مجلة شهرية - العدد (598)  | يوليو 2026 م- محرم 1448 هـ

أين ينتهي العالم الحقيقي وأين يبدأ ما نراه؟

يتكوّن الحدث الإدراكي في أعمال الفنان (كارلوس كروز دياس) Carlos Cruz-Diez لحظةً بلحظة داخل العين ذاتها. لأن كارلوس لا يقدّم لوناً جاهزاً، بل يضع شروط تشكيل الطيف، وهو لا يمنحنا صورة، بل يدفع جهازنا البَصَري إلى إنتاجها. إذ تتحول اللوحة من سطحٍ ساكن إلى نظام حيّ، ومن كيان مرئي إلى فعل إدراك. لأننا ببساطة لا نرى العمل، بل نشارك في حدوثه. كما تنبثق قوة هذا الفن من إعادة تعريف اللون بوصفه ظاهرة زمنية، لا خاصية مادية. فاللون ليس صبغةً تُثبت على سطح، بل نتيجة تفاعل بين الضوء والبنية الشبكية للعين. كل خطوة يخطوها المتلقي تُعيد ترتيب العلاقات اللونية، وكل زاوية نظر تُعيد كتابة المشهد. هكذا يصبح الإدراك نفسه مادةً تشكيلية، ويغدو التغير البصري دليلاً على أن ما نراه ليس ثابتاً، بل يتولد باستمرار من علاقة متحركة بين الجسد والفضاء. لكنه يزعزع ثقة المشاهد بحواسه. إذ يضعنا أمام تجربة إدراكية مفتوحة، حيث يصبح السؤال هو العمل الفني ذاته وهو إذا كان الضوء قادراً على إعادة تشكيل الواقع بهذه القوة، فإلى أي مدى يمكن الوثوق بما نراه؟
تنتمي لوحات كارلوس إلى أفق الفن الحركي الذي يعتمد على الحركة الفعلية أو الإيحاء بالحركة داخل العمل الفني، فيه لا تُستخدم الحركة كعنصر إضافي، بل كشرط تأسيسي للرؤية. فالحركة ليست في العمل، بل فينا نحن، في انتقال العين، في تذبذب التركيز، في التبدّل الدائم لزاوية الالتقاط. بذلك يتحول الزمن إلى بُعد مرئي، وتصبح اللحظة البصرية سلسلة من التحولات الدقيقة التي لا يمكن تثبيتها. ما يبدو بسيطاً في ظاهره من خطوط، ألوان، تكرارات، يخفي نظاماً معقداً من التحريض الإدراكي.
يُعيد هذا المنحى صياغة العلاقة بين الفن والعلم دون أن يقع في التبسيط أو التوضيح المباشر. فالفنان لا يشرح آليات الرؤية، بل يفعّلها. إنه يضع المشاهد داخل تجربة تتجاوز التلقي السلبي، وتحوّله إلى كائنٍ مشارك في إنتاج المعنى. إذ لا تعود اللوحة خطاباً يُقرأ، بل جهازاً يُختبر. ومن خلال هذا الاختبار، ندرك أن الرؤية ليست شفافة كما نظن، بل محكومة بعمليات دقيقة تتداخل فيها الإشارة الحسية مع آليات التنظيم الذهني. كما تقترب أعماله من روح Op Art، لكنه يتجاوزه. فبينما يسعى هذا التيار إلى خلق خداع بصري، يذهب هو نحو تفكيك فكرة الخداع نفسها. لا يهم إن كانت الصورة حقيقية أو وهمية، المهم هو كيف تتشكل داخلنا. إنه لا يخدع العين، بل يكشف عن قابليتها للانخداع، وعن هشاشة اليقين البصري الذي نركن إليه.
