مجلة شهرية - العدد (600)  | سبتمبر 2026 م- ربيع الأول 1448 هـ

الأزيـاء التقليديـة.. مـــوروث ثقــافــي

الأزياء التقليدية هي أنماط من الملابس تتوارثها الجماعات عبر الأجيال وليس لها بداية محددة أو مصمم معروف، وتعكس عادات المجتمع وتقاليده الذي تنتمي إليه، كما تجسد أنماط الحياة وتطورها، وتكشف روح العصر وملامح الحياة المادية والاجتماعية والفكرية وذوق الشعوب بصفة عامة.
وتتميز بالتنوع تبعاً للتنوع السكاني والجغرافي، حيث تختلف من مجتمع إلى آخر سواء في المدينة أو القرية أو البادية. فشكلها وخطوطها وثنياتها وخاماتها وزخارفها تمثل تراثاً غنياً بالمعارف والخبرات المتراكمة، وتعكس جوانب من الحياة التي عاشها أجدادنا وانتقلت إلينا عبر الأجيال، فهي ذاكرة الجسد، وسجل يحفظ نمط حياة المجتمع، ويجسد ثقافته وأصالته، ويعزز الهوية والانتماء الوطني، فكل زي يحمل دلالات ورموزاً تعكس العادات والتقاليد والقيم والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومدى التفاعل مع البيئة والمجتمعات المجاورة عبر الزمن.
ونظراً لطبيعة الحياة في البادية والتنقل من منطقة إلى أخرى بحثاً عن المراعي، فقد أسهم ذلك في التواصل مع أهل القرى والمدن داخل المملكة وسكان بوادي الدول العربية المجاورة، وانعكس هذا التواصل على الأزياء التقليدية من خلال التشابه في عدد من عناصرها. كما يظهر هذا الامتداد الحضاري في أزياء المناطق الحدودية من خلال تشابه بعض عناصرها مع أزياء المجتمعات المجاورة. ومن خلال قراءة دلالات الأزياء التقليدية يمكن فهم طبيعة المجتمع الذي أنتجها. فقد كانت المرأة قديماً تقوم بصباغة الخيوط والأقمشة المستخدمة في صناعة الأزياء، مما يعكس مهارتها واعتمادها على الموارد المتاحة. كما أن قلة الزخارف في أزياء البادية تدل على طبيعة حياة المرأة في البادية وانشغالها بالأعمال اليومية مثل: صناعة السدو، ورعاية الأسرة، والقيام بالأعمال المنزلية، بينما تميزت أزياء أهل المدن والقرى بزيادة الزخارف والتطريز نتيجة الاستقرار وتحسن الظروف الاقتصادية. وكانت المرأة تقوم بإعداد بعض أنواع الأقمشة التي تنكمش قبل التفصيل والخياطة، وذلك بنقعها في الماء أو غسلها وتجفيفها ثم تقوم بتفصيلها وخياطتها، وقد تقوم أيضاً بصباغتها. كما كانت تتولى تفصيل ملابسها وملابس أسرتها وخياطتها بنفسها وفي حال عدم إجادتها للخياطة تستعين بأحد يجيدها. أما العباءة فكان الرجال يتولون خياطتها وزخرفتها. وتعكس الأزياء أيضاً المكانة الاجتماعية، إذ يختلف زي شيخ القبيلة عن أزياء بقية أفراد القبيلة، حيث يتميز بارتداء العقال المقصب الأسود وأفخر أنواع البشوت بوصفها رموزاً للمكانة والقيادة.
وتنوعت الأقمشة المستخدمة في صناعة الأزياء تبعاً للحالة المادية والاجتماعية ونوع القطعة والمناسبة التي ترتدى فيها. وقد حملت مسميات الأقمشة دلالات متنوعة، فقد استمدت من شكل القماش أو نقشته أو خامته أو البيئة المحلية أو الأحداث والمتغيرات التي شهدها المجتمع. فقد استمدت بعض الأقمشة أسماءها من نقوشها مثل قماش رش المطر، وقماش مورد، وقماش قرض الهيل، ودق النيرة، وأبو عسيب، وقماش نجوم الليل، وقماش شمس الشموسة، وقماش حب السكر. كما استمد بعضها أسماءه من البيئة المحلية مثل قماش المنخيل أو التور، وقماش كهرباء الليل. كما استمد قماش كريشة اسمه من تشابه نسيجه مع تجعد باطن معدة الخروف (الكرشة). أو من جودة القماش مثل صك الدكان والحقني، وقماش حديدي نسبة إلى شدة سمكه وقوته، وقماش سفرة سعود، ويتميز بوجود زخارف دائرية كبيرة، وقماش ملس، وقماش رمش العيون. في حين ارتبطت بعض المسميات بالأحداث والمتغيرات التي شهدها المجتمع، مثل قماش كاديلاك الذي ظهر مع انتشار سيارات كاديلاك، وقماش خط البلدة، وقماش أحلام الشباب، وقماش كبد فريد الأطرش، وقماش دموع فريد الأطرش، وقماش شارع الناصرية، وقماش درب الموتر، وقماش سلك الرادو، وقماش ساحلي، وأيضاً مكان الصنع مثل قماش أمريكاني، وقماش جابان، وقماش المصري، وقماش السويسري، وقماش بور سعيد، وقماش أسطنبولي. وغيرها من المسميات التي اختلفت من منطقة إلى أخرى تبعاً للبيئة والعادات المحلية.
