مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

عبدالوهاب الدكالي.. صانع الطرب المغربي

قطع رحلة الحياة بصوته الأصيل منذ أواخر الخمسينات إلى آخر العُمر، صوته سافر في الجغرافيات العربية المتعددة من الرباط والدار البيضاء إلى بيروت ودمشق ثم القاهرة مهوى النغم العربي، ظلَّ فؤاده مشدوداً إليها منذ يفاعته، في مستهل حياته الغنائية شدّ الرّحال إلى أرض الكنانة مُلَبِّياً دعوة كريمة قصد تسجيل بعض الأغاني في مصر في مدة زمنية لا تتجاوز الخمسة عشر يوماً أو العشرين يوماً، تلك الأيام المعدودات المُبرمجة سَلَفاً صارت سنوات من الإقامة بين ظُهْرَانَيْ أهل المَغْنى، يقول: «كانت الفترة الأجمل في حياتي التي أمضيتها في القاهرة، حيث تعرّفت على العظماء الذين أصبحوا فيما بعد أصدقائي، مثل: محمد عبدالوهاب، وأم كلثوم، وأحمد رامي، ومصطفى العقاد، وفريد شوقي، وعبدالحليم حافظ، وفريد الأطرش، وليلى طاهر، ويوسف شاهين، ومحمد سلطان، ومحمد طه، وكمال الملاخ، ونجاة الصغيرة، ومحمد حسنين هيكل، ومحمد سالم، ووجدي الحكيم». عبدالوهاب لطالما أعرب عن امتنانه، قائلاً: «عمالقة الفن في مصر، كُلٌّ في مجاله احتضنوني وفتحوا لي أبواباً وعُمري آنذاك لا يتجاوز الثانية والعشرين سنة».
يُشار إلى أنّ الدكالي أرسل صرخته الأولى في مدينة فاس سنة 1941، ونشأ في بيئة ساعدته على الاكتشاف المُبكِّر لمواهبه المتعددة (التمثيل، الغناء، الرسم)، لينْهل من مَعِين هذه الفنون، مُنطلقاً في مساره الواعد أواخر الخمسينات بعد استقلال المغرب بسنة واحدة.
في الستينات لمّا صعد نجم الفتى الوسيم في سماء الأغنية المغربية العصرية، تلقفت بيوتات المغاربة صوته الدافئ المنبعث كل صباح وليلة من المذياع المنزلي الذي كان مُؤنس العائلات والأفراد الوحيدين في مُعتزلاتهم المهنية أو المنزلية، جهاز الأثير صديق حميم للحِرفيين والتجار في دكاكينهم بين الأزقة الضيقة في الأسواق التقليدية بالمدن العتيقة وفي الأرياف، ورفيق الطريق لسائقي الشاحنات والناقلات (إلى اليوم لا غنى لسائقي سيارات الرُّكاب والحافلات وشاحنات البضائع عن المذياع الأنيس المُبدِّد لوحشة الطريق وطُولِها) ذاع الطرب الجديد من هذا الذي لا يكتُم السِّر (طرافة معجم اللغة العربية عندما نقرأ أن المِذْيَاعُ: الذي لا يكتم السِّرَّ، أو لا يستطيع كتمه، ثَرْثَارٌ، مِهْذَارٌ) لاقت الأغنيات الدكالية الأولى استحساناً وإعجاباً كبيرين لأن الكلمات نظيفة وشاعرية ومكتنزة بألحان عذبة.
غنّى للحب ليس في أفقه الرومانسي فقط بل في آفاقه الإنسانية الفسيحة، لأن الموسيقي لديه هي لغة الرّوح وسؤال الإنسان المحمول عبر النغمات والنبرات، الموسيقى نداء ورسالة راقية، لهذا لا نجده يخاطب العُشاق وحدهم في أغنيته الأشهر (مرسول الحب) التي ذاع صيتها في المشرق العربي حتّى أعاد بعض المطربين العرب من مختلف الأجيال غناءها في حفلات وسهرات عديدة، بل يخاطب الإنسان في شتّى قضاياه ومشاغله، يخاطب الدفء الإنساني الغائب إلا من تجلياته بين الفينة والأخرى.
