مجلة شهرية - العدد (601)  | أكتوبر 2026 م- ربيع الثاني 1448 هـ

باب لا يغلق

عادت الفتاة إلى قريتها بعد غياب تجاوز عشرين عاماً. لم تكن العودة بدافع الحنين كما ظن الجميع بل لإنهاء أمر ظل مؤجلاً سنوات طويلة: بيع البيت الذي ورثته عن أمها أمينة.
طوال الطريق الصاعد كانت الجبال تتعاقب أمامها ومدرّجاتها الخضراء تتشبّث بالمنحدرات. كلّما ارتفعت السيارة زحف الضباب على الطريق، وبدت أشجار اللوز تمدّ أغصانها العارية كأيد تشير إلى سماء لا يصلها أحد. وحدها هي تغيرت. كبرت وغادرت حتى أصبحت القرية حكاية بعيدة.
حين وصلت كان المساء يهبط على الوادي. رأت البيت من بعيد. حجري على طرف المنحدر كأنه جزء من الجبل، والباب الخشبي العتيق في مكانه كما تركته الذاكرة. دفعته برفق. صدر صرير خافت وتوقف نصف مفتوح. ابتسمت دون أن تدري لماذا. كان الباب يفعل ذلك دائماً. لا يُغلق تماماً ولا يُفتح تماماً، كأنه متردد بين البقاء والرحيل.
استقبلتها رائحة الحجر البارد، والخشب القديم، والسنوات المنسيّة. غرف شبه خالية، وأثاث متآكل، وسجادة باهتة اللون. وضعت حقيبتها وجلست في المجلس.
كيف يمكن لمكان شهد طفولتك كلّها أن يبدو بعيداً إلى هذا الحد؟
في الصباح بدأت فرز محتويات البيت استعداداً للبيع. لكن الأشياء القديمة لا تعرف البساطة، كل غرض كان يحمل ظل حكاية.
خرجت إلى الفناء لتستريح. بجوار الجدار الحجري وقفت شجرة رمان قديمة لا تزال تحمل ثماراً متشققة تكشف عن حباتها الحمراء، كأنها وحدها من قرر ألا يُخفي ما في داخله. تذكرت أن أمها هي التي زرعتها. وبالقرب من الشجرة رأت امرأة مسنّة تتكئ على عصا وتسير ببطء. اقتربت منها. حين عرّفت نفسها اتسعت عينا العجوز:
أنتِ ابنة أمينة؟
هزت رأسها.
أنا شمسة. كنت أقرب الناس إلى أمك. رحمها الله، كانت من أجمل الناس قلباً.
جلستا على العتبة الحجرية. صمتت شمسة لحظة ثم قالت:
جئتِ لتبيعي البيت؟
لم تجب الفتاة. فأكملت شمسة:
أمك كانت تجلس معي هنا بعد أن ينام الجميع. تقول لي أشياء ما قالتها لأحد غيري.
نظرت إليها الفتاة باستغراب. فتابعت شمسة:
كانت تقول: (يا شمسة، أحياناً أتساءل كيف تبدو المدن التي أسمع عنها؟ كيف يبدو البحر عند الفجر؟ وكيف يشعر الإنسان حين يسير في مكان لا يعرفه أحد فيه)؟
لم يسبق أن سمعت أمها تتحدث عن السفر. كانت تظنها لم ترغب يوماً بمغادرة القرية.
ابتسمت شمسة وأكملت:
وكانت تقول: (الصمت في آخر الليل يمنحني أعماراً إضافية. أسافر فيه إلى أماكن لم أرها، وأعيش حياة ثانية لا يعرفها أحد).
كانت أمها في نظر الجميع امرأة بسيطة لا تتجاوز اهتماماتها حدود البيت. لكن المرأة التي تصفها شمسة كانت مختلفة. امرأة تملك عالماً لم يره أحد.
سألت: وماذا أيضاً؟
نظرت شمسة إلى شجرة الرمان وقالت بصوت يشبه الحكاية:
أمك كانت مثل تلك الشجرة. من بعيد لا ترى إلا أغصاناً وأوراقاً. لكن من يقترب يجد بداخلها ما لا تتوقعه.
صمتت لحظة ثم أكملت:
كانت تحلم أن تتعلم، وتقول: (لو أن أحداً علمني القراءة والكتابة يا شمسة، لكتبت كل ما في داخلي). وكانت تخشى أن تمضي الحياة كلها دون أن يعرفها أحد كما هي حقاً.
ثمّ قالت بصوت منخفض:
وذات ليلة قالت لي شيئاً لم أنسه. قالت: «أحب أبنائي أكثر مما أحب نفسي. لكنني أخشى أن ينسوا أنني كنتُ إنسانة قبل أن أصبح أماً. كان لي قلب خاص بي قبل أن أصبح مسؤولة عن قلوب الآخرين.
للمرة الأولى أدركت الفتاة أن أمها لم تكن مجرد أم. كانت امرأة كاملة لها رغباتها وخيباتها وأحلامها المؤجلة. كانت حياة كاملة تسير إلى جوار حياتهم دون أن ينتبهوا إليها.
سألتها بصوت مرتجف:
لماذا لم تخبرني بكل هذا من قبل؟
أجابت شمسة ببساطة:
لم تأتِ من قبل.
صمتت لحظة ثمّ أضافت:
قبل أن تمرض أمّك بسنوات، جاءتني ذات مساء وقالت: «يا شمسة، ابنتي بعيدة وربما ستعود يوماً بعد رحيلي. إن جاءت وأرادت بيع البيت فقولي لها:
(لا أريدها أن تشعر بالذنب. البيوت لا تستحق أن تُحبس فيها الحياة. إن كان بيع البيت يمنحها بداية جديدة فلتفعل. وإن كان بقاؤه يمنح شيئاً جميلاً لمن بعدها فلتُبقِه. لا تختاري بدافع الحزن ولا الواجب. اختاري بدافع المحبّة. فهناك فرق بين من يحتفظ بشيء لأنه لا يستطيع وداعه، ومن يحتفظ به لأنه مازال قادراً على منحه معنى).
كانت أمينة تمنحها الحرية كاملة حتى بعد الرحيل.
لم تطلب منها الاحتفاظ بالبيت ولم تطلب بيعه. تركت لها القرار وتركت معه السؤال الأصعب: ما المعنى الذي يمكن أن يبقى هنا؟
سألت الفتاة:
وذلك الباب، لماذا كانت أمي تتركه مفتوحاً دائماً؟
ضحكت شمسة بهدوء:
كنت أسألها ذلك، فتقول: (لا أحبّ أن يعود أحد فلا يجد طريقه).
كانت تؤمن أن الإنسان يحتاج إلى باب مفتوح كحاجته إلى جدار يحميه.
في تلك الليلة لم تنم. تجولت بين الغرف تلمس الجدران الحجرية وتنظر من النوافذ الصغيرة نحو الوادي المعتم. ثمّ خطرت لها فكرة جعلت قلبها يخفق بقوّة.
البيت ليس مجرد ذكرى عائلية، بل جزء من ذاكرة المكان كله. كم امرأة في هذه القرى حملت حلماً مؤجّلاً كما حملته أمينة؟ كم إنسان أخفى ما في داخله ولم يجد من يصغي إليه؟ ولماذا يبقى هذا البيت مغلقاً بينما يمكن أن يفتح أبوابه لقصص أخرى؟
في الصباح وصل المشتري ومعه الأوراق. جلس أمامها ووضع الملف على الطاولة وقال مبتسماً:
لم يبق إلا التوقيع.
نظرت إلى الأوراق. ثم إلى القلم. ثم إلى الباب. كان مفتوحاً تداعب الريح طرفه الخشبي.
تذكرت أمينة. وحكايات شمسة. وتلك العبارة:
(الإنسان يحتاج إلى باب مفتوح كحاجته إلى جدار يحميه).
وقفت. ثم أغلقت الملف.
هل هناك مشكلة؟
ابتسمت:
لا مشكلة. لكنني غيرت رأيي. لن أبيع.
نظر إليها لحظة دون أن يفهم. ساد الصمت. ثم قالت:
هذا البيت سيبقى، لكن ليس كما كان. سأجعله مكاناً للحكايات، مجلساً تأتي إليه نساء القرية ليروين ويسمعن، مكاناً لكل حلم لم يجد من يصغي إليه، ولكل صوت ظل حبيساً سنوات طويلة.
غادر الرجل.
خرجت الفتاة إلى العتبة. كانت الشمس تميل نحو الغروب والجبال تكتسي لوناً ذهبياً هادئاً. نظرت إلى شجرة الرمّان فرأت ثمرة واحدة قد انفتحت بالكامل، حبّاتها تلمع تحت الضوء الأخير كأنها قلب أمينة وقد كشف أخيراً عما كان يخفيه.
فكرت أن تغلق الباب. لكنها تراجعت.
بقي مفتوحاً، على الوادي، وعلى الحكايات القادمة، وعلى أحلام لم تولد بعد.
عندها فقط فهمت ما كانت أمينة تعرفه منذ زمن بعيد:
ثمّة أبواب لم تخلق لتغلق، بل خُلقت لتمنح العابرين فرصة أخرى للعودة. وبعضها يظل مفتوحاً، لأن الحياة نفسها لا تتوقف عن الطرق.

ذو صلة