مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

الحوار في رواية المواقف الفكاهية الساخرة

الرواية العربية المعاصرة في نماذجها القليلة التي حاولت التجديد، هي الروايات التي حاولت التخلي النسبي عن العناصر أو الأعمدة التقليدية للرواية مثل: الوصف الطويل، والحبكة التقليدية، والكتابة السردية الإنشائية والتفسيرية، واستبدلتها بعناصر حيوية حديثة مثل: المشاهد المتتالية، التي تفتح أفق النص على التخييل الذاتي وفن الذاكرة، وخصوصية المكان والمشاعر النفسية العميقة للشخصيات، واللغة البسيطة دون تكلف لغة البلاغة، والحوار الحيوي الذي يثري ويكشف موضوعات ومشاهد الرواية.
والحوار المقصود هو حوار المشاهد الذي يثري الرواية وليس الحوار الآلي القصير، الحوار جوهر حياتنا اليومية، حوار فيه فكاهة ساخرة داخل المواقف الجادة، يغني وينوع في مشاهد الرواية، ويعطى حيوية وقيمة ومعنى جديداً لهذه الرواية المعاصرة التي تحاول التجديد والإبداع، وهو الذي يطرح أسئلة الرواية وأفكارها وهمومها ويكشف مستواها وقيمتها، ويعد ركيزة أساسية من أعمدة الرواية الحديثة، حتى لو تمسكت بالحبكة التقليدية المعروفة، باعتبار أن حياتنا اليومية بشكل عام هي في طبيعتها ومواقفها وحكاياتها ومشاهدها تنهض على الحوار المباشر بين الناس، وهذا يعني تلقائياً أن فن كتابة القصة والرواية، يفترض أن ينهض على الأعمدة الأدبية الرفيعة لهذا الحوار، رواية دون حوار مثل حياة خاملة دون حياة، مثل حكاية مليئة بالوصف والسرد الإنشائي المتتالي والشرح والتفسير التقليدي، وشخصيات رواية دون حوارات حيوية مباشرة، سوف تتحول إلى ما يشبه جثث متحركة اخترعها الكاتب وحركها بصمت مثل دمى في المكان والزمان، والمواقف الفكاهية الساخرة نجدها دائماً، في أحداث ومواقف وقضايا كثير من العلاقات البشرية في تفاصيل حياتنا اليومية، حتى في ذروة جديتها وغضبها، وهذا ما يمنح الحياة حيوية ومرحاً يكسر حدة الجدية والصرامة. وهذا الحوار يعد تقنية حديثة في الرواية تكشف مستوى النص ومستوى اللغة.
ومثل هذه الحوارات الفكاهية الساخرة تكاد أن تكون مفقودة في الرواية العربية والسعودية في الغالب، ورواية الحياة الأصيلة والحديثة في جوهرها الممتع وحقيقتها المبدعة، هي عبارة عن حوارات بين بشر نعرفهم، حوارات تكشف ما وراء الحكاية وما وراء المواقف، وتكشف أسئلة وهواجس وتأملات شخوص وموضوعات وأفكار الرواية، والرواية الحديثة تجاوزت مهمة أن تكون مجرد وصف وسرد إنشائي، أو أن تكون مجرد حكي وحبكة تقليدية تحاول التشويق والإثارة، أو تدور حول مغزى أو هدف مسبق، يغلق أفقها المفتوح ويعيق أسئلتها الفلسفية والتأملية.
وجود المواقف والحوارات الفكاهية الساخرة في الرواية لا يقلل من جديتها، ولكنه يقلل من الاسترسال الإنشائي، ويضفي عليها روحاً إنسانية طبيعية وعفوية مرحة، تكشف طبيعة جوهر العلاقات البشرية، التي لا تخلو من هذه السمات في واقعها وفي تفاصيل حياتنا اليومية وعلاقاتنا، حين ننتبه إلى أن المواقف الكوميدية العفوية تخرج لنا في الغالب من المواقف والأحداث الصعبة والجادة، وهذه المواقف الكوميدية أو الفكاهية لا ننتبه لها إلا بعد زوال الموقف أو الحدث الصعب، ومثل هذه المواقف تجدها في قليل من الروايات ضمن مشاهد فكاهية ساخرة وممتعة تظلل أجواء الرواية وتمنحها الجو الحيوي الممتع، في حوارات تهتم في موضوعها بالعلاقات البشرية في قمة تأزمها. والروايات التي اعتمدت على الحوارات وكان جوهرها وعمودها الفقري، كشفت مستوى النص ومستوى اللغة في أعمال أدبية روائية رفيعة، لبعض الكتاب والكاتبات، ولو أعدنا قراءة رواية من روايات الحوار سوف نجد أن الحوار أعطى مساحة وأفقاً واسعاً لعالمها، إذا كان مكتوباً بلغة موجزة ومكثفة تعطي مشاهدها الرفيعة قيمة عالية وتشويقاً ومتعة.