وتتميز الأزياء التقليدية بتطريزها وتنوع الغرز المستخدمة في تزيينها. فالغرزة التي تستخدمها المرأة في تطريز زيها التقليدي ليست مجرد عنصر زخرفي بل هي لغة تروي جوانب من الحياة الاجتماعية والثقافية والبيئية للمجتمع. كما لم يقتصر استخدامها على الجانب الجمالي، بل ارتبط بوظيفتها في الزي، فمنها ما استخدم للزخرفة ومنها ما استخدم لوصل أجزاء الزي أو تقوية الأطراف وتثبيت البطانات وتغطية أماكن الخياطة فجمعت بين الوظيفة العملية والقيمة الجمالية.
ورغم تشابه شكل الغرزة وطريقة تنفيذها في كثير من المناطق فإن مسمياتها اختلفت من منطقة إلى أخرى واستمد كثير منها من شكل الغرزة أو اتجاهها أو عناصر البيئة المحيطة. مثلاً غرزة رجل الغراب عرفت في مدن وقرى المنطقة الوسطى بمسميات: حواربه وشبيكة وعريجا. وفي المنطقة الغربية بمسميات: خشام والرايح والجاي وعويرج وسويرج. كما تنوعت مسمياتها لدى سكان البادية مثل: الظل وأم جنب وخرصينة وقمز العزب وعورجان. كما عرفت غرزة الشديد التي تظهر بشكل متقاطع على خط مستقيم بمسميات النثرة وشبكة وحباب في المنطقة الوسطى، وعرفت تثميرة معقولة وترويس وتضاريس وتخزينة في المنطقة الغربية، وبريشة في المنطقة الشمالية. ويعكس هذا التنوع ارتباط الغرز بالبيئة والثقافة المحلية رغم تشابه أشكالها وطرق تنفيذها.
كما لم تقتصر المسميات على الغرز نفسها بل امتدت إلى الأشكال الزخرفية الناتجة عنها. فقد استوحت المرأة أسماء هذه الأشكال من البيئة المحيطة والأشياء المألوفة في حياتها اليومية. فهناك شكل يعرف باسم حب الجحة وينفذ بتكرار غرزة الفستون إلى جوار بعضها البعض حتى يظهر على هيئة حبات الجحة. كما عرف شكل آخر باسم الثريا، لتشابهه مع شكل الثريا المعلقة وما تتميز به من تفرعات متناسقة.
وتنوعت مسميات الأزياء التقليدية تبعاً لمناسبة استخدامها أو أسلوب زخرفتها أو الخامة المستخدمة في صناعتها أو بلد صنع القماش، مما يعكس ارتباط التسمية بخصائص الزي ودلالاته. فمن ذلك ثوب المتفت أو المجرح الذي عرف في المنطقة الوسطى، بينما يسمى في المنطقة الشرقية الثوب المفحح، وفي المنطقة الشمالية المتولع، ويتميز بوجود شرائح أو قطع مستطيلة طولية أو عرضية من الحرير متعددة الألوان تثبت بجوار بعضها. كما عرف في المنطقة الشرقية ثوب النقدة، وسمي بذلك لأنه يزخرف بالنقدة وهي صفائح معدنية رقيقة ذهبية أو فضية مستطيلة الشكل تسمى الخوص لتشابهها مع خوص النخل، وكانت تباع وزناً بالنقد، كما استخدم هذا الأسلوب في زخرفة الثوب التلي في منطقة القصيم، واستخدم أيضاً في الأزياء التقليدية في المنطقة الغربية مع اختلاف طريقة تنفيذه ومسماه. وعرف في المنطقة الغربية ثوب درفة الباب نسبة إلى شكل زخرفته التي تشبه زخرفة درفة الباب. كما عرف مقطع سفرة سعود نسبة إلى شكل زخرفته الدائرية وانتشر في عهد الملك سعود، ومقطع أبو عصا نسبة إلى زخرفة الأكمام التي تشبه العصا. ويلاحظ أيضاً أن الثوب في المنطقة الشرقية أصغر حجماً من الثوب في المنطقة الوسطى، ويختلف عنه في طريقة رفع الأكمام. ويختلفان شكلاً وحجماً عن الثوب في المنطقة الغربية. وتعكس مسميات الأزياء واقع المجتمع وبيئته وتحكي من خلال تفاصيلها وأساليب زخرفتها قصة المنطقة وهويتها وانتماءها.
فالزي التقليدي في كل منطقة من مناطق المملكة العربية السعودية يمثل ذاكرة الجسد، ويحكي فلسفة الانتماء للوطن والأصالة، ويجسد حياة الآباء والأجداد وما تركوه من موروث ثقافي ما زال حاضراً في تفاصيله حتى اليوم، ولذلك فإن المحافظة عليه وتوثيقه ليست حفظاً لقطعة لباس بل حفظاً لذاكرة وطن وهوية مجتمع.

ذو صلة