تنبني تجربته أيضاً على وعي عميق بأن الفضاء ليس محايداً. فالأعمال لا تكتمل دون حركة المتلقي داخلها. الجدار، الضوء، المسافة، وحتى إيقاع الخطوط، كلها عناصر تدخل في تركيب التجربة. فلا يعود العمل شيئاً منفصلاً عن محيطه، بل يصبح جزءاً من شبكة إدراكية أوسع، حيث يتقاطع الجسدي بالحسي، والفردي بالمشترك. وحين يتغير اللون أمام أعيننا دون أن يتغير مادّياً، نُجبر على إعادة التفكير في طبيعة الواقع ذاته. هل ما نراه موجود فعلاً خارجنا، أم أنه نتيجة تنظيم داخلي؟ وهل يمكن للفن أن يكون أداة لاكتشاف حدود الإدراك، بدل أن يكون مجرد تمثيل للعالم؟ وهل ما نراه في هذا الفن هو اللون ذاته… أم الأثر الذي يتركه عبوره داخل وعينا؟
يشعر المتلقي عند التأمل العميق لأعماله أنه انبثق من لحظة تصالح نادرة بين العلم والحس، بين الهندسة كقانون، والضوء كحالة شعرية سائلة. وكأنه يُستدرج إليها، وتُعاد برمجته داخلها. فالفنان لا يرسم أشكالاً، بل يُعيد صياغة شروط الرؤية نفسها. الخطوط في أغلب أعماله ليست مجرد عناصر تشكيلية، بل هي نظام صارم يُعيد توزيع الإدراك، كأننا أمام معادلة بصرية تتكرر بلا نهاية، لكنها في كل مرة تنتج ارتباكاً جديداً. هذا التكرار ليس استنساخاً، بل هو تفكيك مستمر للثبات، حيث تتحول الأرضية إلى امتداد للجدار، والجدار إلى وهم بصري قابل للانهيار، والأجسام إلى عقد مؤقتة في شبكة لا نهائية. كأننا أمام أسلوب يؤمن بأن الحقيقة البصرية ليست معطى جاهزاً، بل بناء خادعاً يمكن زعزعته بخيط ضوء واحد. أما هندسياً فهي ليست أداة تنظيم، بل أداة قلق. فبدلاً من أن تمنحنا الخطوط شعوراً بالاستقرار، نجدها تدفعنا إلى الشك. هي هندسة مقلقة، تنتمي إلى عالم تفقد فيه الإحداثيات معناها التقليدي. العمودي لم يعد ثابتاً، والأفقي لم يعد أرضاً، والزاوية لم تعد نقطة يقين. كل شيء يتحول إلى احتمال بصري. وهنا يكمن ذكاء الأسلوب في تحويل أكثر العناصر صلابة وهي الخط إلى أكثرها هشاشة. اللون بدوره لا يعمل كملء لهذه الخطوط، بل كقوة موازية لها، يتسلل بينها ويكسر انضباطها، فيخلق ذلك التوتر الدقيق بين النظام والانفلات. وكأن الفنان يكتب بلغة مزدوجة وهي لغة رياضية صارمة، ولغة حسية فوضوية، ويترك العين تتأرجح بينهما دون أن تستقر.
كما أن أسلوبه يتخذ مساراً أكثر سيولة، حيث يتراجع الخط لصالح الضوء بوصفه مادة أولى. إذ لا نعود أمام شبكة، بل أمام فضاء مقسوم، مشحون بتضاد لوني حاد. الأزرق ليس لوناً، بل حالة وجودية، وكذلك الأحمر. كل لون يصبح مجالاً نفسياً، بل هوية مؤقتة للكائن الذي يتحرك داخله. الشخصيات البشرية في هذا العمل لا تُرى كأفراد، بل كآثار ضوئية، كأنها تُكتب وتمحى في اللحظة نفسها. الحركة المموهة لا تعكس فقط انتقال الجسد، بل تفضح هشاشته أمام سلطة الضوء. وبهذا يتجلى أسلوب كارلوس في قدرته على تحويل الإنسان من مركز للرؤية إلى مادة داخلها، من ذات ناظرة إلى موضوع مُعاد تشكيله.
