«كانت الليلة جميلة، جميلة جمالاً لا نراه إلا حين نكون في ريعان الشباب، أيها القراء الأحبة، السماء تتلألأ فيها النجوم، وهي تبلغ من الصفاء أن المرء يتساءل بالرغم منه حين ينظر إليها: هل يمكن تحت مثل هذه السماء أن يعيش أناس يملأ قلوبهم البغض وتعبث بنفوسهم النزوات؟» (الليالي البيضاء- ترجمة إدريس الملياني- المركز الثقافي العربي)
هذه الليلة التي وصفها دوستويفسكي بهذه الكلمات هي إحدى (الليالي البيضاء)، عنوان الرواية القصيرة (النوفيلا) التي كتبها عام 1848، واختار هذا المسمّى إشارةً مباشرة إلى ظاهرة طبيعية مدهشة، حيث تبقى السماء مضاءة طوال الليل تقريباً في (سانت بطرسبرغ) من 25 مايو إلى 17 يوليو، إذ يلتقي الشروق بالغروب ويطول النهار، ولا يبقى من الليل إلا ساعتان أو ثلاث.
أربع ليالٍ هادئة، بعيدة عن إيقاع الحياة اليومية المتقدة، تجمع بين غريبين وتنسج بينهما خيطاً من الحوار العميق والإنصات، وعاطفةً تقوم على المشاركة الوجدانية لوحدتهما وآمالهما. وتغدو هذه الليالي الشاعرية استثنائية لأنها تمنحهما قرباً وتحرراً مؤقتاً من القواعد الاجتماعية، قبل أن تتلاشى مع بزوغ الصباح الذي يعيد كل شيء إلى مساره الأصلي.
كتب دوستويفسكي هذا العمل في مرحلة مبكرة من مساره الأدبي، عقب النجاح الذي حققته رواية (الفقراء). وينتمي النص إلى طور من تجربته السردية ركّز فيه على التجربة الفردية والعاطفة والوعي الذاتي، فيما يمكن وصفه بـ(الرومانسية النفسية)، على نحو يفترق عن أعماله اللاحقة مثل (الجريمة والعقاب) و(الإخوة كارامازوف)، التي اتسمت بعمق التحليل الفلسفي والاجتماعي والأخلاقي.
(الليالي البيضاء)، التي تُصنَّف روايةً قصيرة، هي عمل مميّز ببنيته النفسية والسردية لاعتماده على تكثيف زمني شديد، إذ تدور أحداثه في أربع ليالٍ وصباح واحد فقط، ويُبنى سرده على الحالة الشعورية والانتظار والحوار، متجاوزاً الاعتماد التقليدي على الفعل الخارجي المتصاعد.
هذه الفرادة جعلت العمل مصدر إلهام للعديد من الفنانين والكتّاب، وأتاحت إعادة صياغته أدائياً وتجسيده بصرياً في وسائط متعددة. فقد نُقلت الرواية إلى المسرح، أحياناً بالعنوان نفسه وأحياناً بمسميات مستوحاة منها، في عروض قُدّمت -ولا تزال تُقدَّم- على مسارح روسيا وأوروبا. كما أُعيد تخييلها في أعمال تشكيلية، من أبرزها لوحات الفنان الروسي (إيليا سيرغييفيتش غلازونوف)، الذي اشتغل على رسم صور مستوحاة من (الليالي البيضاء) في أواخر ستينات وبدايات سبعينات القرن العشرين، ضمن اهتمامه المنهجي بالأدب الروسي الكلاسيكي، الذي شكّل فيه فيودور دوستويفسكي مرجعاً فكرياً أساسياً.
إلى جانب ذلك، رافقت عدداً من طبعات الرواية رسومٌ جرافيكية لفنانين أعادوا تخييل مشاهدها بصرياً، من بينهم الفنان الروسي (مستيسلاف دوبوجينسكي)، الذي ضُمِّنت رسومه في طبعة الرواية الصادرة في بطرسبرغ عن دار (أكفيلون) عام 1923، بالإضافة إلى فنانين آخرين مثل (ناتاليا أورلوفا) و(أليكسي ريبوكسي) و(يوري تشيستياكوف)، ضمن مقاربات بصرية متباينة لعالم النص.
من بطرسبرغ إلى الشاشة.. رؤية مختلفة حكاية واحدة
تنتمي (الليالي البيضاء) إلى الأعمال الأدبية التي تستثير الاقتباس السينمائي، بحكم بنيتها المكثفة، قصر امتدادها الزمني، قلة شخصياتها. هذه السمات تمنح السينما نصاً قابلاً لإعادة الصياغة بصرياً، بحيث يغدو الليل عنصراً دلالياً أساسياً، وتتحول المدينة إلى وسيط يكشف الحالة الوجدانية ويمنحها حضوراً ملموساً على الشاشة.
