يشكل اللباس التقليدي من منظور أنثروبولوجي التغيرات الاجتماعية في بلدان المغرب العربي، باعتبارها أرضيّة خصبة لدراسة التحولات الكبرى التي عرفتها هذه المجتمعات. فالثوب، ليس غطاءً حيادياً للجسد، بل هو (امتداد للذات) و(وثيقة مادية) تحمل شيفرات الهوية والانتماء والتاريخ. لقد كان، عبر العقود، معلماً يومياً لا يُخطئ في تعريف الرعية، والمرأة، والمنطقة، والطبقة. لكن هذا النظام السيميائي المعقد تعرض لهزات عنيفة وغير مسبوقة بعد الاستعمار وخلال العولمة.
من خلال هذه الورقة نحاول تجاوز النظرة الجامدة للباس الجزائري (كتراث) معرّض للاندثار، نحو مقاربته (كحقل تفاعلي) يخضع للتغير، والتهجين، وصراع السلطات الرمزية. وفق منهجية تقوم على تكامل أربعة أطر نظرية أساسية، التهجين الثقافي لهومي بابا، سيمويولوجيا الأزياء لرولان بارت، سلطة التمثيل الاستشراقي لإدوارد سعيد والقرية العالمية لمارشال ماكلوهان.
حيث يذهب هومي بابا في كتابه موقع الثقافة (1994) إلى أن الثقافات لا تتصادم بشكل ثنائي صارم (صدام الحضارات)، بل تلتقي وتتفاعل في (فضاء ثالث) ينتج هويات هجينة جديدة. ينطبق هذا بوضوح على الأزياء النسائية الجزائرية المعاصرة. فاليوم، ثوب العروس في قسنطينة مثلاً لم يعد (قندورة) تقليدية خالصة، بل خليط من القصات الأندلسية، الأقمشة الصينية، والموديلات الأوروبية، دون أن يفقد (روحه) الجزائرية. هذا (التهجين) ليس تطهّراً، بل دليل حياة وعلامة على قدرة الموروث على استيعاب الجديد.
أما رولان بارت فيحلل الثوب في كتابه نظام الأزياء (1967) باعتباره (نظام علامات) يحمل دلالات اجتماعية. من خلال عدسته، في هذا الإطار يمكن قراءة التحول الجزائري مثلاً: (الحايك) كعلامة على المقاومة إبان الاستعمار، ثم هامشية بعد الاستقلال، ثم اختفاء شبه كامل اليوم، هذه التحولات تخبرنا عن تاريخ سياسي واجتماعي لا تقوله الكتب. وكذلك (البرنوس) الذي تحول من رمز السيادة الرجالية إلى زي احتفالي يرتديه السياسيون فقط في المناسبات الرسمية.
في هذا الإطار ذكر إدوارد سعيد في الاستشراق (1978) كيف صوّر الغرب الشرق عبر (سلطة التمثيل) التي انتزعت من الشعوب حق رواية ذاتها. هذا يظهر جلياً في صناعة الموضة العالمية التي تستعمل (الزي العربي) كعنصر ديكور أو فولكلور غريب. الكوفية الفلسطينية مثلاً تظهر في منصات عروض باريس وميلانو (منزوعة الروح)، مختزلة إلى (موضة عابرة). هذا الاستنزاف الثقافي هو من أكثف أشكال العنف الرمزي المعاصر.
أما ماكلوهان فقد تنبأ في ستينات القرن الماضي بتقلص العالم إلى (قرية صغيرة) بفعل الإعلام والاتصالات. هذه القرية أنتجت استهلاكاً عالمياً لصور نمطية. الصورة النمطية للعربي بـ(الكوفية والعقال والجلابية) هي نتاج مباشر لهذا الانكماش. الجزائري اليوم يرى (نفسه) عبر مرآة الغرب، مما يخلق صراعاً هوياتياً داخل اللباس نفسه بين ما هو (أصيل) وما هو (مستهلك).
طبقاً لنقد إدوارد سعيد، عمد الاستعمار الفرنسي إلى (تمثيل) المرأة الجزائرية بـ(الحايك) كعلامة على التخلف والعزلة. وحاول (نزعه) بالقوة بحجة التحرر من (قوقعة الظلام). لكن رفض المرأة الجزائرية خلعه قلب دلالته: أصبح الحايك حاجزاً منيعاً أمام العين الاستعمارية، وأداة لتمرير الثورة، مما أنتج ما يمكن تسميته (إعادة تمثيل الذات) رغماً عن سلطة المستعمر.
