مجلة شهرية - العدد (599)  | أغسطس 2026 م- صفر 1448 هـ

باب الطين

يتفاقم بها الجوع والعطش فلا تجد طريقة للحصول على لقمة تسد بها رمقها، تتفحص جسد طفلها وقد تكور ليستسلم إلى نوم مضطرب بعد نوبة بكاء أليمة، وقد جف حليبها، أسكتت جوعه بجرعة ماء حاولت أن تذيب فيها بعض الخبز ليثخن قليلاً.
تمسح دمعة شديدة الملوحة سالت على خدها وهي تتحسس الأجساد الصغيرة السابحة في نومها، وقد أقضت مضاجعهم قرقرات بطونهم الجائعة، تأملت وجوههم الشاحبة المصفرة، ومدت يدها تتفقد بطونهم الضامرة، تقترب من طفلتها الحبيبة ذات الثلاث سنوات تمد يدها المبللة وترطب بها شفتيها، وتمسح رؤوس البقية وقد تقاطرت دموعها على وجوههم، أسدلت عليهم أغطيتهم بمقلة دامعة، وقلب يتوجع ألماً وحسرة.
***
الرياح الباردة تخترق الأزقة وكأنها رماح تنغرس في ضلوع تلك الأرواح الجائعة..
يقطع زوجها تلك الطرق شديدة الظلمة مرتجفاً، يطوي كفيه بصعوبة على معطف مهترئ عله يمنع تلك البرودة من التغلغل إلى جسده المنهك، يقرصه الجوع حاملاً في يده بعض الخبز تصدق به الخباز عليه من أجل أطفاله الجياع.
يقترب من المنزل ويدلف إلى الداخل بعجلة متوجهاً نحوها، اقترب منها فتحدثه بأسى:
- الأولاد جوعى.. الجوع يقتلهم..
انكسرت عينه وتمتم:
- وما الذي أستطيعه ولم أفعله؟ بحثت كثيراً عن عمل بلا جدوى.. خذي هذه الأرغفة ليأكلوا عند صحوهم، وأنا سأخرج باكراً للبحث من جديد.
تأوه متحسراً وقال بلا يقين:
- اليوم زرت عمدة القرية لكي أستجديه بمعونة أو عمل حتى لو بأجر زهيد.. وسمعت منه خبراً عن معونة للضعاف أمثالنا.
ردت بنبرةٍ مغتاظة هائجة:
- لا يجب أن نعتمد على أخبار ليست أكيدة، نسمع كثيراً عن هذا، ولكن لا نستطيع عمل أي شيء، ولا نحصل على أي معونة، هذه مجرد شائعات ليس لها شيء من الصحة. علينا أن نفعل شيئاً، أن نتحرك، أن نفكر كيف نحصل على المال لنطعم العيال!
وضع الرجل كلتا يديه على أمِّ رأسه فاقداً للحيلة، أما هي فقد أكملت كلامها:
- لطالما سمعت جارتي تقول بأنها تخدم في بعض البيوت الميسورة، لماذا لا أحذو حذوها وأطلب منها أن تأخذني معها علهم يحتاجون من يعينهم ويقضي أعمالهم المنزلية.
نظر إليها بانكسار قلب أرخى جفنيه، ظن أنها ليست جادة فهي لا تخرج وتترك الصغار لم يعتد منها ذلك، أردفت وهي تحدق فيه برجاء.
- وقت خروجي تبقى أنت مع الأولاد، وأنا أذهب وقد يرزقنا الله ما نطعم به عيالنا.
استدار نحو الزاوية التي يأوي إليها عند الحائط الطيني الفاصل بين هذه الغرفة والغرفة الأخرى.
الظلام يكبس على شكلها فلم يعد يتراءى له سوى شبحها عائماً ومتضخماً بعكس حقيقتها الهزيلة والشاحبة، تفاقمت ضراوة الجوع في معدته الخاوية، تهادى في مشيه خطوات اهتز لها جسده، صامتاً بلا حيلة.