لامست أغاني الدكالي موضوع الحب بإيقاعات وترية على العود، كأن عبدالوهاب يُرقِّصُ الأوتار بريشته الضاربة مُحدثة الإيقاعات المأمولة تُرافقها الكمنجات وباقي الآلات بأساليب عصرية تمتح من التراث الإيقاعي المغربي والعربي مع انفتاحها على المُنجز العالمي، أغنياته مكتظة بالحنين والغربة ومشاعر فقد الحبيب بكل ما تعنيه من دلالات تتجاوز العلاقة الرومانسية إلى أبعاد رمزية، في أغنيته الحزينة (أنا والغربة) وجع المُغتربين والمُهاجرين العرب في الديار الأوروبية الذين يعانون من قسوة البُعد عن الأهل والوطن طلباً للرزق بعد أن ضاقت بهم بلادهم، الأغنية جسّدت أوجاع المغتربين في صوت رخيم ولحن شجي يُرْعِشان شغاف الفؤاد.
تحرر عبدالوهاب الدكالي من الشرنقة إياها (العاطفة الرومانسية) لينطلق مُحلِّقاً في أعالي القضايا الإنسانية الكبرى، تأتي أغنيته الجميلة (سوق البشرية) في السياق ذاته المُتصل بتعاطيه الفني مع هموم الإنسان المعاصر، كأنه ينعى فقدان القيم الإنسانية بعد تشييء العلاقات بين بني آدم، فصار كل شيء يُباع في سوق البشرية كما يبوح بذلك هذا المقطع من الأغنية (كل شِي يْتْبَاع في سوق البشرية، مِينْ يْفْتح المَزاد مِين يْشْري الفرح والآلام، اليأس والأحلام الصمت والكلام، الحرب والسلام ونظرة أمل في عيون مْنْسِية، كل شي يْتْبَاع في سوق البشرية يا شَارِي خذ ما يْحلَى لك، مادام القِيم انْهَارت والنفْس الحُرَّة اتّهَانت).
نقل عبدالوهاب الدكالي الأغنية المغربية من منطقتها الإقليمية الضيقة إلى العالم العربي الرحب، مانحاً لها شخصيتها الفنية المتجددة حتّى عرفها المشارقة أيضاً، تحديداً (مرسول الحب) تلك القطعة الغنائية الخالدة إلى جانب العشرات من روائعه الخالدة في الذخيرة الغنائية العربية.
نال حظّاً طيِّباً في السينما، إذ ظهر على الشاشة الكبيرة مستهل الستينات في الفيلمين الاستعراضيين المصريين (القاهرة في الليل) و(منتهى الفرح) لمحمد سالم، إلى جانب تجربة أخرى كممثل في فيلم (رمال من ذهب) للراحل يوسف شاهين إلى جانب عمالقة الفن العربي، إضافة إلى أفلام (أيام شهرزاد الجميلة) والفيلم المغربي (الحياة كفاح).
رحل عبدالوهاب الدكالي، وبقي إرثه الفني شاهداً على تجربة استثنائية امتدت لأكثر من نصف قرن، كرَّس خلالها حياته خدمة للموسيقى الراقية مقدِّماً أعمالاً خالدة لا تزال حاضرة في وجدان أجيال متعاقبة، من قبيل (مرسول الحب) و(كان يا ما كان) و(ما أنا إلا بشر) و(سوق البشرية)، أعمال لم تكن مجرد أغانٍ ناجحة، بل نصوصاً موسيقية وإنسانية عبرت الزمن، صاحبت المغاربة في حياتهم اليومية وأشواقهم المُفعمة بحنين جارف إلى اللحظات والأحبة الذين ذهبوا.

ذو صلة