- ماذا ترين في هذا الأفق؟
- أرى أحلامي الضائعة التائهة التي انفلتت مني وهربت بعيداً. لا أستطيع اللحاق بها.
- وأحلامكِ اليوم؟
- هزيلة. حتى أحلام يقظتي تتلكّأ ولا تريدُ رسمَ خيالاتٍ لها. أحلامي اليوم صارمة ومنطقيّة جداً.
- من ماذا تشتكين؟
- من الجوع، من الفقد، من الحنين لشيءٍ لا أعرفه، ولأشياء كثيرة، أحِنُّ إلى البكاء دون أن يتألّم قلبي، بكاء فتاةٍ صغيرة. أشتكي من الكلمات التي أتكلّم بها، فأنا لا أريد أن أتكلم. أريد الصمت الذي يلفني.
- كم يطولُ صمتكِ لو شئتِ؟
- أيام، أسبوع كامل، أريد الصمت أسبوعاً كاملاً. أريد نسيان صوتي وجعله بعيداً، أُبْدِلُهُ بالهمس، بالكلمات القصيرة المقتضبة.
- هل يعود الأمس الجميل؟
- لا يعودُ الأمسُ إلا بالذكريات. بالترنّمات التي تأخذنا إلى اللحظات التي لم نكن لننساها ولن ننساها. بالحكايات التي تجلب الحكايات، وتستجلب الذكريات التي نسيناها. حينها تبدو البسمات والضحكات الواسعة. تخرج من صدورنا مترعة بالجمال. تغسل قلوبنا مما قد اعتراها.
- هل تحبين الأمس؟
- لا أعرف
***
هطلتْ دمعة من عينيها، كأنها لم تَحِنْ إلا الآن، دمعة واحدة ممتلئة كافية لتكسير صوتها، وتبديل ملامح وجهها. ملأتْ قلبي رقّةً وحناناً عليها. أسدلتْ ستار وجهها بيديها، تكفكف الدمعَ، وتواري حزنها الذي يزداد مَدُّه، وكلّ السواحل لا تكفي لاحتوائه.
حاولتُ الهروبَ، رمقتني بنظرةٍ من بين أصابعها المبلّلة. نظرةُ ريبة وعتابٍ، وكادت تصلَ إلى الاستحقار لولا تداركي للأمر.
جلستُ أمامها مُطرِقاً شاخصاً، خاشعاً متبرِّماً أمام حزنها الكبير. كانت أسئلتي لتزجية الوقت. وأصبحت وبالاً عليّ. افتتنتُ في البداية بفرادة الإجابات.
قالت لي من بين حزنها: أراكَ تلوم نفسك؟ وتلوم سؤالاتك التي أبديتها؟ لا تقلق.
نأيتَ عنّي بعيداً لأوّلِ حزنٍ تراه في عيني. حزن الذكريات والأيام والمستقبل. وحزن الوجود الذي نرتضيه لأنفسنا مع حمدنا وشكرنا لله، ورضانا غير المنقطع. حزننا ينصلحُ بالإيمان الذي يهذِّبه ويسيّره السيرة الحسنة. (وأفوِّضُ أمري إلى الله).
ما لك تنظر إليَّ هكذا؟ القرآن هو بلسم الروح. حزني سينحسر، ومداراته ستتوقف. وقلبي سيتبسّم بملء أشجانه، دموعي الساخنة ستصبح باردة، سينشرح صدري، وأشواقي للأيام القادمة لن تنتهي، وأريدُ ملأها بكل ما قد يكون حسناً.
قلتُ لها: سؤالٌ أخير
ابتسمت وغطّت وجهها ممتنعة.