ويستشري بها الجوع، تمد يدها وتقضم قطعة من الرغيف، استتبت جوارح الرجل وقد تكور ليستسلم إلى نوم يخلصه من هذا الوجع والحيرة.
أما هي فلم تنم، تمسح بيدها العجفاء على رؤوس أطفالها وتزداد إصراراً:
- لا بد من حل.. هناك حل قطعاً.. لن نموت جوعاً ورب كريم يرعانا.
تأوّهت في حسرة تتذكر طلبات أطفالها وأحلامهم، وكيف وعدتهم قبل نومهم بأنها ستحقق لهم أمانيهم، وأن الله قادر على أن يرزقهم وهم نيام، تحب أن تزرع في نفوسهم هذه الثقة في رب العالمين والإيمان بقدرته.
***
لم ترقد عيناه، شعر بثقل الليل الذي لم يعرف فيه سوى الرقاد من شدة الوجع إثر كده وتعبه، خفقات قلبه تتصارع في صدره بين الخوف والهواجس، يعاني زلزال نفسي مدمر، يتذكر كلام العمدة ويدعو ربه أن يكون الخبر صحيحاً، فهذه المعونة هي أمله في الوقت الحالي.
في صباح اليوم التالي التقى جارهم وهو يخرج من بيته، صافحه بحرارة وتوقف معه على ناصية الطريق.. سأله إن كان خبر الدعم أكيداً فهو يعرف أن هذا الجار يطّلع على الأخبار ويعرف ما يدور في القرية.
أجاب في حبور:
- نعم هذا الخبر مؤكد، من اليوم ستبدأ العطية، اذهب وإن شاء الله يسلمك العمدة نصيبك.
تأمل خيراً وتوجه إلى هناك فوراً توقف مراقباً وعيناه تلتقطان كل من يخرج من ديوانية عمدة القرية، وفكره يحاول أن يتلبس الأمل، يا له من قلق يأكل قلبه، المكان مزدحم وأغلب أهالي القرية يدخلون ويخرجون، وجوههم لا تفسر، وكأنه لا أمل.
مشى مستطلعاً الأمر ومعدته الخاوية تعتصر في ألم، يسرع الخطا نحو المدخل، يستبق الناس يحتل مكاناً يقف فيه منتظراً.
مر الوقت طويلاً ولم يحن دوره بعد، بدأت الشمس تميل للزوال، حرك قدميه مبتعداً عن المكان، تلفت يمنة ويسرة، أحسّ بيأس فرحل.
وأعاد الكَّرة عدة أيام، يقضي وقت فراغه من بعيد مراقباً حال بيت العمدة يستطلع أي خبر جديد، وما يراه بالأمس يتوقعه اليوم، حتى كاد يحفظ الآلية، ويتوقع التصرفات، حركة دائبة من الناس في استطلاع الأمر الكل ينتظر أي خبر عن هذه الهبة، وانشغال العمدة دائم.
وتنبه إلى ظروفه التي توقفت، وأخذت لوناً من البطالة، والانتظار، فقط الانتظار ولا أي خبر عن معونة أو عطية ولا شيء.
تراجع عن هذا المكان ولم يعد ينتظر شيئاً داهمه شعور بالوحدة ورغبة في البكاء، ماذا سيخبر زوجته التي تنتظر.
دخل المنزل وحاول أن لا يلتقيها، تشاغل في حوش بيته بنخلة تحتاج إلى تشذيب قص منها الليف وبعض الكرب وأحضر النبات حتى ينبتها، يتشاغل بأي شيء حتى لا يراها، لكن ذلك لم يطل كثيراً، فقد أحسّت به وصارت ترنو إليه بنظرات متسائلة، ومستغربة، ومنتظرة منه أي كلام يشعرها بالأمل.
