لم تكن تلك المصادفة عابرة كما اعتقد حينها، أو كما حاول أن يقنع نفسه. ظن أن الزمن يخفي المكان كما تختفي خرائط هاتفه المتنقل بعد الوصول إلى غاياتها. لكن بعض الأمكنة لا تُطوى، بل تُزرع في الداخل وتظل تنمو بصمت حتى تضطرب معها طمأنينة القلب.
في ذلك الصباح الذي خرج فيه مع أصدقائه إلى منتزه وادي لجب، كان يهرب من رتابة الأيام، بينما كانت الأيام نفسها ترتب له فخاً شفيفاً من صخر وشجر وماء. الطريق من جازان إلى الريث لم يكن مجرد مسافة تُقطع، كان ممراً خفياً يُفرغ داخله ضجيج الأسابيع الماضية: الواجبات المؤداة بلا شغف، والأفعال المرتكبة بدافع العادة، والسلوكيات التي نرتديها كما نرتدي سرابيلنا اليومية ثم نخلعها دون أن نخلع أثرها.
ظن أنه ذاهب ليقضي يوماً جميلاً في الوادي، وستتاح له إطلالة جليلة من الجبل الأسود، غير عالم أن الوادي سيقضي يومه فيه، وأن الجبل سيعيد ترتيب ظلال روحه الخافتة كما يعيد الضباب ترتيب كثافته بين درجات البياض والسواد على قمم جبال الجنوب.
أما الفتى، فقد كان هناك قبل أن يصلوا، وقبل أن يتهيأ هو للدهشة. في نحو العشرين من عمره، نحيفاً كشجيرة تتشبث بصخر صلد لا يرحم، أسمر الوجه كأن الشمس كتبت عليه توقيعها الأخير قبل الغروب. قميصه الأسود المزين بمربعات صغيرة حمراء، وإزاره الأسود المنقوش بخطين ذهبيين عند أعلاه وأسفله، لم يكونا مجرد ثوبين، كانا إطاراً لمصير لم يُحسم بعد. خطان يحصران أحلامه بين حدين: ما يستطيع أن يكونه، وما يُسمح له أن يكونه.
كان عاري الرأس، مكشوفاً للريح، كأنه يعلن صلحاً مبكراً مع العراء. لم يكن يتكئ إلا على شعور غامض بأن الأيام تُخبئ له امتحاناً، وأن عليه أن يدرب جسده على الوقوف وحده قبل أن تقسو عليه الدروب.
وقف على قمة تل صغير، لكنه لم يرض بعلو واحد. كان يرتقي أحياناً زاوية أعلى في الجبل المقابل، كأن الارتفاع نداء داخلي لا يهدأ، ثم يهبط بخفة إلى الصخور التي صاغتها ملايين السنين، حيث الجدول المائي ينساب في شقوق الوادي كجرح مفتوح في جسد. لم يكن يتحرك عبثاً، كان يبحث عن نقطة توازن بين خوفه ورغبته، عن زاوية يضع فيها يده النحيلة، ثم قدمه، في نزول سلس لا تمتد إليه فيه يد أخرى. كان يتمرن على الاستغناء دون أن يعلن ذلك.
لم يعلم أصدقاؤه أن نظرة عابرة ستفتح في صاحبهم شقاً خفياً. ولم يعلم هو نفسه أنه حين كان يحدق في ذلك الجسد النحيل، كان يحدق في نسخة محتملة من ذاته: ذات أكثر جرأة، أقل مساومة، أقل انحناءً أمام ما اعتاده. ظن أنه يرى شاباً غريباً، بينما كان يرى احتمالاً مؤجلاً، حياة أخرى لم تُرعبها الطرق المعبدة والسيارات الفاخرة والبشر المتأنقون في مدينته البعيدة.
خرج ليتنزه، فاصطدم بمرآة صخرية أظهرت له ماضياً أراده ولم يكن، وحاضراً تمناه الفتى ولم ينله. كأن كلاً منهما يحمل نقص الآخر: هو يحمل الأمان الذي يفتقر إلى الجرأة، والفتى يحمل الجرأة التي تفتقر إلى الأمان.
الوادي كان شاهداً. الصخور التي تعلمت الصبر من انسياب الماء رأت فيهما بحثاً صامتاً عن معنى، عن موضع قدم ثابت في عالم يتبدل. الجبل الأسود، بصلابته، لم يسخر من نحافة الفتى، بل من هشاشة القلوب التي تخاف الوقوف عارية الرأس أمام اتساع الكون.
كان جالساً يتأمل الشاب المنزوي في تجويف الصخرة أعلى التل، غير مدرك أنه يتأمل رغبات ماضيه وعجز مستقبله في آن واحد. وبقي الوادي يجري في ذاكرته كما يجري الماء في سيقان الشجر النابت على الصخر، لا يُرى دائماً، لكنه لا يتوقف أبداً. وظل الفتى واقفاً في داخله، على تله الصغير، يطالبه بصمت: إما أن ترتقي، أو تعترف بأنك اخترت البقاء في الأسفل.