في الرواية الأصلية لفيودور دوستويفسكي، تتكون التجربة عبر صوت السارد، اعترافاته، تأملاته، منذ اللحظة التي يربط فيها المكان بحالته النفسية ويجعله مرآة لاضطرابه الداخلي. مع انتقال النص إلى الشاشة؛ يظهر تحدٍّ واضح، لأن أثر هذا الصوت الداخلي يحتاج إلى أن يُعاد إنتاجه من خلال التنظيم البصري: تكوين الكادر، توزيع الحركة داخله، تموضع الممثلين، طبيعة العلاقات التي تنشأ بينهم داخل ذلك الفضاء. كل هذا قد يؤثر على علاقتنا بالشخصيات؛ لأن الرواية استطاعت أن تؤثر فينا عبر صوت السارد، أما الفيلم فيحاول أن يصنع الأثر نفسه بالصورة، الحركة، الإيقاع.
يعالج هذا المقال تمثيلات (الليالي البيضاء) سينمائياً عبر ثلاث مقاربات متعاقبة زمنياً: يبدأ بالفيلم الإيطالي (الليالي البيضاء) (Le notti bianche 1957-) للمخرج لوتشينو فيسكونتي، ثم الفيلم السوفييتي (الليالي البيضاء) (Belye nochi - 1959) من إخراج إيفان بيريف، وأخيراً الفيلم الفرنسي (أربع ليالٍ لِحالم) (Quatre Nuits d’un rêveur - 1971) للمخرج روبرت بريسون. بما يكشف عن تنوّع الرؤى الجمالية والفكرية في التعامل مع النص، ومرونته في التكيّف مع أنساق سينمائية متباينة.
خفوت الصوت السردي تحت هيمنة المكان
نقل المخرج الإيطالي لوتشينو فيسكونتي أحداث (الليالي البيضاء) من (سانت بطرسبرغ) القرن التاسع عشر إلى مدينة إيطالية مُتخيَّلة في خمسينات القرن العشرين في فيلمه (الليالي البيضاء) (Le notti bianche - 1957). حافظ فيسكونتي على البنية السردية المتمثلة في سلسلة اللقاءات، وأعاد تشكيلها داخل بيئة حضرية مصطنعة تحاصر الشخصيات وتُحدِث لدى قارئ الرواية صدمة إدراكية مبكرة عبر استحضار: الأزقة، والمهمّشين، وضجيج وسائل النقل، والعلامات التجارية، والنوادي الليلية. وفي تقديري، فإن هذا الحضور المادي الطاغي أضعف الشعرية قليلاً، وقد اختار المخرج تعويض ذلك بالاعتماد على اللقطات القريبة لإبراز انفعالات الشخصيات وملامحها وأدق تحوّلاتها، بحيث تُقرأ الحالة النفسية من تعبيرات الوجه ونبرة الصوت، مع الاستعانة بموسيقى (نينو روتا) لتعميق هذه التجربة. وفي بعض المشاهد، ظهرت محاولة لتجسيد شاعرية النص عبر تصوير (الليالي البيضاء) بالضباب الكثيف، وهو توظيف فني قد يبتعد عن الدلالة الجغرافية للتسمية الأصلية.
بالحديث عن الشخصيات الرئيسة، يبدو بطل الفيلم (ماريو) (مارشيلو ماستروياني) أقل مثالية من بطل العمل الأدبي، مع احتفاظه برومانسيته الحديثة، لكنه يحمل ذاتاً مترددة، وأقل شاعرية وتأملاً. أما (ناتاليا) (ماريا شيل) فتبدو متقلبة جداً وأكثر انخراطاً في الوهم مقارنة بشخصية (ناستينكا) في الرواية.
خاتمة الفيلم تقترب في معناها من نهاية الرواية، ففي نص دوستويفسكي نستشعر امتنان بطله -رغم الانكسار- للتجربة التي منحته إياها (ناستينكا)، بقوله: «ألا فلتكن بسمتك الجميلة دائماً مشرقة ومطمئنة، ولتكوني أنتِ مباركة على لحظة الغبطة والسعادة التي وهبتها لقلب آخر ممتنٍّ يعيش في وحشة الوحدة». بينما يُختتم الفيلم بصورة رجل وحيد ومنكسر، يغيب عنها ذلك الأثر الدافئ وشعور الامتنان العميق الذي ميز السرد الأدبي.
رؤية بيريف.. استعراض حالم
في الاقتباس الروسي لرواية (الليالي البيضاء)، حافظ إيفان بيريف في فيلمه (الليالي البيضاء) (Belye nochi - 1959) على أهم سمات نص دوستويفسكي؛ إذ أبقى الزمن في القرن التاسع عشر، واحتفظ بـ(سانت بطرسبرغ) فضاءً مكانياً، فلجأ إلى بناء ديكورات ضخمة تُجسِّد جسورها وقنواتها المائية، مع استخدام مكثف للضوء والضباب، ليستعرض كيف تبدو الليالي البيضاء من منظوره، وليمنحنا فرصة تأمل المكان كما يتبدى في عيني الحالم.
