من وجهة نظر فلسفية لماذا يصنع البشر الفن؟ أو لماذا يستمتعون به؟ ماهو المغزى من صناعته؟
ينطلق هذا المقال من نص قصير للكاتب والناقد الإنجليزي كلايف بِل الذي يصف فيه أعمال الفنان الفرنسي (بول سيزان): «لم يكن هم سيزان الحقيقي في حياته هو أن يصنع لوحات، بل أن يصنع خَلاصه».
تبدو كلمة (الخلاص) في هذا النص كلمة واسعة متشعبة، تنطلق من نقطة داخل النفس البشرية، القلقة دائماً بالبحث والتقصي عن الأجوبة وعن حلول لأزماتها. لا يمكننا وضع إجابة واحدة لفكرة كهذه يعتبر السؤال فيها فلسفياً؛ لذا فالإجابات ستكون نسبية ومتفاوتة، تنطلق معظمها من التجربة الفنية في الحياة، سواء بالنظر للفن منذ النشأة أو تعلمه لاحقاً، أو حتى ممارسته وتأثير البيئة والحقبة الزمنية والتطورات الاجتماعية والعلمية.
فالفن هو تعبير عن أشياء لا تستطيع اللغة المنطوقة أو المكتوبة التعبير عنها، لذا نستخدم الفن في محاولة لفهم العالم من حولنا، أو فهم عالمنا الداخلي أو علاقتنا مع الأشياء والبشر والأحداث من حولنا.
ومن وجهة النظر الخاصة؛ يعد الفن انعكاساً هائلاً لأقوى طريقة يمكن أن يعمل بها العقل والعاطفة البشرية معاً، حيث أن التعبير عن المشاعر هي آلية معقدة لا يمكن للكلمات التقاطها، بينما تتخطى العناصر الفنية المرئية، (الفن المتحرك أو التشكيلي مثلاً أو المسرحي)، أو المسموعة (كالموسيقى)؛ هذا التعقيد العاطفي الدقيق، وتفتح الباب على التأويلات الكثيرة.
هكذا يجعلنا الفن نستكشف الأشياء من حولنا، بالنظر إلى أدق تفاصيلها، نبدأ الفن بالعادة ونحن غير واثقين مما سنصل إليه، وننتهي بنتيجة غير متوقعة، وأحياناً غير ذات صلة بما بدأناه. وينطبق هذا الوصف على المتلقي والممارس له في آن معاً، وهذا هو أحد أسباب المتعة في الفن، النظر له بأنه نوع من المغامرة.
إن أكبر مثال ودليل على هذه المغامرة غير المتوقعة هو راصد الفن التشكيلي عبر التاريخ، إذ بدأ من رصد واقع الإنسان وحياته، ووصل حتى الآن إلى رصد حقيقته وجوهره، عبر أساليب غريبة ومبتكرة، تركز على فلسفة الفكرة أكثر من تركيزها على الشكل العام للعمل.
يقول أحد ممارسي الموسيقى: شعرت دائماً أن الموسيقى أعطتني وسيلة للتعبير عما هو حقيقي بالنسبة لي، والذي وصل إلى ما هو أبعد من اللغة. وقد افترض علماء النفس أن قيمة الفن تقاس تبعاً لمقدار ما يحركه داخلنا أو نشعر به إزاء رؤيته أو ممارسته.
ولأننا في هذه الورقة القصيرة نشير فقط إلى الاستمتاع بالفن، دون الخوض في قيمته أو ماهيته، إلا فيما يمس أو يخص هذا التوجه؛ سنقول إنه من الممكن أن نستمتع بقطعة موسيقية أو أدبية، ويكون لها تأثير كبير علينا؛ بكونها تمس جزءاً من واقعنا، أو تلامس حياتنا أو ذكرياتنا؛ ولكنها ربما لا تكون من وجهة نظر نقدية أو أكاديمية عملاً فنياً جيداً.
أذكر هنا عملاً أدبياً كان من أكثر الكتب شهرة ومبيعاً في القرن التاسع عشر، بعد الكتاب المقدس؛ وهو رواية (كوخ العم توم) 1852 للكاتبة الأمريكية (هيرييت بيتشر)، ويقال إنه بيع منه 300,000 نسخة في الولايات المتحدة فقط، بينما بيعت مليون نسخة في بريطانيا، وينسب له الأثر في تأجيج الوعي ومناهضة العبودية، ومن ثم قيام الحرب الأهلية الأمريكية. ويقال إن تأثير هذه الرواية يُعزى إلى كلمات أبراهام لنكولن التي قيلت عندما اجتمع مع هيرييت ستو في البيت الأبيض في بداية الحرب الأهلية، حيث قال مازحاً: «إذن هذه السيدة الصغيرة هي المسؤولة عن هذه الحرب الكبيرة». ويعود سبب شهرة الرواية وانتشارها إلى أنها تحاكي صميم الواقع الذي عمّ الولايات المتحدة في ذلك الوقت، بما فيه من استعباد ومتاجرة بالعبيد، وقد شغلت هذه القضية جزءاً كبيراً من الحياة في ذلك القرن. ومع هذا التأثير الواسع فقد تحولت الرواية لعرض مسرحي وأعمال نحتية، وربما صور نمطية لشخصيات سينمائية، وأخرى تصويرية مثل المربية (مامي). وبالرغم من ذلك فقد طالها بعض المراجعات النقدية السلبية.