على مستوى الروايات العربية تغيب هذه الروح الفكاهية الساخرة عن أغلب رواياتنا، والحوار يحضر ضعيفاً ومتعجلاً، يقدم أخباراً ويمضي، وتكمل الرواية اعتمادها على الحكي والاسترسال في الإنشاء، وهناك نماذج قليلة كان الحوار حاضراً ومبدعاً في كتبهم الأدبية، وتعد روايات مثل: وردية ليل، ورواية عصافير النيل، وصديق قديم جداً، وحجرتان، وصالة للكاتب إبراهيم أصلان، وجميع أعماله في القصة والرواية، من العلامات المهمة التي انطلقت منها محاولات التجديد للرواية العربية، وهو من أهم الكتاب العرب الذين خرجوا عن النهج التقليدي في أعمال أدبية تعد نموذجاً عربياً للرواية الحديثة التي جددت في الأسلوب وخرجت عن الخط والنمط المتكرر في الوصف والإنشاء والتفسير والشرح، واعتمدت على اللغة الموجزة والبسيطة والممتعة مثل برقية وعلى الحوار الذي أعطى حيوية ومتعة لكتبه في القصة والرواية.
وفي تجربتنا الأدبية السعودية يتضح الحوار أكثر في روايات وقصص الكتاب: عبدالعزيز مشري، وجار الله الحميد، وعبدالعزيز الصقعبي، وسالم الصقور، وعزيز محمد. والكاتبات: وفاء العمير، وأمل الفاران، وفاطمة عبدالحميد، على سبيل المثال. وقد قرأنا في السنوات الأخيرة روايات سعودية جديدة ومتجددة، كشفت القدرات الفنية والأسلوبية واللغوية لبعض الكتاب والكاتبات، في نماذج قليلة، تمثل نقلة نوعية فنية في الرواية السعودية الحديثة، التي سطع نورها القوي بداية من العام 2000م، حين نشرت الكاتبة أمل الفاران عدداً من رواياتها المتجددة وصولاً إلى روايتها الأخيرة (بنت عطشة) التي قدمت فيها تلك المشاهد البصرية المؤثرة والحوارات التلقائية المدهشة التي تكشف تعابير الوجوه وتفاصيل ومواقف ومشاعر وحالات إنسانية متنوعة وكأننا أمام كاميرا مخرج عاشق للناس وللمكان، وكذلك الكاتبة فاطمة عبدالحميد في روايتها الملفتة الأفق الأعلى، رواية حوار ومشاهد فكاهية ساخرة ظللت أجواء الرواية من أولها إلى آخرها ومنحتها الجو الحيوي الاجتماعي الممتع، وكان الكاتب سالم الصقور واضحاً ومكثفاً في روايته القبيلة التي تضحك ليلاً، عن طريق تقنية الحوار الفكاهي الساخر أيضاً، التي عمقت مشاهد الرواية وفصولها ومنحت كثيراً من مشاهدها روحاً متجددة، مع كل لحظة، ومع كل فصل، ومع كل موقف، فيها عمق وجمال ورؤية فلسفية تثير الأسئلة.
وهناك روايات عالمية مهمة اعتمدت تقنية الحوار الذي يكشف خبايا العمل الأدبي، وما وراء النص، ويثري مشاهد الرواية، منها على سبيل المثال قصص وروايات كاتب التكثيف والبساطة والعمق آرنست همنجواي، ورواية الغريب للفرنسي ألبير كامو، وكذلك جميع قصص وروايات الكاتب كافكا التي تعتمد دائماً تقنية الحوار الفكاهي الساخر الذي عمق الأفكار في كتاباته ومنحها عمقاً وحيوية وتشويقاً ومتعة، ورواية المكان للكاتبة الفرنسية آني إرنو، وروايات الكاتب الفرنسي باتريك موديانو، وروايات وقصص الكاتب الإسباني خوان خوسيه مياس التي تعتمد على الحوار والتأمل الفلسفي، وكذلك رواية البيت الكبير للروائي الكولومبي ألفارو سيبيدا ساموديو، وربما أنها روايته الوحيدة لكنها مثل جوهرة ثمينة مكتوبة بلغة ساحرة في مشاهدها وحواراتها الرفيعة الموجزة التي تشبه حوارات فيلم سينما مظلم، حيث تحكي في جمل قصيرة حالات كاملة، وكذلك رواية هذيان القصيرة والممتعة للروائي الإيطالي أنطوني تابوكي، وهي من أجمل روايات الحوار، رواية صغيره الحجم لا تتجاوز 60 صفحة ولكنها تثير في حواراتها الساخرة أسئلة الحياة العميقة بشكل مكثف وجديد ومختلف.

ذو صلة