مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

قصر غياض في حائل إعــادة تصــور الذاكرة التراثيــة بالذكاء الاصطناعي التوليدي

يأتي قرار مجلس الوزراء السعودي بالموافقة على تسمية عام 2026 م بعام (الذكاء الاصطناعي)؛ امتداداً لجهود المملكة في تعزيزها عدداً من المجالات المختلفة.
والعالم يشهد في الوقت الحالي تحولاً مُتسارعاً بفعل التقنيات الحديثة التي أصبحت حاضرة في مختلف المجالات، ولم تعد مقتصرة على المجالات العلمية والتقنية فقط، بل امتدت إلى مجالات إنسانية وثقافية عدة، كالتاريخ والتراث والسياحة؛ إذ إنها فتحت آفاقاً واسعة في توثيق التاريخ وحفظ التراث الوطني وإعادة تقديمه بأساليب بصرية مُلفتة ومبتكرة تواكب الأجيال الجديدة.
يعتقد البعض أن الذكاء الاصطناعي قد يُغير بعض الحقائق التاريخية، وربما قد يحل محل المصادر الأصلية الموثوقة من شهود العيان؛ لكن الحقيقة هي أن الذكاء الاصطناعي يعد أداة مُساندة للباحثين والمهتمين في مجال التاريخ والتراث، فهو يمنحهم أدوات عدة لاستحضار المشاهد التاريخية بصرياً من خلال التصورات. لذلك فإن إعادة تقديم المشاهد التاريخية باستخدام الذكاء الاصطناعي لا يعني استبدال الحقيقة أو تغييرها، بل إضافة تقنية جديدة لإبقاء الموروث حياً في ذاكرة الشعوب، يُروى للأجيال القادمة من خلال إعادة تصوره عبر الوسائل التقنية الحديثة، وكذلك يساعد في حفظ الذاكرة التاريخية والتراثية وترسيخها.
ويمثل (قصر غياض) نموذجاً غنياً لهذا التفاعل بين التاريخ والتقنية؛ إذ ترتبط به ذاكرة محلية تحمل قيمة ثقافية واجتماعية في المنطقة. ويمكن من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي إعادة تصور المشهد المرتبط بالمكان، مما يُسهم في إبراز قيمة الموقع وتعزيز حضوره الثقافي والسياحي.
***
يقع قصر غياض في قلب مدينة قفار الواقعة في سفح أجا الشرقي في منطقة حائل في المملكة العربية السعودية، ويعد معلماً معمارياً يحمل في تفاصيله ذاكرة مكانية مرتبطة بفترة تاريخية مهمة من عصر الدولة السعودية الأولى. ترتبط ذاكرة القصر حسب الروايات المحلية بتصدي أهالي قفار لحملات إبراهيم باشا آنذاك عقب سقوط الدرعية في سنة 1233هـ/ 1818م.
فبعد انتهاء الحملات التركية على الدرعية، اتجهت أنظارهم إلى بقية المراكز المجاورة، فكانت مدينة قفار واحدة من تلك المراكز المستهدفة.
تقدم الجيش التركي إلى مدينة قفار، وكان أهالي قفار يعلمون عن التحركات التركية القادمة إليهم، فنزل الأهالي لاستكمال بناء القصر، وهم على علمٍ تام بأن الجيش التركي سيرسل لهم جواسيس يترقبونهم أثناء العمل، لذلك أخذوا الحيطة والحذر.
وخلال عملية بناء القصر تجسدت روح التعاون والتكاتف بين الأهالي في تشييد الصرح الطيني، فكانت أهازيج البناء الشعبية حاضرة لتحفيز العاملين في حمل اللبن والطين، ومنها:
(عدّوا لبن عدّوا طين)
كرر الأهالي هذه الأهزوجة أثناء بنائهم، حتى قدم إليهم الجاسوس التركي فتنادوا جميعاً بهذه الصيحة:
(عدّوا لبن عدّوا طين
عدّوا حدا الرجاجيل)
(إعادة تصور بصري مستوحى من الروايات المحلية المرتبطة بقصر غياض، الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي التوليدي ليست حقيقية)
وتذكر الروايات المحلية، أن الأهالي تمكنوا من القبض على واحد من الجواسيس المُرسلين من قبل الجيوش التركية، فوضعوه على جدران القصر وبنوا فوقه الطين واللبن، ولا تزال آثار عظامه موجودة في القصر حتى الوقت الحالي، وتركوا الجاسوس الآخر يهرب حتى يُخبر الجيش بما حدث، فاضطر الجيش التركي إلى الفرار بعد أن رأى ثبات أهالي قفار وتفوقهم على الحملة التركية، والقدرة على التصدي لها بكل قوة.
ومع تطور التقنيات الحديثة، لم يعد دور التراث مقتصراً على حفظ الماضي فقط، بل أصبح يقوم بتقديمه بأساليب تفاعلية تتوافق مع الأجيال الجديدة، فجيل المستقبل لا يقرأ الحدث والبطولات فقط، بل يتفاعل معها ويعيش التجربة حتى تتضح بصورة أقرب إلى الإدراك.
وتبرز أهمية ذلك مع ما تشهده منطقة حائل من حراك سياحي واعد، ولما تمتلكه من مقومات تاريخية وثقافية وتراثية، تستوجب في هذا الوقت إعادة تقديم الروايات التاريخية الواقعة في المنطقة بأساليب مبتكرة عبر الذكاء الاصطناعي، مثل: إنشاء نماذج رقمية لأبرز المواقع التاريخية، وتطوير تجارب الواقع الافتراضي، وإعادة تصور المشاهد المرتبطة بالروايات المحلية عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي.
ومن هنا يمكن النظر إلى قصر غياض بوصفه أكثر من مجرد موقع ارتبط بواقعة تاريخية، فهو يمثل فرصة ثقافية وسياحية يمكن استثمارها مستقبلاً لتقديم تجربة تفاعلية تجمع بين المكان والرواية التاريخية والتقنية الحديثة. فالعلاقة بين التاريخ والتراث والتقنية ليست ترفيهية فحسب، بل هي وسيلة لإعادة الموروث الثقافي الأصيل، وحفظه للأجيال الجديدة بوسائل متعددة.
رؤية مستقبلية لتجربة تفاعلية
إن توظيف تقنيات الواقع الممتد لإحياء الذاكرة التراثية يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة العربية السعودية 2030 م التي تؤكد أهمية المحافظة على التاريخ والتراث الوطني ودعم السياحة الثقافية، والاستفادة من تلك التقنيات بتقديم أفضل التجارب.
فالقيمة الحقيقية لقصر غياض لا تكمن بكونه مجرد مبنى طيني فحسب، بل يعد شاهداً تاريخياً يحمل قيمة وطنية وحضارية تستحق العناية والتوثيق، إذ تختزن بين جدرانه الطينية ذاكرةً حافلة بمعاني الشجاعة والقوة والإخلاص، ويجسد في تفاصيله إرثاً تاريخياً لرجالٍ دافعوا عن أرضهم. رحل الرجال وبقي الأثر شاهداً على قصصهم، تتناقله الأجيال جيلاً بعد جيل.

ذو صلة