على الصعيد السينمائي هناك أفلام كثيرة أثرت على المجتمع، وأدت لتغيير القوانين السائدة وقتها، سنذكر منها أحد الأفلام من ذاكرة السينما المصرية، والذي يعده النقاد المصريون من بين أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية؛ وهو فيلم (جعلوني مجرماً) 1954، من بطولة فريد شوقي ويحيى شاهين وهدى سلطان، ومن إخراج عاطف سالم، وسيناريو نجيب محفوظ.
وهذا الفيلم مأخوذ عن قصة حقيقية، قدمها فريد شوقي عن أحد الأطفال بالإصلاحية، وقد كان شقيقه الضابط أحمد شوقي مأموراً عليها، وقد صدر عقب عرض هذا الفيلم قانون مصري ينص على (الإعفاء من السبقة الأولى في الصحيفة الجنائية)، حتى يتمكن المخطئ من بدء حياة جديدة.
وفي الموسيقى التي تلعب دوراً مهماً في تاريخ البشرية، منذ أقدم الحضارات، وقد استخدمت لأغراض متنوعة، بما في ذلك الاستمتاع والترفيه والطقوس الدينية والتواصل والتماسك الاجتماعي، وهي أيضاً أداة قوية وسريعة الانتشار في فرض التغيير الاجتماعي والاحتجاج؛ نستحضر منها موسيقى البوب التي اشتهر بها في الثمانينات الفنان (مايكل جاكسون)، وموسيقى الروك التي يرى بعض المؤرخين أنها نشأت على أيدي السود في الأربعينات، وكانت تسمى (موسيقى السود)، وهي مزيج من موسيقاهم وآلاتهم الإيقاعية، مثل موسيقى (البلوز والكانتري)، تتولد من هجين موسيقي يعتمد على ثلاث آلات موسيقية إيقاعية، هي: (الغيتار الكهربائي والدرمز والغيتار الكلاسيكي)، وقد أثر في جيلها طبيعتهم الخارجة من حرب عالمية، واشتهر بها في الخمسينات المغني (ألفيس برسلي)، ورغم انحسار موسيقى الروك في نهاية الخمسينات إلا أنها بقيت مثالاً لحركة فكرية فنية أدت إلى تطوير الأساليب الموسيقية وامتزاجها.
الشاهد على تكون هذه الأنواع من الموسيقى هي الرغبة بالتعبير أو الاحتجاج على الواقع المعاش. وكان انتشارها تابعاً لهذا النوع من التغيير والتعبير المتوافق مع الحياة والمجتمع وقتها.
من الأمثلة المعاصرة في سياق الإبداع البصري المفاهيمي أيضاً؛ أستحضر الفنانة الإيرانية الأمريكية (شيرين نشأت) التي تبدع صوراً فوتوغرافية بالأبيض والأسود في مجموعتها (نساء الله)، توظف فيها نصوص مسربلة على القسمات والأكف على النساء، بعضها موشومة على بواطن القدم، لنصوص مأخوذة من القصائد الفارسية الملحمية شاهنامة (كتاب الملوك)، وتروي في معظمها حكايا بعض النساء التي تدور حول القضايا السياسية والدينية في العالم الإسلامي، متخذة الجسد بأنه معطى أثروبولوجي سياسي وديني يشي بنوع من القدسية في تغطيته بالعباءة السوداء.
في النهاية
إن فكرة أنك يجب أن تكون متطوراً أو واسع المعرفة حتى تتمكن من تقدير الفنون والاستمتاع بها بأنواعها؛ هي فكرة خاطئة، فلا يحتاج الاستمتاع بالفن حقاً إلى كل تلك المعرفة، فبإمكاننا أن نستمتع بالفنون بدونها، وبإمكان الفهم أن يكون فعلاً تراكمياً تصقله كثرة الاستماع أو القراءة أو النظر، ويأتي مع كل ذلك التساؤل، وأحياناً قلة المعرفة عن العمل الفني؛ فربما ستسمح لك بحرية الاستمتاع أكثر وفق طريقتك الخاصة وأفكارك، وفي الحقيقة ربما يوقظ العمل الفني ذكرى منسية منذ فترة طويلة، أو سوف يغمرك شعور عاطفي قوي. وقد يحرك تشغيل فيلم في رأسك فكرة مشهد رسمه فنان. قد يكون هناك انجذاب قوي للأشكال والألوان التي لا يمكنك تفسيرها وتجدها رائعة. قد تشعر بالإلهام لتجربة شيء جديد عندما تغادر، أو قد تشعر بالرغبة العارمة في الاتصال بصديق لمشاركة الوقت الرائع الذي قضيته. قد ترغب في مشاركة أغنية أو مقطع موسيقي أو حتى تجربة حضور مسرحية. الحقيقة العظيمة هي أننا عندما نسمح لأنفسنا بتجربة الفن دون عبء آراء أي شخص آخر، بما في ذلك آرائنا؛ فإننا في النهاية سنشعر وكأننا صديق جيد لأنفسنا.
وننتهي بأننا هنا أيضاً نقتسم جزءاً من الفن، وسنخرج من هنا ربما محملين بالفراغات التي امتلأت بالتساؤلات الجديدة، وعندها ربما سنكتب من جديد أو نبحث ونقرأ أو نستمع لمقطوعة موسيقية أو ربما نخط بالقلم أو الألوان رسماً ما.