مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

جغرافيا الملابس في القـرون الوسطى بيـــن العولمة التجارية والتوطين الثقافي المحلي

من حوانيت القاهرة وخانات تبريز وقياسر دمشق، ومن أرصفة الإسكندرية والبندقية ومايوركا، وبين مسارات القوافل الوافدة من الصين والهند وفارس، والعابرة لآسيا إلى السفن الراسية في المتوسط ومدنه، قطعت الأقمشة في القرون الوسطى مسافات هائلة قبل أن تستقر فوق أكتاف العامة والخاصة؛ من الملوك والسلاطين، والنبلاء والعسكريين، ورجال الدين والعلم. لم تكن هذه المنسوجات مجرد سلع تُباع وتُشترى، بل كانت خرائط حية للثقافات، ولم يكن انتقالها عبوراً جغرافياً فحسب، فالنسيج ذاته كان يتبدل مع كل مدينة يستقر فيها، يكتسب زخارف وكتابات، ودلالات اجتماعية جديدة. فتحولت الأقمشة إلى مساحة تلتقي فيها التجارة العالمية بالخصوصية الثقافية المحلية قبل قرون من ظهور مفهوم العولمة بصيغته الحديثة.
وعلى الرغم من أن حركة التجارة كانت جسراً لنقل المنسوجات، إلا أنها في الوقت نفسه تتأثر بدرجات متفاوتة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للبلدان، سواء على مستوى الكميات المجلوبة، أو في تكلفة النقل، وارتفاع المكوس (الضرائب) والتي بدورها تؤدي إلى ارتفاع أسعار الأقمشة. وغالباً ما كان ارتفاع أسعار أنواع بعينها من الأقمشة يحد من انتشارها ويجعلها قاصرة على الميسورين مادياً. وفي بعض الحالات عكست الأقمشة نوعاً من التفاخر والتباهي، الأمر الذي أدى إلى تدخل السلطات الحاكمة بمراسيم وقرارات لتنبيه الناس بإسرافهم ولمنع انتشار أنواع معينة من الملابس أو الأقمشة إذا كانت تؤثر على الاقتصاد المحلي للدولة، ولاسيما في حالات التقشف والحروب، أو لكونها لا تتوافق مع معايير القيم المجتمعية آنذاك.
كانت التجارة تتجاوز الأوضاع السياسية أحياناً، فمن الإشارات المهمة التي وصلتنا في المصادر الفارسية وتحديداً في مكاتبات وزير دولة المغول في إيران، رشيد الدين الهمداني، والتي تعكس جانباً مهماً من جوانب التبادل التجاري بين دولتين بينهما عداء وخصومة سياسية وحروب وهما: المغول بإيران والمماليك في مصر. ومع هذا تُفيد الرسالة التي أرسلها الهمداني لابنه يطلب منه تجهيز بعض المؤن اللازمة للمعسكر الشتوي للسلطان غازان خان، وكان من بينها الملابس اللازمة للخاصة والطواشية، وتحديداً الثياب والمنسوجات الصوفية. واللافت للنظر هو دقة الأعداد وتمييزها بين عدد محدد من أذرع القماش، أو عدد من الأثواب، أو الأحذية. وكان بيان المدن التي ترد منها المنسوجات والملابس هي: من العراق، وتحديداً من مدن بغداد، الحلة، الموصل. ومن دمشق في سوريا، ومن اليمن، ومن سمرقند، والهند، والقرم، والصين (بلاد الخطا)، ومن الإسكندرية في مصر التي جُلب منها (البندقي، مصرية، إبيارية، دبيقية، كمخا، سمط صيني..). وبعض الملابس ومكملاتها أوردها مقرونة بمنشأها: حزام مصري، عمامة بندقي.
كانت الأقمشة تصل المدن ومن ثم تبدأ مرحلة توطينها الثقافي عبر مؤسسات إنتاجية منظمة، أبرزها (دار الطراز). انقسمت هذه الدور إلى (دور الطراز الخاصة) التي تولت إنتاج ملابس السلاطين والحكام مطرزة بأسمائهم وشعاراتهم، و(دور الطراز العامة) للمنسوجات المتداولة، حيث تكتسب الأقمشة بصمتها الشكلية وهويتها البصرية المحلية التي تختلف من مدينة إلى أخرى. فضلاً عن حوانيت الحياكة والتطريز، وحوانيت الملابس المخيطة المنتشرة في أسواق المدن. ومنها ما ذكره المقريزي في خططه عن أسواق القاهرة في عهد المماليك والتي تخصصت في بيع أنواع بعينها من الملابس والأقمشة وأشهرها سويقة أمير الجيوش، وسوق الجوخيين، وسوق الشرابشيين والحوائصيين والبخانقيين والإخفافيين وغيرها.
وقد يظن القارئ أن مجتمعات القرون الوسطى لم تعرف صيحات الموضة، وهذا غير صحيح بل ساهمت الهدايا الدبلوماسية، من خُلع وتشريفات فاخرة متبادلة بين الحكام، في نقل طرز اللباس. كما انتقلت مكملات الزي تجارياً لتصبح صيحات تلفت الأنظار، مثل: أغطية الرأس التترية (الكلوتات) التي دخلت الزي العسكري المملوكي، وبعض أنواع السراويل والقمصان والمآزر وغيرها.
ولم يخلُ هذا التبادل من صدام اجتماعي، إذ تروي المصادر المملوكية عن ظهور نوع من ملابس النساء المستوردة الوافدة، اعتبره المجتمع المحافظ زياً كاشفاً ومحدداً لتفاصيل الجسد. دفع هذا الأمر السلطان التدخل مباشرة، بتفويض (المحتسب) (المسؤول عن مراقبة الأسواق والآداب العامة) بمنع تداول هذا الزي، وتجريم ارتدائه، ومعاقبة المخالفات. يعكس هذا التدخل سلطة الضبط الاجتماعي في الحفاظ على الهوية والقيم المجتمعية أمام التيارات العولمية الوافدة. وإن كان هذا المثال يعكس المنع والتقييد، إلا أن تقنين الملابس الوافدة وتداولها كان هو السمة الغالبة.
إن الملابس في القرون الوسطى لم تكن مجرد وسيلة لستر الأجساد أو إظهار الترف، بل كانت لغة دبلوماسية، ومؤشراً اقتصادياً دقيقاً، وأداة استوعبت من خلالها الثقافات المحلية عناصر العولمة التجارية دون أن تفقد خصوصيتها الذاتية. فالحرير القادم من الشرق، والكتان المجلوب من مصر، أو الديباج، والدمشقي، والموصلي، والصوف الأوروبي، والجوخ.. لم تكن مجرد منتجات تجارية، بل عناصر أعادت كل مدينة صياغتها وفق موروثها المحلي، حتى تحوّلت الملابس إلى مرآة للاقتصاد والهوية معاً، وتعكس في الوقت نفسه كيف استطاعت الثقافات أن تستوعب بعضها البعض دون أن تفقد خصوصيتها.

ذو صلة