تتيح مدينة داخاو الألمانية لزائرها فرصة فريدة، بأن يتبع خطى فنانين من ألمانيا وسائر أوروبا استوطنوا تلك المدينة منذ ما يزيد على مئة عام فيما كان يعرف باسم (مستعمرة الفنانين)، فساروا في طرقاتها وانتشروا بين جنباتها ليرسموا لوحاتهم التي تحاكي المناظر الطبيعية الخلابة أو المستوحاة منها وفق المذاهب الفنية المختلفة، والمذهب الفني الجديد الذي عرف باسم (مدرسة داخاو)، فيمضي المرء على خطى هؤلاء الفنانين في معرض فني مفتوح ليرى المنظر الطبيعي واللوحة المرسومة له، حيث يجتمع الواقع والخيال والأصل والإبداع.
تقع مدينة داخاو في ولاية بافاريا جنوب ألمانيا، وتبعد عشرين كيلومتراً عن مدينة ميونخ، لداخاو تاريخ فني رائع وتاريخ سياسي مؤلم، فهي مدينة ذات وجهين وتاريخين، فكانت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين موئلاً للفنانين والرسامين والكتاب، الذين جذبتهم بطبيعتها الخلابة ومناظرها الطبيعية الساحرة وهدوئها الملهم ونهر آمبر الذي يجري في أرضها، وجمالها المعماري البافاري الكلاسيكي، وقصر داخاو في المدينة القديمة بحدائقه الغناء، التي تمنح الزوار إطلالة بانورامية ساحرة على جبال الألب والسهول المحيطة، وفي ذلك الوقت كانت داخاو مركزاً ثقافياً فنياً مهماً في أوروبا.
لكن في عام 1933 تم إنشاء أول معسكر اعتقال نازي، والذي ظل قائماً حتى عام 1945، فارتبطت المدينة بواحدة من أبشع الجرائم الإنسانية التي عرفها التاريخ، لكن تم تحويل هذا المعسكر الذي يمثل ذكرى قاتمة في تاريخ البلاد إلى مركز لترسيخ قيم التسامح والحرية والإنسانية وتكريم ضحايا تلك الحقبة، وهو مفتوح على مدى أيام الأسبوع، ويستقبل الملايين من الزوار والسائحين من شتى أنحاء العالم سنوياً، ويمتد المكان على مساحة شاسعة بأقسامه المختلفة، ويضم العديد من الوثائق والمعلومات المصورة، والكثير من المقتنيات والأدوات التي تقربنا من مدى بؤس الحياة التي عاشها من سجن في ذلك المكان، فنرى ملابس بعض المعتقلين بشكلها الشهير، وبعض أدوات الطعام والشراب البدائية. هذا التناقض بين سحر الطبيعة في المدينة وثقل تاريخها السياسي، يجعل منها وجهة استثنائية، فهي لا تقدم للزائر رحلة سياحية تقليدية بين المباني القديمة والمقاهي الهادئة وحسب، بل تقدم تجربة إنسانية عميقة تدفع الزائر للتأمل في مسارات التاريخ وإمكانية التعلم من دروس الماضي وتغيير المستقبل للأفضل.
يمتد طريق الفنانين إلى ما يقرب من 6 كيلومترات، في مسار دائري يبدأ وينتهي في قلب المدينة القديمة، وعلى مدى الطريق نجد لوحات إرشادية مثبتة في الأرض، تضم بعض المعلومات وصورة للوحة من اللوحات العديدة التي رسمها الفنانون في داخاو، نجد صورة اللوحة واسم الفنان الذي رسمها وبعض الشرح والمعلومات، أما جميع اللوحات التي أنجزت في حقبة مستعمرة الفنانين التي امتدت منذ عام 1890 حتى عام 1914 فتوجد في جاليري داخاو الفني، ويمتد جزء كبير من هذا المسار على ضفاف نهر آمبر وفروعه، حيث تخصص الكثير من الفنانين في رسم انعكاسات المياه والأشجار المحيطة بها.
ينساب الطريق عبر ممرات ريفية هادئة تتخللها فروع النهر والأشجار العتيقة واللون الأخضر الذي يحيط بالرائي من كل جانب، وصولاً إلى المرتفعات التي توفر إطلالات بانورامية على أسطح المنازل القرميدية وجبال الألب المتوارية في الأفق، يرى الزائر كيف ألهم هذا التداخل الفريد بين العمارة التقليدية والمساحات الخضراء المدرسة التعبيرية والانطباعية، فالمسار توثيق حي لكيفية استلهام الفن من الطبيعة، وعندما نقف لنتأمل المنظر الطبيعي واللوحة المرسومة له، نستطيع أن نتعرف على رؤية الفنان وانطباعه ومدى تأثره بذلك المنظر وأسلوبه في التعبير عنه.
رسم الفنان يوهان جورج فون ديليس منطقة تلة القلعة والشارع المؤدي إلى قلب المدينة القديمة، وتظهر اللوحة البيوت ذات الطراز البافاري التقليدي بأسطحها المائلة المدببة، وهي البيوت التي لا نزال نراها حتى اليوم، وقد تم الحفاظ عليها والعناية بها، وهي بألوانها الزاهية المتنوعة تضيف سحراً إلى المدينة القديمة التي تعد من أجمل أماكن داخاو. ورسم أدولف هولزل لوحة كنيسة سانت جاكوب، التي يركز فيها على كتل الألوان والضوء، وفي اللوحة تظهر الكنيسة العتيقة ببرجها المميز الذي ينتهي بالقبة الخضراء، ولا تزال الكنيسة قائمة، وتعد المركز الروحي للمدينة القديمة ومدينة داخاو بأكملها، وهي المعلم الأبرز في داخاو، يظهر برجها ذو القبة الخضراء من مسافات بعيدة ونستطيع أن نراه بتفاصيله التي تظهر في لوحة هولزل.
وتعد لوحة حدائق قلعة داخاو للفنان لودفيج ديل تجسيداً مميزاً للمدرسة الانطباعية الألمانية التي ازدهرت في مدينة داخاو، وكان ديل أحد رواد مستعمرة الفنانين. وقد تميزت أعمال ديل وبخاصة تلك التي صورت المناظر الطبيعية المحيطة بالقلعة، بالتركيز على التفاعل بين الضوء والظلال في ممرات الحدائق، واستخدام الألوان الهادئة التي تعكس الطبيعة الخلابة للمكان.
ويعد الفنان آرثر لانغهامر واحداً من الركائز الأساسية التي قامت عليها مستعمرة الفنانين ولوحات طريق الفنانين في داخاو، وقد تميزت لوحاته بقدرة فائقة على مزج المشاعر الإنسانية بالطبيعة الريفية، ومن أشهر لوحاته لوحة الغداء في الحقل التي تصور حياة الفلاحين في بافاريا. لم يكن لانغهامر يكتفي بنقل الواقع كما هو، وإنما كان يضفي عليه صبغة من الهدوء والسكينة، مصوراً العمال والفلاحين في لحظات استراحة أو تأمل. ويلاحظ تأثره بالمدرسة الانطباعية، فنرى في لوحاته كيف يتخلل ضوء الشمس ليسقط بلمسات ناعمة على الأشياء أو الأشخاص ليمنح الإحساس بالدفء. وقد ساهمت أعماله إلى جانب أعمال لودفيج ديل وأدولف هولزل في وضع مدينة داخاو على خريطة الفن العالمي قبل الحرب العالمية الأولى.