إن ما يجمع بين أعماله هو تلك الرغبة العميقة في إعادة تعريف العلاقة بين الكتلة والفراغ. في بعض لوحاته، تُلغى الحدود عبر الامتداد الخطي، وفي الآخر تُذاب عبر الغمر اللوني. في الحالتين، لا يعود الفراغ فراغاً، بل يصبح مادة فاعلة، تضغط على الكتلة وتعيد تشكيلها. هذه المعالجة تضع كارلوس ضمن تقليد بصري معاصر يتعامل مع الفضاء كوسيط حي، وليس كخلفية صامتة. الفضاء إذ يتنفس، يتغير، يتلاعب بالإدراك، ويُجبر المتلقي على أن يكون جزءاً من التجربة، لا مجرد مشاهد لها. وهكذا، يتحول العمل الفني إلى حدث، إلى تجربة زمنية بقدر ما هو تشكيل مكاني. كما أنه يتميز بالاقتصاد الشديد في العناصر مقابل الفائض في التأثير. إذ لا نجد تفاصيل زخرفية أو تعقيدات شكلية، بل عناصر محدودة من خط، لون، ضوء، كتلة. لكن هذا التقشف الظاهري يخفي وراءه تعقيداً إدراكياً هائلاً. فالفنان لا يراكم العناصر، بل يراكم العلاقات بينها. كل خط هو علاقة، كل لون هو توتر، كل ظل هو احتمال. وهذا ما يمنح العمل كثافته، فهو ليس بما يحتويه، بل بما يفتحه من احتمالات. إذ يضعنا أمام أسلوب يراهن على ذكاء المتلقي، على قدرته على إكمال العمل داخل ذهنه، على إعادة بناء ما تهدمه العين.
من زاوية أخرى، يمكن اعتبار هذا الأسلوب هو انعكاس لعالم معاصر تهيمن عليه الأنظمة الرقمية. الخطوط المتكررة تذكّر بشبكات البيانات، والضوء النيون يلمح إلى الشاشات، والفضاءات المقسومة تعكس ثنائيات الواقع الافتراضي. لكن الفنان لا يسقط في فخ التمثيل المباشر، بل يستعير من هذا العالم منطقه الخفي من التكرار، الترميز، الانقسام، واللايقين. إنه لا يرسم التكنولوجيا، بل يرسم أثرها على الإدراك. وبهذا يتحول العمل إلى نوع من التأمل النقدي في كيفية رؤيتنا للعالم في عصر مُشبع بالصور والضوء. كأن الفنان يسألنا هل ما نراه هو العالم، أم هو مجرد واجهة ضوئية له؟
يشعر المتأمل لأعماله أن الزمن مُجمّد داخل تكرار الخطوط، كأنه لحظة أبدية لا تتغير، ومع ذلك تولد إحساساً بالحركة بسبب الاهتزاز البصري. وفي أعمال أخرى نشعر أن الزمن حاضر عبر الحركة المموهة للأجساد، لكنه زمن غير قابل للإمساك، يتسرب من بين الألوان. هذا التناقض يكشف عن وعي عميق بطبيعة التجربة البصرية، فهي دائماً زمنية، حتى في أكثر حالاتها سكوناً. فكارلوس لا يقدّم لحظة، بل يقدّم عملية رؤية مستمرة، تتغير مع كل حركة للعين. فهل يمكن القول إن أسلوب هذا الفنان يقوم على زعزعة الثقة بالحواس؟
يهدف كارلوس من وراء كل هذا إلى إعادة البناء. فهو يدعونا إلى الشك، لكن هذا الشك ليس سلبياً، بل خلاقاً. فهو يفتح المجال أمام رؤية أكثر وعياً، أكثر إدراكاً لحدودها. فأعماله لا تكتفي بأن تكون جميلة، بل يسعى من خلالها لأن يكون كل عمل تجربة معرفية، واختباراً لصلابة ما نعتقد أننا نراه. وهكذا، يصبح الفن ليس مرآة للعالم، بل مختبراً للرؤية، حيث يُعاد تعريف الواقع في كل لحظة، ويُطرح السؤال الأعمق وهو إذا كان الضوء قادراً على تشكيل كل هذا، فأين ينتهي العالم الحقيقي وأين يبدأ ما نراه؟

ذو صلة