرف؟ يا الله.. ما أشدَّ جهلي!
وصلتُ إلى البيت، صعدتُ الدرجَ راكضةً، عيناي حمراوان، والدموع لا تتوقَّف، كأنَّ بكاء سنواتٍ انطلق دفعةً واحدةً. فتحَت أمي الباب، فارتميتُ في حِضنها أبكي وأنهنه، بلا كلام. احتضنتني أمي مفجوعةً، وظنَّت أنَّ أمراً سيئاً قد حدث لي، ولم تكُن تعلم أن ما حدث كان أفضل ما حدث لي. طمأنتُها وأنا أنهنه وقلت لها بصوتٍ متكسر:
- أمي.. أنا في حاجة إلى حكاياتك، احكيها لي كلها، من فضلك.

ذو صلة