بالمصطلح البارثي، تحولت علامة (الحايك) من دلالة على (التخلف) في الخطاب الاستعماري إلى دلالة على (الصمود) و(الرجولة) و(الوطنية) مروراً بمرحلة الثورة. وهذا الانتقال الدلالي هو جوهر الصراع الاجتماعي في أنثروبولوجيا الملابس.
مع الاستقلال، دخل اللباس الجزائري مرحلة التهجين البطيء، عبر المراحل التالية:
مرحلة التحديث الاشتراكي (1962 - 1988): تغلغل اللباس الأوروبي في الجامعات والإدارات. لكن هذا لم يكن (امتصاصاً سلبياً)، بل تفاعلاً في (فضاء ثالث) حسب هومي بابا. الجزائريون لم يصبحوا (فرنسيين)، بل طوّعوا البدلة (ربطة العنق مثلاً) مع الاحتفاظ بلمسات محلية (نوع الأقمشة، قصبة معينة). هذا النوع من (التهجين) لا يعبر عن فقدان الهوية، بل عن براعة في العيش بين ثقافتين.
مرحلة التسعينات والعشرية السوداء: شهدت (عودة المقدس) إلى الخطاب، وتراجع الأزياء التقليدية كالحايك لصالح (اللباس الشرعي) المستورد من الخليج. هنا برز (تهجين) جديد: اندماج بين القندورة الجزائرية والعباءة الخليجية، نتاج (الفضاء الثالث) الجغرافي الافتراضي الذي أحدثته الفضائيات وثورة الاتصالات (القرية العالمية لماكلوهان)
الألفية الثالثة - اللباس الاحتفالي (بطاقة هوية): اليوم، في المدن الكبرى، أصبح الثوب الجزائري التقليدي (وخاصة القندورة، والكراكو، والملحفة) أيقونة مناسبات بامتياز. الفتاة التي ترتدي ما ترتديه طوال الأسبوع، تتحول إلى (جوهرة) مرصعة بالتطريز القسنطيني أو التلمساني ليلة عرسها. هذه (الازدواجية) ليست تناقضاً، بل هي تجسيد أنثروبولوجي لازدواجية الحداثة والهوية.
هذا الانتقال من اليومي إلى الاحتفالي، من منظور بابا، لا يعني موت الثوب التقليدي، بل ولادته من جديد داخل (فضاء ثالث) هو فضاء التعبير عن الذات بعيداً عن إكراهات اليومي (سرعة الإنتاج، متطلبات المهنة...) ومتقرباً من اللحظات الفارقة التي تحتاج إلى لغة تعبير أعمق.
ماكلوهان تحدث عن (القرية العالمية) كفضاء للتفاعل، لكنه لم يتنبأ بكونها سوقاً لاستهلاك الصور النمطية. لا تمر أسبوعيات الموضة العالمية إلا وتظهر فيها (إطلالات شرقية)، تختزل الزي العربي في قطعتين أو ثلاث (كالكوفية الفلسطينية، العقال الخليجي...). هذا، من منظور سعيد، (استشراق جديد) يسلب من العرب حق رواية ثيابهم بأنفسهم.
الجزائر، بتعدد أزيائها الجهوية، تقاوم هذا الاختزال. فمشروع (العرض الموحد) للزي الجزائري في المحافل الدولية ليس مجرد (موضة)، بل هو فعل سياسي بامتياز، يعيد تمثيل الذات في مواجهة قوى السوق.
يتقاطع التغير اللباسي في الجزائر مع ثلاثة تحولات كبرى: سياسي (الاستعمار/الاستقلال)، واقتصادي (الاشتراكية/الليبرالية الجديدة)، وثقافي (العولمة/عودة الدين). مقاربة هذا التغير من زاوية أنثروبولوجيا التغيرات الاجتماعية، وباستعارة مفاهيم بابا، بارت، إدوارد وماكلوهان، تمنحنا أدوات نفكك بها المسكوت عنه في خيوط الثوب: صراع الأجيال، وعلاقة السلطة، ومقاومة التمثيل الاستشراقي.
في النهاية، خلاصة المقال تدعو إلى النظر إلى اللباس التقليدي الجزائري (والمغاربي عموماً) ككائن حي، يتغير، يتهجّن، ويتناسل، بدلاً من النظر إليه كأثرٍ متحفيّ يخاف عليه من الاندثار. ربما في هذا (التهجين) و(ثنائية اليومي والاحتفالي) يكمن سر بقاء الذاكرة.