اعتمد بيريف أيضاً على اللقطات القريبة التي تُحاصر وجهي البطلين، وتفصل حضورهما عن اتساع المدينة، حتى إنه في كثير من اللحظات يبدو وكأن المدينة خالية تماماً إلا منهما. وفي الرواية يقول البطل لـ(ناستينكا): «هل تعرفين ما معنى حالم؟»، أما في الفيلم فقد أجاب بيريف عن هذا السؤال بتجسيد أحلام البطل وهذيانه ضمن سلسلة من المشاهد امتدت لأكثر من عشر دقائق، فثمّة مشهد يُظهره بطلاً يُنقذ سيدة جميلة، وآخر راقصاً في حفلة، وثالث مبارزاً منتصراً. والشيء نفسه يحدث عندما تستعيد بطلتنا ذكرياتها، إذ تُصاغ هذه الذكريات على هيئة مشاهد استرجاعية ذات طابع استعراضي مسرحي.
ومع ذلك، حافظ الفيلم في بعض المواضع على صوت السارد، أو ما يؤدي وظيفته، خصوصاً في بدايته ونهايته، حين يكون البطل وحيداً منكسراً في غرفته، يستعيد ذكرياته مع (ناستينكا) ويبكي متأملاً صورتها. وهو بذلك يجعل من فراقهما فاجعة ميلودرامية واضحة، تفوق الانكسار الداخلي الخافت الذي اتسمت به الرواية. يمكن القول إن اقتباس بيريف يمثل حالة وسطى، إذ حافظ على الهيكل الأساسي للرواية في زمانها وفضائها وشخصياتها، وأعاد توزيع مركز الثقل فيها من اللغة إلى الصورة، ومن التأمل الداخلي إلى التجسيد البصري، ومن الانكسار الصامت إلى الاستدرار العاطفي.
ليالي باريس.. بريسون والاختلاف
نختتم رحلتنا مع الاقتباسات السينمائية لرواية (الليالي البيضاء) بفيلم المخرج الفرنسي روبرت بريسون (أربع ليالٍ لِحالم) (Quatre Nuits d’un rêveur - 1971). يمثل هذا العمل بنظري التجربة الأكثر تمايزاً واختلافاً بين كافة الأفلام المستعرضة، إذ يتجاوز بريسون فكرة تحديث المكان والزمان التي تشابه فيها مع فيسكونتي، ليتخذ موقفاً فنياً يصوغ القصة بأسلوب حداثي تجريدي.
ظهر هذا التمايز في لغة السينما التي يتبناها بريسون، فهو يبتعد عادة عن الأداء التمثيلي العاطفي، ويستبدله بحركات تبدو آلية، يلحظها المشاهد منذ اللقطة الأولى في حركة (جاك) حين يلوّح بيده طلباً لسيارة أجرة. بطل بريسون هذا رسام معاصر يستخدم جهاز تسجيل يودع فيه مناجاته واعترافاته، فنسمع صوته الداخلي عبر وسيط تقني يحول بين الذات وانفعالها المباشر، ويجعل الاعتراف أقرب إلى أثر مسموع منه إلى تدفق وجداني حي، فتتكون مسافة تجعل المشاهد أقرب إلى المراقب منه إلى المندمج الكامل في العاطفة.
أما مارت التي تعيش في شقة مع والدتها، فقد اختار المخرج أن تعيش عزلتها وسط باريس الحقيقية، حيث صور في شوارع المدينة الفعلية وضجيجها الحي، مبتعداً عن شاعرية الأستوديو المصطنعة، وكأنه يخبرنا أن العزلة حالة داخلية تسكن صخب المدينة المادية. وهكذا، جاء الانكسار في النهاية مجرداً من الزينة العاطفية أو المبالغة، فلا انهيار ولا امتنان مفرط، فالفيلم إجمالاً يشكل تجربة لنقل حكاية دوستويفسكي إلى أفق حديث يبتعد بوضوح عن الرومانسية الكلاسيكية.
الخاتمة
إن استعراض هذه الأفلام الثلاثة، بتباين لغاتها وعصورها؛ يبرهن على أن ثيمات (الانتظار) ومراوغة (الوهم) تجارب يعيشها البشر في أي زمان ومكان، فهي حكاية قريبة لذواتنا عندما تتهيأ تلك اللحظة التي نظن فيها أننا لامسنا الحلم، قبل أن نصطدم بحدود الواقع وقسوته. ومن هنا يكتسب نص (الليالي البيضاء) مرونة تتيح له التشكل في أي سياق، ما يضمن للرواية امتداداً يلامس الخلود، كونها تعكس حاجتنا الأزلية لتلك اللحظات القصيرة من الغبطة، أو تجربة السعادة في لقاء روحٍ قريبة، حتى وإن كان لقاءً مؤقتاً.