لمحها وهرب بنظراته منها، تقترب فتجبره على أن يقابلها بوجهه، يدور عنها فتلتف حوله ليزداد خجله منها، أسئلة حائرة في عينيها لا يجد لها جواباً، كل ما يعرفه أنه فقد الأمل في أي عطية أو هبة أو مكرمة.
***
تصرم أسبوعان وهو يفكر بجد ويقلب الأمور في كل الاتجاهات، في حيرة من أمره لا يعرف كيف يتصرف، لقد ذلل سابقاً عقبات كثيرة، لكن هذه المرة ضاقت عليه الأمور كلها لا يدري أين حلها، واصل عمله في البساتين يعمل على النخيل يصرم التمر، ويشذب الكرب، ويخرف الرطب، ويقطع الجذوع، ويقص السعف، يشتغل بلا هوادة ليجمع قوت عياله، يشقى ويتعب ولا يكسب إلا النزر القليل، يعود إلى بيته منكساً رأسه محملاً بالهموم.
في هذا اليوم يتفاجأ بتغيرات ملفتة في بيته، فتح الباب ودخل، وجد الأولاد يلعبون فرحين يرتدون الملابس الجديدة، ولديهم ألعاب وطعام.
ينظر إلى والدتهم يجد عليها الجديد هي أيضاً وبوادر البهجة تعلو وجهها، الحيرة التي كانت تسيطر عليها تحولت إلى فرح وحبور، فحيرتها التي تغرق فيها كل يوم يائسة كئيبة قد تبدلت، سألها في ارتياب:
- من أين لك هذا يا امرأة؟
أجابته في تردد وحيرة:
- لست أدري كيف أصف لك ما حصل، رغم المعاناة الصعبة والانتظار المرير، والحاجة.. إلا أن السعادة دخلت علينا من أوسع الأبواب، أخفيت عنك الأمر لأني لم أكن واثقة أنك سترضى لي بهذا العمل، لوهلة تصورت أنك ستغضب، وتمنعني.
قاطعها في حدة:
- أمنعك من ماذا؟
- أما أخبرتك يوماً بأن أذهب مع جارتي إلى أحد البيوت الميسور أهلها وأقدم لهم المساعدة في عمل المنزل؟
- نعم..
- اليوم.. جارتي بنفسها طلبت مني المساعدة، لأن لديهم مناسبة كبيرة جداً وبحاجة لأغلب نساء القرية وذهبنا جميعنا اشتغلنا معهم في تعاون وتقاسمنا المال الذي دفعوه لنا، وأعطتني المرأة صاحبة المنزل هذه الملابس من بضاعتهم التجارية مع ألعاب للأطفال وبعض الطعام مما تبقى من وليمتهم.
استبشر حين رأى البشاشة في عينيها، وقبل أن ينطق قطع عليهم طرقٌ على باب المنزل.. فتحه وإذا به عمدة القرية، استقبله هاشاً باشاً قائلاً:
- أهلاً يا شيخ.. سلام عليكم..
صافحة بحرارة ترافقها ابتسامة جذلة، لم يطاوعه لسانه على السؤال عن سبب هذه الزيارة المفاجئة، فقدوم العمدة بنفسه أربكه، ربما هناك خبر سيئ أو ما شابه ذلك..
لوى وجهه في خطوات مرتبكة أشار على زوجته لتبتعد.
غالب رغبة عارمة في السؤال عن سبب الزيارة، وفسح له الطريق:
- تفضل أيها العمدة.. تفضل.
رد عليه معتذراً:
- لن أدخل.. أتيت لأسلمك المعونة خاصتك.
مد إليه بظرف فيه نقود وورقة يبصم عليها.
- هنا في هذا الظرف راتبان تعويضاً عن التأخير غير المقصود، وسيصلك كل شهر راتب من الضمان الاجتماعي.. وقع هنا على الاستلام.
قال ذلك وأخذ الورقة ورحل.

ذو صلة